بالإضافة إلى قصة نجاحه وعصاميتها، وإصراره الفَذ على نيل ما أراد، ما يثير الإعجاب هو استمرار تجربة كاظم الساهر الموسيقية بنفس الالتزام تجاه موسيقاه بمسؤولية عالية أمام جمهوره، مسيرة تجاوزت ٢٦ ألبومًا وأكثر من ٢٠٠ أغنية منفردة. تعدّدت وتنوّعت هذه النتاجات بألوان موسيقية كان سوادها الأعظم في غاية الجمال.
بعد عامين من ألبوم مع الحب، عاد كاظم بألبوم بلا عنوان من إنتاجه الشخصي وتخلّى عن التوقيع مع شركة توزيع تقليدية كبرى واعتمد التوزيع الرقمي المباشر عبر منصته الرسمية على يوتيوب ومنصات الموسيقى الأخرى.
صارت أغنية متى، باكورة ألبوم بلا عنوان ومن كلمات وألحان كاظم الساهر، مُتاحةً على كل المنصات في ٢١ مايو. أغنية بلحن طقطوقة مُستوحى من طقطوقات قارئ المقام محمد القبنجي ومن أغاني ناظم الغزالي وسيد درويش. اعتمد توزيعها على الكمان والعود والربابة والكولة والإيقاعات الشرقية، مع الإضافة المهمة للآلات الهوائية التي ما زال استخدامها شائعًا في الفرق الموسيقية الشعبية العراقية. أما الهلاهل (الزغاريد) العراقية التي نسمعها في خلفية الأغنية فهي من استذكار كاظم لطقوس الزفة العراقية التقليدية.
قرر وسام كاظم الساهر المدير الإبداعي لشركة ثيرد كالتشر أن تكون هذه الأغنية هي الأولى في الألبوم، واحتفى الجمهور العربي بها لحنًا وتوزيعًا، وأداءً من كاظم الذي لم تغيره السنين؛ أما كلماتها فصارت تريندًا عراقيًا للتندر استمر لأيام. كتابة الأبوذية في العراق أقرب إلى فَخ، لأن شعراء مثل أبو معيشي وصولًا إلى رحيم الركابي صعّبوا مهمة هذا النوع من الكتابة. لم تنطبق أبجديات كتابة الأبوذية على كلمات الأغنية، فكانت بعض الجناسات تتحور إلى كلمات أخرى.
“يا لهوي” قالها الموزع المصري هشام نياز حين وصلهُ مقطع فيديو من كاظم الساهر لعرس عراقي تقليدي، لإعجابه بأداء عازف الترومبيت والإيقاعات ومشاهدته زحمة الناس الذين تكدسوا بباص صغير. استطاع هشام نياز تشرب مزاج الموسيقى الشعبية العراقية فسمعنا توزيعًا ساحرًا واحتفائيًا، خصوصًا بين كوبليه وآخر. يُتوج هذا السحر بالأكوستيك المجرّد حين يبقى صوت كاظم وحده – بأدائه العالي – وتهدأ الإيقاعات مع بايس في الخلفية و لازمة كمانات بتردّدات محدّدة وضربات مفتاحية من البيانو.
يَستعيد كاظم بـ إلا أجيبك بريقه التسعيناتي، متوعدًا حبيبته بالوصول لقلبها، وسط توزيع محب الراوي بالكيبورد والكمنجات والكوله والمزمار ذي النفس التسعيناتي المحبب. كان التنوع الإيقاعي مثاليًا بتنقله بين المقسوم والوحدة الكبيرة والرومبا، بينما تنقّل لحن الأغنية بين الكُرد والبياتي.
ما يثير الانتباه في بعض النصوص الغنائية التي يكتبها كاظم هو افتقارها لوحدة سياق الموضوع. في إلا أجيبك مثلًا، يبدأ النَص بالمراهنة على نيله قلب المرأة التي يحب، لكن مع امتداد النَص نسمع كاظم يندب حظه “اللي ما قعد وياه” ويسرد لنا وصفه للحب وكيف تنسى كل شيء حين تحب، بل يصل النَص لمعاتبة كاظم قلبه على هذا العذاب والمحبة الخاسرة. تنتهي الأغنية ولم نعرف إلامَ وصل الوعيد والمراهنة لكنه يرضينا ويراضينا ببيت جميل: “شتكره من الدنيا وإنتَ بحضن دافي وعشْرَة حلوة؟” يذكّرنا ببيت مظفر النواب: “راحة بال واستكين جاي تكفينا.”
تستمر هذه العودة إلى البدايات مع عزيز الرسام، كاتب سلمتك بيد الله وعبرت الشط وشلون أودعك يالعزيز في بدايات كاظم التأسيسية وانفتاحه على الجمهور العربي. ما يؤخذ على عزيز أنه كشف خلافه مع كاظم للإعلام وعاتبه كثيرًا على الفضائيات، لكن كاظم دعاه إلى إحدى حفلاته الأخيرة وقدمه للجمهور وأعاد إحياء أصداء التعاون الناجح عبر هو إنتَ في هذا الألبوم.
تبدأ الأغنية بآهات وهمهمات كاظم لاستهلال سرد القصة: “هو إنت / اللي بدت وياه قصتي / هو إنت الخلّى بعيوني دمعتي / هو إنت الغيّر أحبابي عليَّ.” يبدأ اللحن بكُرد مرورًا بالحُجاز ثم البياتي؛ لحن بسيط لكنه مثالي لسرد الحدث خصوصًا مع مرافقة الناي والعود والقانون والوتريات، وتنوع الإيقاعات بين الوحدة الكبيرة / السائرة والرومبا بطابعه العراقي بتوزيع محب الراوي.
في وَشم يعود كذلك كاظم إلى أحد رفاق الألفينات، أسعد الغريري كاتب الرحيل ومو ضحكتك. الأغنية عن استحالة التخلي، على وقع مقدمة جاز يتحول في لحظة ما إلى إيقاع الوحدة. أغنية عذبة لم تلفت الأنظار لكنها كفيلة بأن تصبح بعد فترة العلامة المميزة للألبوم.
بالدخول الساهري البديع أصبحت أغنية أتت من الأغاني الفريدة في الألبوم. كان الأداء منسابًا مع الجُمل اللحنية ومظهرًا أهمية كتابة المغني لنفسه وتلحين الكتابة. جاء تناغم اللحن مع أطوال الأبيات الشعرية ومدود الكلمات جليًا وممتعًا؛ سيّما مع الطبقة العالية للأداء بجملة “عضّت على جمر الفم” وتماهي ضربات الجيتار الكهربائي. لكن التباس الضمائر في كلمات الأغنية وتحديدًا في الجزء الأخير منها يُوقع المستمع في إرباك يتداركه اللحن والأداء.
يتكرر الالتباس في أغنية راحت عليك، لكن ما يشفع لها -غير اللحن والأداء- تضمين كاظم لحادثة حقيقية وقعت لأم عراقية، ظهرت في لقاء تلفزيوني تشرح كيف أن ابنها رماها في دار المسنين بسبب عدم موافقة زوجته على بقائها في البيت: “يمكن إذا هدني الزمن ترميني بالشارع / قالت قالت / يمكن على موتي أبد ما عندك أي مانع”. في نفس الوقت انتشر بيت آخر من الأغنية على منصات التواصل الاجتماعي وجرى تفسيره على أن لَه دلالة سياسية توضح نظرة ورأي كاظم الساهر في عراق ما بعد ٢٠٠٣: “خلني أتشرد ولا أكون إلك تابع”، وجرى ربطه بالتالي بأسباب عدم عودته للعراق ولا حتى إحياء الحفلات فيه. لم يؤكد هذا التفسير ولم ينفه حديث كاظم عن الأغنية.
تأتي أغنية تجاهلني من كلمات يحيى العلاق مثالًا مهمًا لتوضيح الفارق بين قالب النصوص الغنائية العراقية وبين طريقة الساهر في الكتابة. كُتبت الأغنية في القالب التقليدي للنَص الغنائي، أي أن قافية المذهب الأول تتكرر في نهاية كل الكوبليهات.
طريقة كتابة يحيى للسهل البسيط ولغته الشعرية الوسطى -بين الشعبية العراقية واللغة البيضاء- جعلت هذا التعاون متوقع مسبقًا. حملت الأغنية سحر إيقاعات البصرة وخشابتها، إذ يتأرجح كاظم بلحن الأغنية مثل تأرجح مشاعر الحبيب الذي يتنكر عاطفته، ويحقق انتقالات مقامية بالغة الدقة داخل سلم واحد – راست أساسي وراست النهاوند وراست الكُرد.
لم يتغير القالب التقليدي في الكتابة بأغنية جمالك لسعد المسلم، أغنية تليق بنوعية الغزل الذي اعتدناه من كاظم. لمسة عثمان عبود حاضرة بالتوزيع العراقي الحديث الذي أسس لنفسه هوية في السنوات الأخيرة، لكن الغريب نطق كاظم “جمالِك” بدل “جمالچ” رغم أنه يغني بعدها “عليچ” لا “عليكِ”؛ في حين يقول “شنهي” في أغنية هي گوّة، وهي مفردة شديدة المحلية في العراق ويرد الكورال بعده: “على شنهو”.
تعود الإيقاعات البصراوية الرائعة للألبوم عن طريق توزيع محب الراوي في أغنية ولا أشكي لك التي تتحدث عن عدم نجاح العلاقات وأهمية كتم أسرار العلاقة وأسباب انقطاعها وأدبيات الإنفصال.
يستعيد كاظم الراحلين، كريم العراقي في أغنية عشر دوخات ولميعة عباس عمارة في تدخّنين. أطل كاظم من خلال عشر دوخات بأداء هادئ ولطيف مثل نسيم في بستان عراقي، مع كلمات كريم الشفيفة والعذبة مثل حضوره الذي نتذكره إلى الآن. من أجمل أغاني الألبوم توزيعًا.
في نَص تدخنين من الأنا والثقة والكبرياء والاعتزاز بالنفس ما يليق بالشاعرة الراحلة لميعة عباس عمارة صاحبة الظل الخفيف وضحكتها الحلوة. قصة الأغنية حقيقية حدثت مع لميعة في أحد المهرجانات الشعرية حين سألها شاعر آخر أسئلة تختبر تحررها. حصل كاظم، الذي كان يتمنى أن تسمع لميعة الأغنية قبل رحيلها، من الشاعرة على أغنيتيّن آخرتين ربما نسمع إحداهن يومًا ما.
تواجه الحقوق كاظم مرة أخرى مع أغنية الحلوين، بعد مشاكل سابقة مع الشاعر عزيز الرسام حول حقوق الملكية والتنازل المادي لبعض الأغاني في بدايات كاظم. نزلت الحلوين ضمن أغاني ألبوم بلا عنوان، أحبّها جمهور كاظم وتفاعلوا معها؛ شاعرها هو بشير العبودي الذي رافق كاظم في بداياته منذ ألبوم شجرة الزيتون عام ١٩٨٤ بأغنيتين هما على حالي والليلة فرح. بمجرد أن استمع الناس لأغنية حلوين كاظم تذكروا حلوين حميد منصور.
قبل سنوات عدة غناها حميد منصور: “شگالوا الحلوين ذكرونا لو ناسين / يا صاحبي كولي الليل شيخلي بعيون سهرانين”، من ألحان الراحل محسن فرحان التي تتشارك مع حلوين كاظم نفس المذهب. اكتشفت شركة التوزيع هذا اللبس سريعًا وحجبت الأغنية عن الألبوم لكنها بقيت في قنوات غير رسمية على يوتيوب ومنصات أخرى. يقول بشير العبودي إنه لا يعرف كيف وصلت الأغنية إلى حميد منصور وأنه استلم كامل حقوقه من كاظم الساهر. عادت الأغنية إلى الألبوم ولا تزال حتى هذه اللحظة محل مقارنة من جمهور الساهر بين جماليات الأغنية الساهرية وأغنية حميد منصور.
يسهل تفهّم عدم اعتماد كاظم على ألحان غيره لأنه ملحن كبير، لكن عدم اعتماده على أسماء شعرية شابة، باستثناء تجربته في هذا الألبوم مع يحيى العلاق وسعد المسلم، جعله يفوّت فرصة دخول مساحات جديدة يتلاقى فيها مع الأجيال الأصغر. على العكس تمامًا في تعامله مع موزعين كُثر، والذي أسهم بتعدد وتنويع المعالجات الموسيقية لألحانه. برأيي، يلخص بلا عنوان ويفسّر كاظم الآن. كاظم في السنوات الثلاث الأخيرة محصلة موسيقية مرفقة بفقد شخصي لزوجته وقبلها أخوه وقبلهم أبواه وأصدقائه، انعكس هذا الفقد على الموسيقى التي يصنع والكلمات التي يكتب.
