يدرك المتابع لمسار عازف العود الفلسطيني نزار روحانا منذ ألبومه الأول سرد، الذي أطلقه بنفسه بلا حسابات تسويق، مرورًا بألبوم فرات الذي حمل توقيعه التأليفي والتوزيعي بالكامل، ثم صفا الذي كسر فيه أخيرًا رهبته من فكرة الألبوم الفردي القائم على العود وحده، أنه يبني مشروعه الفني على قناعة واحدة، أن العزف الآلي في مشهد تهيمن عليه المرويات الغنائية طاقة تعبيرية لم تستهلك بعد؛ وأن العود كفيلٌ بألبوم كامل، لا فقط قطعة مفردة كثيرًا ما يُختزل إليها العازف في الإنتاج الموسيقي العربي.
بعد عامين من صفا أصدر نزار أخيرًا ألبوم سجود مع عازفة العود الإيرانية ياسمين شاه حسيني كمشروع كبير يتناسب مع طموحه المعلن، وبنية إنتاجية مخطط لها بعناية على مستويات التمويل والتسجيل والتوزيع.
سجود ألبوم من ثماني مقطوعات مدته الإجمالية نحو ٣٧ دقيقة ونصف، تأليف نزار روحانا، صادر عن تسجيلات كيبيرا. السجود هنا هو فعل الانحناء إجلالًا، لا خضوعًا، أو بحسب النص المرافق للألبوم “إيماءة تعظيم ورمز مثابرة”، إذ ولد العمل في سنوات مطبوعة بالصراع والفرقة، حاملًا رسالة أمل هادئة لكنها صلبة، ومُهدى لمن يتحملون الشقاء، وخاصة الأطفال الباحثين عن طريق وسط العتمة.
الفكرة التي بُني عليها الألبوم هي لقاء بين تقليدين آليين للعود مختلفين جوهريًا في موقع الآلة داخل كل منهما؛ ففي التقليد العربي، وتحديدًا المصري-الشامي الذي تربى عليه نزار روحانا سماعًا وتأليفًا، يحتل العود مكانة مركزية لا جدال فيها كعمود التخت، وآلة التقسيم الحر، ولسان الملحن حين يريد أن يفكر موسيقيًا قبل أن يكتب لحنًا للصوت. أما في التقليد الفارسي، فالعود – كما توثق سيرة ياسمين شاه حسيني نفسها – آلة ذات جذور تاريخية عميقة في الموسيقى الإيرانية، لكنها تراجعت لصالح التار والكمنجة في الأداء الكلاسيكي لمنظومة الدستكاه التي تبلورت وتقعدت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. هذا التفاوت في مكانة الآلة بين التقليدين هو بالضبط ما يمنح سجود أطروحته الضمنية، أننا أمام عازفَين يقتربان من الآلة نفسها من موقعين مختلفين تمامًا، أحدهما يعزف من قلب تقليد يمنح العود المركز، والأخرى تعزف من موقع استعادة وإعادة تموضع داخل تقليد نحى العود جانبًا لقرن كامل.
أما الحضور الثالث في الألبوم هو الإيقاعي الألماني روفن روبيك، وهو اختيار لا يقل دلالة عن اختيار العودين، فقد بنى روبيك مسيرته على مبدأ اللاتمركز الثقافي، من الفلامنكو إلى الموسيقى العثمانية، ومن الإيقاعات المتوسطية إلى الكلاسيكية الهندية الشمالية، وتخصص في آلات قرع يدوية متعددة كالدف الإطاري والكاخون والرق والمارمبا. ما يجعله جسرًا محايدًا نسبيًا بين عودين قادمين من مركزين مختلفين.
يكمن التحدي هنا في أن العود آلة منفردة بامتياز في التراث العربي، وهو أيضًا آلة ثنائية بالغة الصعوبة. حين يعزف عودان معًا يواجه المؤلف مشكلة فيزيائية قبل أن تكون فنية، إذ تتقاسم الآلتان المدى الترددي نفسه تقريبًا، وطبيعة الصوت المنقور قصير الأمد متشابهة، وخطر أن يتحول الحوار إلى تضاعف باهت أو إلى ضجيج أوتار متداخلة خطر حقيقي. لذلك فإن من يؤلف لعودين يحتاج إلى حلول محددة، توزيع الأدوار بين لحن وأرضية، أو الفصل بين الطبقات الصوتية باختلاف المقام والتوزيع، أو استثمار الفروق في الأسلوب لخلق تباين حي، وهذا ما فعله نزار. إذ ألّف وأعد سجود بوصفه حوارًا معقدًا يستكشف هذا التباين دون أن يميل الميزان لصالحه، وأعطى ياسمين مساحة معتبرة للتعبير بأسلوبها.
توازي تلاقي
بداية تتسم بالترقب، خطان متوازيان من العزف يتقدمان بحذر متكئ على احترام متبادل، قبل أن يتلاقيا في نقطة تقاطع مقامية مبهجة، شعرت كمستمع بأنها خطوات نحو بوابة قاعة موسيقية. الانطباع الأول هنا هو انطباع التعارف المتأني، فهي معزوفة قائمة على فكرة التداخل الموزون، يبدأ نزار بتثبيت خط إيقاعي مقامي محدد، بينما تسير ياسمين بفرع زخرفي يعلو ويهبط فوق هذا الخط. تظهر هنا الدقة في التوقيت، والانسجام بين العودين يبدو وكأنه حوار بين عقلين يفكران باللغة نفسها لكن بنبرتين مختلفتين. تكمن نقطة القوة الأخيرة في النهاية المتلاشية التي تترك معنى اللقاء مفتوحًا.
سجود
هنا يتكثف المعنى، بطء متعمد، تنفس واسع بين العبارتين، وشعور بالانحناء الفعلي أمام شيء أعظم. أصنفها كمعزوفة روحانية إلى حد كبير، فيها شعور بالرهبة والحلول الصوفي، ويظهر فيها الارتجال في أنقى صوره من خلال تبادل هادئ في ضرب النغمات الطويلة الممتدة، حيث تتوارى الخفة والسرعة الفنية لصالح عمق النغمة وجودة الإحساس. لاحظت أن نزار، بخلفيته البحثية في الارتجال المؤلف مسبقًا، يبني ألحانه على محاور مقامية واضحة ثم يفككها بحرية، بينما ترد شاه حسيني بعقلية الدستكاه: التمسك بنواة لحنية وتدويرها حتى تنضج، والنتيجة تحولات مقاماتية تجري بسلاسة دون أي نشاز أو قسوة في الانتقال.
درب ونور
عنوان شاعري يعكس بنية ثنائية: الدرب مسار إيقاعي ثابت يمشي، والنور إشراقات لحنية تتساقط فوقه. أعتبرها من اللحظات التي يتألق فيها مفهوم الألبوم، من خلال بنية مؤلفة بإحكام تتخللها فتحات تلقائية. تميل الجمل الملحنة هنا إلى البساطة الممتنعة، وتعتمد على ميلوديات قصيرة تتكرر بتنوعات مختلفة، فيأخذ عود زمام المبادرة في صياغة اللحن الأساسي، بينما يوفر العود الآخر الخلفية الهارمونية ببراعة، ثم تتبادل مواقع العودين بين صدارة ومؤازرة. تعطينا المعزوفة شعورًا بالتفاؤل بأن غدًا سيكون أفضل، أصنفها كموسيقى للمشي تحت شمس الغروب.
في المعبد
المقطوعة الأكثر تأملًا وانغلاقًا على الداخل، وكأنها استدعاء للموسيقى الطقسية القديمة. يوحي العنوان بفضاء مقدس، وتترجم الموسيقى ذلك باقتصاد نغمي صارم وصدى شبه طقسي. أرى فيها تجربة استكشافية للمساحة الصوتية، من خلال التركيز على الطابع الصوتي واستجابة خشب العود للضربات الشديدة والضعيفة، وتظهر فيها تقنيات عزف معاصرة مثل العزف بالقرب من الفرسة، للحصول على صوت معدني حاد، يعقبه عزف قرب البصمة لإنتاج صوت دافئ ومكتوم. هنا تتألق شاه حسيني بثقافة الهمس الفارسية، ضربات ريشة موزونة وأنامل تعرف متى تكف. من أرق لحظات الألبوم وأكثرها حميمية.
أكامار، فُرات، إلى ياسمين
اشتمل الألبوم على إعادة تصور لأعمال سبق أن أصدرها روحانا في ألبوماته السابقة؛ أولهم أكامار، وهو آخر نجم في كوكبة النهر، والنجم في هذا الألبوم تعاد كتابته بآلتي العود فقط بدون الكلارينت والكمان والكونترباص في النسخة الأولى. أقصر مقطوعات الألبوم لكنها الأكثر رشاقة إيقاعية، ويعتمد البناء هنا على الإيقاعات المركبة، حيث يتنقل نزار وياسمين بين تقاسيم سريعة وتبادل أدوار خاطف، ما يعطي إحساسًا بالحركة والدوران حول مركز ثقل مقامي ثابت. دور روبيك الإيقاعي هنا أوضح، ويمنح العمل حيوية راقصة دون أن يكسر هيبته. إعادة التوزيع ناجحة لأنها لا تحاول نسخ الأصل بقدر ما تطرح سؤالًا: كيف تبدو المعزوفة نفسها إذا سُمعت بأذن فارسية؟
العودة الثانية إلى رصيد روحانا الأسبق هي معزوفة فرات التي تحمل في جيناتها المقامية عبق ما بين النهرين، ويعاد تشكيلها بثنائية نزار وياسمين التي منحتها عمقًا مختلفًا. تُظهر الحركة السريعة والمتواصلة للريشة المزدوجة الاقتدار التقني العالي لدى العازفين، وتخلق طاقة إيقاعية حية ودافئة، لاسيما في مطابقة السرعة مع الحفاظ على المسافات النغمية الصغرى ناصعة النقاء، دون أن تضيع التفاصيل وسط السرعة.
أما ياسمين التي صدرت في ألبوم صفا فقطعة ذات طابع شخصي تتسم بالشجن، وإضافتها إلى هذا الألبوم تحت اسم إلى ياسمين تبدو وكأنها إهداء مباشر لشريكته في المشروع. هنا تظهر ميزة العود في جعل اللحن يبدو قريبًا من الكلام، فالحوار هنا أكثر حميمية وأقل دراما، بناء صبور متصاعد يدار بمنطق التراكم الموجه نحو ذروة، والخط اللحني واضح يُطرح ثم يزخرف تدريجيًا على إيقاع هادئ ومنتظم. أقل مقطوعات الألبوم تعقيدًا بنيويًا وأكثرها دفئًا إنسانيًا.
عراق
الختام الأثقل دلالة، يستحضر نزار في هذه المعزوفة روح المدرسة العراقية، أحد أهم خزانات الذاكرة الموسيقية في المنطقة العربية، وتضيف عليها ياسمين بعدًا فارسيًا. يتحرك العودان في شبكة واحدة من الجمل المتشابكة، بما يجسد حرفيًا اللغة المشتركة التي وعد بها النص التعريفي للألبوم، بينما تترك جودة العزف في الذروة التقنية والعاطفية أثرًا قويًا كختام يفتح الباب على المستقبل، ويطرح أسئلة للمستمع عن الحرب، والهوية، والموسيقى التي تستمر رغم تغير الجغرافيا.
