العود الإيراني بين المقام والدستگاه | مقابلة مع نگار بوبان

مقابلات - كتابة: فرح زهرة - ٢٠٢٦/١٠/٢٤
العود الإيراني بين المقام والدستگاه | مقابلة مع نگار بوبان
تحميل...

إذا كان العرب مطربي الموسيقى المقامية، والأتراك مبدعيها البارعون، فالإيرانيون هم فلاسفتها؛ وإذا كانت الموسيقى العربية تعبيرًا عن أصالتها، والتركية تصويرًا لتنوعها، فإن الموسيقى الإيرانية هي عمقها الأوسع. هكذا أحب أن أعبر عن تلك الموسيقات بعد سنوات من رحلة تعلم الموسيقى المقامية بمدارسها المختلفة في المنطقة. خلال تلك الرحلة، تعرفت على العديد من الموسيقيين الذين يحملون إرثًا أصيلًا. منهم الأستاذة نگار بوبان.

خلال جائحة كورونا، في عام ٢٠٢٠ بدأت دروسًا في نظرية الموسيقى الكلاسيكية الإيرانية مع عازفة العود الإيرانية الدكتورة نگار بوبان. بدأت مع صف جماعي، ثم انتقلت إلى دروسٍ فردية في العود والموسيقى الإيرانية. لا أبالغ إن قلت إن تعرفي على النظرية الإيرانية للمقام غيّر فهمي بأكمله عنه. كما لم یکن من السهل الابتعاد عن الموسيقى العربية للتعرف على تراث مقامي آخر دون أن أفقد شيئًا، حتى إن كنت أكتسب شيئًا جديدًا في المقابل. لكن التعلم مع الدكتورة نگار لم يكن مغادرةً لتراثي المقامي الأم بقدر ما كان اكتشافًا لتراث مقاميٍّ أب؛ الوجه الآخر للموسيقى المقامية بعمقه الآسيوي.

لطالما تمنيتُ أن يحظى المزيد من محبي الموسيقى الشرقية بفرصة التعرف على نگار بوبان، عازفة العود، الحاصلة على درجة الماجستير في الهندسة المعمارية والدكتوراه في علم اللسانيات والموسيقى، وصاحبة خمسة ألبومات موسيقية ومؤلفات عديدة. اليوم تتحقق هذه الأمنية. لقد اجتمعنا عبر منصة زووم وقضينا ساعتين متواصلتين دون انقطاع أو استعجال، وما يلي هو ثمرة وجزء من ذلك الحوار الذي تناول الموسيقى الإيرانية الكلاسيكية، ومكانة آلة العود فيها، وكيفية نقل ألحانٍ ضاربة في القدم لتصل إلى مسامع العصر الحديث، فضلًا عن المسار الإبداعي لنگار عبر عالم المقام – أو ما يُعرف في إيران بـ الدستگاه – وهي رحلةٌ تعود بصاحبتها، شأنها شأن كل رحلات البحث الحقيقية، إلى القلب والأصل.


فرح: أودّ في الواقع أن أبدأ من البداية: متى بدأت العزف على العود لأول مرة؟ وأين كان ذلك؟

نگار: لأجيب عن هذا السؤال عليَّ أولًا أن أتطرق إلى خلفيتي العائلية. والدتي موسيقية، تعزف على الكمان ودرست في جامعة طهران قبل بضع سنوات من ثورة ١٩٧٩. مباشرة بعد الثورة، وقبل أن تكمل دراستها الجامعية، أغلقت الجامعات لمدة. لكنها كانت لا تزال مهتمة جدًا بالموسيقى الكلاسيكية الفارسية، وكان والدي وما زال عاشقًا شغوفًا للموسيقى. لم يكن يعزف على أي آلة، لكنه كان يمتلك صوتًا جميلًا جدًا. لذلك نشأتُ في عائلة موسيقية إذا صح التعبير.

كنت قد عزفت قليلًا على آلة السنطور في سن الثامنة أو التاسعة، وفي وقت لاحق، في سن الثالثة عشرة، عزفت قليلًا على السيتار ؛ لكن صوت الوتر المعدني لم يكن مناسبًا لي، وكنت أكثر شغفًا بقراءة الشعر. كنا محاطين بالموسيقى، لكن العود كان الآلة الوحيدة التي لم تكن موجودة. حتى كنت في العشرينات من عمري، أو بالأحرى في الثلاثينات، لم يكن العود موجودًا. لم أره عن قرب حتى حضرت حفلًا نهاية العام لطلاب المعهد، وهو مدرسة موسيقية للبنات في طهران، حيث أصبحت لاحقًا معلمة. هذه أيضًا صدفة جميلة.

ذهبت مع والدتي إلى حفل تخرج الطلاب، خريجي المرحلة الثانوية من المعهد. كان لديهم عروض موسيقية جماعية، وأثناء العرض، قلت لنفسي: ما هذه الآلة؟ وقد كان العود. في تلك اللحظة، وقعت في حبه. يجب أن أضيف في هذه الفترة أن والديّ كان لديهما مجموعة كبيرة مما سجلاه من برامج الراديو، والتلفزيون، وبرامج الموسيقى، وما إلى ذلك على أشرطة الكاسيت، وكانوا جادين في ذلك لدرجة أنهم قد يلغون أشياء أخرى فقط ليكونوا أمام الراديو ليضغطوا على زر التسجيل. 

في ذلك الأرشيف، ذات يوم وبالصدفة، وجدت شريطًا للعازف عبد الوهاب شهيدي. عند الاستماع، شعرت وكأن سهمًا قد أصاب قلبي. أسرني الصوت تمامًا. لم أستطع التحرك. كنت جالسةً أمام مكبر الصوت، وبعد دقائق أصابتي صدمة. قلت لنفسي أريد أن أعزف على هذه الآلة. كنت في الثامنة عشرة حينها.

أود العودة إلى نقطة ذكرتيها: وهي أن آلة العود لم تكن جزءًا من مجموعة الآلات المستخدمة في الموسيقى الكلاسيكية الإيرانية إبان نشأتك. هل كان للعود حضورٌ تاريخي ضمن آلات الموسيقى في إيران؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي أدى إلى غيابه، ومتى أُعيد إحياؤه؟

قبل سنة ٢٠٠٠، يبدو أن هناك بعض عازفي العود، ليسوا كثيرين، ثم إذا عدنا إلى التسعينات، کان هناك عدد قليل جدًا. إذا تابعنا مسيرتهم، نجد أنهم جميعًا تقريبًا تعلموا على يد موسيقيين اثنين: أحدهما منصور ناريمان، والآخر عبد الوهاب شهيدي. أعاد هذان الاثنان إحياء هذه الآلة بعد غياب دام ٣٠٠ عام على الأقل.

هل يمكنك إخبارنا المزيد عن هذين العازفين؟

كان عبد الوهاب شهيدي معروفًا أكثر كمغنٍّ يعزف أيضًا على العود. أما منصور ناريمان كان معروفًا كعازف عود يغني أحيانًا. مع ذلك، فقد كان كلاهما يقدمان عروضًا حية، خاصة في الراديو، وهذه العروض تلقاها الجماهير بشغف. خصوصًا حتى بدأ التلفزيون في إيران في أواخر الستينات، كان الراديو هو الوسيلة للتواصل مع الناس. لذا، كان العازفون في ذروة سنوات نشاطهما بين ١٩٥٠ و١٩٨٠، وقدَّما كلاهما عروضًا على المسرح وفي الراديو وما إلى ذلك.

لكن بالمقارنة مع الآلات الأخرى، خاصة التار والسيتار والسنطور، لم يكن العود يؤخذ بجدية كبيرة كآلة من آلات الموسيقى الإيرانية الكلاسيكية. علينا أيضًا أن نعي أن الموسيقى التي نعرفها الآن باسم الموسيقى الكلاسيكية الإيرانية، كانت تُسمى سابقًا الموسيقى التقليدية الإيرانية، لكن المصطلحات محل جدل بعض الشيء.

علينا أن نعرّف ما نسميه كلاسيكيًا. لأن إيران هي حقًا، أعني، خليط من الكيانات العرقية والثقافية. لذا عندما نتحدث عن الموسيقى الكلاسيكية الإيرانية، فإن ما نعنيه حقًا هو الموسيقى الفارسية، أو حيث تكون الفارسية هي اللغة الرئيسية. يعود هذا الإرث الموسيقي إلى العصر القاجاري، منذ حوالي ٢٠٠ إلى ٢٥٠ عامًا. قبل ذلك، يبدو أن هناك فترة من التطور غير موثقة جيدًا. هناك بعض الباحثين الذين عملوا قليلًا على ذلك، محاولين العثور على بعض الوثائق التي تُظهر كيف أن نظام المقام، الذي كان أكثر أو أقل نفس النظام الذي يستخدمه العرب والأتراك اليوم، نفس نظام المقام الذي وُثّق في مخطوطات صفي الدين الأرموي وعبد القادر المراغي وقطب الدين الشيرازي، وآخرين، كان موجودًا أيضًا في إيران، ويبدو أن هناك حوالي ٢٠٠-٣٠٠ سنة من التطور. لكن بعد ذلك، تغيّر تدريجيًا وتطوّر في اتجاه نظام الدستگاه.

أين كانت آلة العود في تاريخ الموسیقی الموثَّق؟

قبل العصر القاجاري، كان العود هو الآلة الرئيسية، الآلة المرجعية، تمامًا كما في الثقافات المجاورة الأخرى. جميع المؤلفين الذين كتبوا عن الدستگاه يربطون تلك الموسيقى بكتابات صفي الدين الأرموي وعبد القادر المراغي والفارابي، وكلهم كانوا عازفي عود. لم يقتصر الأمر على أنهم كتبوا رسائل اتخذوا فيها العود كآلة مرجعية ورئيسية، بل كانوا أيضًا عازفي عود وملحنين. فصفي الدين الأرموي كان من أورمية، مدينة في إيران. كما كان عبد القادر المراغي من مراغة، وهكذا. لذا، كان العود بنفس الجدية والأهمية في إيران كما في الثقافات المجاورة الأخرى. لكن في أوقات لاحقة، لنقل من منتصف السلطنة العثمانية، فقدنا أثرًا للعود في إيران. فقدنا الأثر بشكل عام، ليس فقط للعود، بل أيضًا الموسيقى.

وقد كان ذلك خلال العصر الصفوي في الغالب، أليس كذلك؟

نعم، يرى البعض أن أحد الأسباب يعود إلى شهرة اثنين من الملوك الصفويين، ولا سيما الشاه طهماسب (الذي حكم في الفترة ١٥٢٤ – ١٥٧٦)؛ فقد انحازوا فجأة إلى رجال الدين – الذي يمكن وصفهم بالتعصب أو التدين أو بأي مسمى آخر – الذين كانوا يفتون، رسميًا على الأقل، بأن الموسيقى حرام؛ ونتيجة لذلك أصبحت الموسيقى إما محصورة في طقوس مقبولة أو صارت معرضة للزوال تمامًا.

أود العودة للحديث عن معلميك، وعن دورهم في حركة الإحياء هذه؛ فكيف نالوا الاعتراف بهم كأساطين في العزف على هذه الآلة في وقتٍ لم يكن فيه العود – كما نعلم الیوم – مُعترفًا به بعدُ كجزء من آلات الموسيقى الكلاسيكية؟

سؤال جيد جدًا. دعيني أولًا أقول إنني شخصيًا بدأت مع حسين بهروزينيا، الذي هو أيضًا في الأصل تلميذ لمنصور نريمان. عندما كان منصور نريمان وعبد الواحد شهيدي يعزفان العود، كانت العقلية العامة هي: لقد فقدنا هذه الآلة؛ نريد أن نعيدها. كانوا أكثر اهتمامًا بالتواصل مع الماضي، وكانوا يشجعون على ذلك.

لكن في الوقت نفسه، عندما كان منصور نريمان يُدرّس في المعهد الموسيقي الذي درس فيه بهروزينيا، استغرق الأمر سنوات لقبول العود كآلة يمكن التخرج بها. حتى إن بهروزينيا نفسه كان التار هو آلته الرئيسية في البداية وكان يعزف العود كآلة ثانية، ثم بعد الكثير من الجهود والامتحانات وقيام نريمان بتأليف كتاب منهجي، فقط بعد ذلك قُبل العود.

إذًا هذا تغيير في العقلية؛ بدأ بموقف مفاده أن هذه الآلة كانت ملكًا لنا ونريد أن نعيدها. لقد فقدنا شيئًا، ونريد استعادته. ثم عندما حدثت الثورة في عام ١٩٧٩، جلبت الكثير من المواقف الأيديولوجية إلى كل شيء تقريبًا، بما في ذلك الموسيقى. لذا أصبح بعض الناس متشددين بشأن كل شيء. لكن نريمان وتلاميذه، ومن ناحية أخرى، الأشخاص الذين تأثروا بطريقة ما بعازفي العود في تركيا والعراق، وأعني جميع الثقافات المجاورة، كانوا أيضًا أكثر ظهورًا. بعد فترة، استمروا في العزف والتعليم. لذا أعتقد أنه في تلك اللحظة، كان عدد عازفي العود كبيرًا جدًا لدرجة أنه من المستحيل تجاهله.

أود الاستفسار عن مفهومي الدستگاه والرديف في الموسيقى الكلاسيكية الإيرانية. هل يمكنك توضيح هذين المفهومين وتبسيطهما؟

الدستگاه هو سلسلة من المقامات المحددة مسبقًا، والدستگاه كما نعرفه اليوم يُنسب إلى التقليد الموسيقي في العصر القاجاري. هناك سبعة مقامات كبيرة تسمى دستگاه، وخمسة أصغر تسمى آواز. إذًا لدينا سبعة مقامات مهمة، نعتبرها مقاماتنا الرئيسية، ونسمي نغمها الأصلي درآمد، وهذه الكلمة تعني الافتتاحية، فتصبح هي الأساس، بمثابة البيت، ثم من هناك تنتقل إلى مقامات أخرى، مرة أخرى، منظمة مسبقًا.

هكذا يجب على الموسيقي أن يكون قادرًا على العودة إلى البيت، وهذه الفكرة من العودة لها اسم. يسمونها فرود، والتي تعني حرفيًا الهبوط. العودة إلى المقام الرئيسي هي ما يضمن أنك في ذلك المقام. بعض المؤلفات لا تبدأ من البيت، من الدرآمد، بل تبدأ من مكان آخر. لكن مع ذلك، فإن المستمع المثقف أو الموسيقي سيقول: “آها! هذه في ذلك الدستگاه لأن الفرود يتم إلى ذلك المقام.”

بعد ذلك، وتحديدًا منذ العصر القاجاري وما تلاه، قدّم أساتذة مختلفون تفسيراتهم الخاصة لهذه المقامات وعزفوها على آلاتهم وقاموا بتدريسها؛ حيث طوّروا ما يُعرف بـ الرديف. يُعدّ رديف الأستاذ ميرزا ​​عبد الله – الذي كان معلمًا لآلتي التار والسيتار – الأشهر على الإطلاق؛ فقد درّس هذا الرديف لتلاميذه، واكتسب أهمية قصوى لكونه أول رديف يدوَّن موسيقيًا.

انتقلت هذه السلسلة التعليمية لاحقًا إلى جان دورينغ، عالم الموسيقى الفرنسي الذي كان يعزف أيضًا على آلات متنوعة؛ إذ قام بتدوين الرديف وفقًا للنوتة الموسيقية الغربية ونشره. كما تعلمين، ففي ثقافاتنا، عندما يُصاغ عمل ما في كتاب فإنه يكتسب صفة المرجع المعتمد؛ وهكذا أصبح رديف ميرزا ​​عبد الله هو المرجع الأساسي، ولا يزال يُدرّس حتى اليوم في الجامعات ومعاهد الموسيقى. مع ذلك، يمتلك أساتذة آخرون رديفات خاصة بهم، مثل الرديف الصوتي (للغناء)، ورديف الكمان، والسنطور، والناي، وغيرها. لكن الفكرة الجوهرية تكمن في أن كل أستاذ يفسّر هذه المقامات ويؤديها بأسلوبه الخاص.

يقودنا ذلك إلى مسألة أخرى تتعلق بالتعمق في المحتوى الموسيقي، أي فهم طبيعة هذا المحتوى أو الألحان الخاصة بمقامات  الدستگاه المختلفة، وكذلك علاقتها بالشعر والإيقاع في الثقافة الفارسية. في هذا السياق، لدي سؤال يتعلق بأطروحتك للدكتوراه التي تناولتِ فيها أسس الإيقاع في الموسيقى الفارسية الكلاسيكية؛ هل يمكنك توضيح الارتباط بين ذلك وبين وزن الكلام والشعر؟

بدأ عملي في الدكتوراه بسؤال: ما هو الإيقاع الحر فعليًا؟

ما يسمونه عادةً الإيقاع الحر في الإنجليزية ليس هو نفسه في موسيقى المقام. بالنسبة لنا، الموسيقى ذات الإيقاع الحر هي ما يسمونه آوازي، بمعنى شيء مشابه لما يغنيه المطرب. الآواز هو ما يفعله المطرب. آوازي، بالياء في آخره، مشابه لآواز ويعني شيئًا مثل ما يغنيه المطرب.

عندما كنت أُعلّم موسیقی لصديقة لي، وهي في الواقع أيضًا في نيويورك، وهي أمريكية متزوجة من إيراني، كانت قادرة على أداء القطع ذات الوزن الإيقاعي بشكل مقبول نسبيًا، جيد جدًا. لكن في اللحظة التي تطلب منها فيها عزف عبارة واحدة في ما يسمى الإيقاع الحر، كان ذلك غير مقبول تمامًا لها. لذا، كان السؤال بالنسبة لي: لماذا هذا؟ ما هو الشيء الذي أستوعبه، لكنني لا أستطيع نقله إليها؟

بدأت أفكر في جميع التفسيرات حتى رأيت فيديو لحسن كسائي، أستاذ الناي، يشرح كيفية تعلّم عبارة نغمية لأحد تلامذته. كان يشرح باستخدام بيت من الشعر. لنقل هذا البيت على سبيل المثال: “ألا يا أيها الساقي أدر كأسًا وناولها.” إنه أول بيت من الشعر في ديوان حافظ. كان يتلو بيتًا من الشعر ويطلب من الطالب أن يتبع حقًا تقطيع الشعر، لكن باستخدام النغمات. عندما رأيت ذلك الفيديو، فهمت. يبدو أن هناك ربطًا وثيقًا بين العروض الشعري والايقاع الحر، فبدأت دراسته.

حسنًا، بحثت لاحقًا في علم اللسانيات، خاصة في علم الصوتيات، لأجد مفاهيم متعددة عن إيقاع اللغة، ليس فقط وزن الشعر بل أيضًا بشكل عام ما يمكن أن تسميه إيقاع اللغة. يدرس اللغويون أيضًا كيف يمكن للمرء أن يتعرف، في علم العروض الخاص بلغة ما، على الإيقاع الصحيح والخاطئ. في الوقت نفسه، انشغلت بفهم الفرق بين مفهوم الوزن بالموسيقى الغربية، المكتوب في مقاييس ومفهوم الوزن في موسيقانا. في موسيقانا، لدينا وحدات ذات مدد متشابهة تنسيبًا يمكننا تجميعها في مجموعات، ثم صنع دورة كاملة منها. في الموسيقى الغربية تبدأ بوحدة كبيرة وتقسم لاحقًا، أما في موسيقانا، نبدأ بالوحدات الصغيرة التي تشكل لاحقًا وزنًا متكاملًا. هذان النمطان موجودان أيضًا في اللغات. 

على سبيل المثال، في الفارسية، خاصة في الشعر، لدينا مقاطع قصيرة وطويلة، ومددها تبقى متشابهة نسبة لبعضها. حتى في النثر، يمكن للمرء أن يجد نفس وحدات المقاطع الطويلة والقصيرة. أعني أنه لا يمكن أن نغيّر المقاطع القصيرة لتصبح طويلة؛ أو العكس؛ فإذا قلت: “الله”، فإن الألف الأولى قصيرة، ثم لا طويلة. هذه هي البنية الأولية باختصار.

ثم بدأت أدرس بنى الكلمات المختلفة في الفارسية، وأدركت أنه توجد في الواقع بعض التركيبات الشبيهة بالخلايا التي تتطابق تمامًا مع أساس الإيقاع، الذي يقوم على أتانين، مثل عندما تقول: “تا”، وتقول: “تان” ثم “تنن”، وهكذا دواليك. كان ذلك هو الجذر الرابط الذي لدينا. يمكنك صنع سطر من الكثير من المقاطع دون أي تكرار. يمكننا صنع تجميعات تتكرر، ما يمنحنا نمطًا منتظمًا، يعطينا دورة كاملة. مع الأداء الموسيقي ذي الإيقاع الحر مع العروض، يمكن للموسيقي أن يتحرك بحرية نسبية. يمكن أن يصبح أكثر إيقاعًا، إن جاز التعبير. يمكنك أن تصبح أقل إيقاعًا، كما لو كان يتلو قصيدة نثرية.

في الواقع، هذا أمر بالغ الأهمية، وأعتقد أنه ينطبق أيضًا على الشعر العربي؛ لأنه يتبع النظام ذاته القائم على نظام التفعيلات أو البحور الشعرية، ما يتيح لنا مجالًا للمقارنة وإيجاد نقاط الالتقاء والاختلاف بين اللغتين.

الآن أود معرفة المزيد عن مسارك الإبداعي وموسيقاك. أود الحديث تحديدًا عن اختيارك للنصوص الشعرية وكيف يُلهم ذلك عملية التأليف الموسيقي، أو كيف تختارين الدستگاه المناسبة.

لقد شاهدتُ أيضًا حفلًا حديثًا لك يحمل عنوان أنشودة الأمل (Ode to Hope). لماذا عنوان أنشودة الأمل، ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟

بالنسبة لي، أعتبر العملية الإبداعية ذات مسارين مختلفتين تمامًا. إحداهما هي النوع الذي يحدث فجأة، في لحظة فكر أو عاطفة محددة، ولا يكون مخططًا له على الإطلاق. ربما لا شعوريًا، لكن على المستوى الشعوري، ليس نتيجة عملية تفكير على الإطلاق.

على سبيل المثال، واحدة من أكثر مؤلفاتي شهرة، كانت قطعة ألفتها على قصيدة للشاعر لأحمد شاملو تُسمى چه راه دور. تُسمى القطعة Distant في ألبوم “Through” (2012). يعتقد البعض أنني اقتبست من موسيقى فلكلورية أو ما شابه، وهذا لم يكن مقصدي. لكن بطريقة ما حدث فقط أنني كنت قد فكرت وتلوت في هذه القصيدة لفترة طويلة قبل ذلك. ثم في صباح مبكر، عندما کنت في طريقي إلى المطار للسفر إلى شيراز، حيث درست لمدة سبع سنوات، جاءني هذا اللحن بطريقة ما في ذهني. فهذه إحدى طرق التأليف؛ وعادة ما أسجله وأحتفظ به، وفي مرحلة ما، عندما تكون لديّ فكرة أكبر، أكبر بمعنى أنه، بالنسبة لي، يمكن أن تغطي ألبومًا أو برنامجًا.

ثم هناك التأليف من خلال التفكير. هذه المؤلفات، أو الأفكار للمؤلفات، تأتي في مراحل مختلفة. لذا، القطع الصغيرة عادةً ما تحدث من تلقاء نفسها، لكن البرنامج العام لحفل مثلًا عادةً هو ما لديّ شعور به، أو ما أعتقد أن لديّ شيئًا أقوله عنه. ثم أحاول وضعه في برنامج بقصة أو مفهوم، ومن هنا تأتي عادةً كل هذه الألبومات المنفردة.

مثلًا، يكون هناك أفكار أُدرجها فيه بعض القطع المؤلفة مسبقًا أو ربما المؤلفة بالكامل من قبل. في ألبومي المنفرد الأول بعنوان پیاپی Continu، في يوم التسجيل في الاستوديو، شعرت فقط أنني أريد عزف لحن معين من غير تحضير أو تفكير مسبق. 

https://open.spotify.com/embed/track/3jaD4QDe1bxmXtNqdSOY0m?utm_source=generator&si=c6410f1dc6d046f3

ثمة عمل آخر شاركتِ فيه؛ وهو مشروع شوق‌نامه (Showq-Nameh)، الذي يمثل عملية تأويل وبحث وإعادة تسجيل وإنتاج لبعض أعمال الموسيقي عبد القادر المراغي، الذي عاش في القرن الخامس عشر. هل يمكنك إطلاعنا على المزيد حول هذا المشروع، وعن جهود الترجمة الثقافية والموسيقية التي بُذلت لنقل المعرفة الموسيقية التي تعود إلى خمسمائة عام مضت؟

كان ذلك المشروع إجابة عملیة للسؤال التالي: ما هو صوت المحتوى الموسيقي المدون في رسائل عبد القادر المراغي؟ كنا نتعلم كتابات نظرية لما يسمونه المدرسة النظامية. كان مؤسسها صفي الدين الأرموي. لكن المراغي هو الأكثر شهرة، وأعتقد أنه الذي جعلها تستمر، اليوم في تركيا بشكل رئيسي، ولكن أيضًا في جميع أنحاء المنطقة، وكتبه مكتوبة بالفارسية، على عكس، على سبيل المثال، الأرموي، الذي كتب بالعربية. 

كتب المراغي بالفارسية، لذا استطعنا قراءة كتاباته دون الحاجة إلى ترجمة من العربية إلى الفارسية. لكن كل ما هو مكتوب في الكتاب صامت. فكيف كان صوته؟ هل يمكننا أن نعيد صنع تلك الأصوات؟ وأكثر ما يمثل تحديًا هو، إذا كان لديك أبجدية لغة ما، أن تنتج شيئًا يكون صوت تلك اللغة. بعد بضع سنوات، جاء باحث موسيقي، محمدرضا درويشي، الذي كان دائمًا يتنقل في أرجاء المنطقة، خاصة في ريف إيران، مهتمًا بجميع أنواع الموسيقى الإقليمية وما إلى ذلك، وكان دائمًا يجمع المواد. بطريقة ما أُلهم أو شُجّع للذهاب والعثور على القطع التي نُسخت فعليًا في مرحلة ما في تركيا، تحت اسم عبد القادر المراغي. لذا، كان هذا مثل التقاء أمرين معًا؛ جمع تلك القطع من الأرشيفات القديمة وكتب مختلفة، أحضرها إلى المجموعة الموسيقية في الجامعة.

كانت لديّ معرفة في المخطوطات، فوضعت نظام الدوزان واستخدمت آلة القانون لذلك. ثم استمعنا جميعًا إلى الدوزان وعزفنا الألحان من التدوين الذي جمعه درويشي من تركيا، وسرنا خطوة بخطوة. أولًا، مررنا بقطع الراست، ثم كانت هناك بعض المقامات الأخرى أيضًا. مثل قطعة السيكاه التي كانت طويلة جدًا، مع الكثير من التحولات المقامية في ما بينها، وما إلى ذلك. لذا استغرق ذلك بعض الوقت، ثم سجلنا، والباقي هو ما تسمعينه في الألبوم. كانت تجربة استثنائية بالنسبة لي.

لقد عملتِ أيضًا على تقديم تفسيرك أو قراءتك الخاصة لبعض أعماله، ولا سيما – على ما أعتقد – في ألبوم داستاني نا تازه (Dastani Na Taze). هل يمكنك الحديث أكثر عن هذا الأمر؟ 

داستانی نه تازه هو الحفل الذي ذكرتيه في بداية حديثنا وكان حفل عود منفرد في طهران، آخر حفل منفرد لي في طهران. صدر على إثره الألبوم بنفس الاسم. الكلمة، بالمناسبة، التركيب اللفظي داستانی نه تازه يأتي من شعر للشاعر المعاصر نیما يوشيج، يصف مشهدًا. كان تفسيري لتلك القصيدة هو مثل شيء يُنسج – لنفكر في بعض الخيوط المنسوجة في بعضها البعض – وفي الوقت نفسه الذي ينسج فيه شيئًا، فإنه يفك نفسه من الطرف الآخر؛ فيتجمع معًا، يخلق شيئًا، ثم يحل كل شيء. أما المعنى الحرفي فهو رواية قصة ليست جديدة؛ إنها حكاية معروفة النهاية مسبقًا. إعادة رواية لحكاية قديمة.

بالنسبة لذلك الحفل، كان مفهومي العام هو خداع لحركة الفرود من نظام الدستگاه. لديّ فرود في نهاية كل قطعة إلى العبارة الرئيسية لقطعة واحدة لعبد القادر مراغي، وذلك هو كار في الراست يُسمى مُحتَشَم، والقطعة الأخيرة من ذلك الحفل والألبوم هي تفسيري لذلك الكار. كما ترين، المفهوم كله هو عملية أفكك فيها مفهوم الدستگاه، وبدلًا من فكرة الفرود، التي هي كما شرحت نهاية دستگاه معينة، كنت أخلق نوعًا آخر من التدرج بالدستگاه. لكن بدلًا من الفرود، كنت أستخدم النغمة الرئيسية لهذا الكار في مقام الراست للمراغي، والقطعة الأخيرة هي تفسيري الشخصي، محررة من الوزن، وفي ما بينها، أعزف أيضًا قليلًا من صياغاتي الخاصة، مختتمة بالقطعة الأخيرة، التي أسميتها به استقبال مراغی (A Musical Allusion). وهنا استقبال لشخص عزيز جدًا عليك.

هذا أمرٌ في غاية الروعة؛ ما الذي تعملين عليه حاليًا؟ وما الذي ينبغي للجمهور والمستمعين والمعجبين أن يترقبوه؟

عمل جديد آمل أن يحدث هو مشروع كُلّفت بتأليفه لجزء من معرض من المقرر افتتاحه في متحف جوجنهايم في أبوظبي. عرضته فنانة كانت قد حصلت على تكليف لتصميم جانب من المتحف باتجاه البحر. كان مفهومها الرئيسي هو دعوة خمس موسيقيات. لم أرَ المعرض النهائي بعد، لكن سيكون هناك خمسة أجنحة يمكنك المشي عبرها أو الجلوس فيها والاستماع، بالقرب من منحوتات الطين في الوسط، والموسيقى.

ستكون كلمات العمل مكتوبة على ذلك الطين، وسيتمكن الزائرون من الجلوس والاستماع، ثم الانتقال والاستماع إلى الأخرى. العمل هو تفسيري لثلاث رباعيات للشاعر عمر الخيام، والعمل نفسه هو متعدد الأصوات، بوليفوني، لكن ليس بالأسلوب الغربي، بل بعود واحد وثلاثة أصوات غنائية، وهو في رأيي محاولة للتعبير عن اتجاهات مختلفة. هذا شيء أتمنى حقًا أن يسمعه الجمهور.

ثم، أقمت حفلًا مؤخرًا في إيطاليا، منفردة على العود وغناء. للأسف، لا يوجد تسجيل جيد للحفل. لكن إذا تمكنت بطريقة ما من رفع التسجيل إلى مستوى لائق، فهذا أيضًا شيء آمل أن يسمعه الجمهور ويستمتع به، وكان ذلك جزءًا من مهرجان سفر الخروج: أصداء الهجرة، وكان ذلك أيضًا موضوعًا مهمًا بالنسبة لي. أظن أنه موضوعٌ مهمٌّ لنا جميعًا هذه الأيام. لذا نعم، آمل أن ينقل ذلك العمل الجوانب المختلفة لتجربة تهجير شخص ما أو تهجير الروح أو اضطرارها إلى الهجرة.

حسنًا، نصل بذلك إلى الختام. ليس لديّ المزيد من الأسئلة الآن. أود أن أشكرك جزيل الشكر على وقتك معرفتك، وعلى إتاحة هذه النافذة للقراء في العالم العربي للتعرف على الموسيقى الإيرانية الكلاسيكية وآلة العود تحديدًا، وعلى أعمالك الخاصة.

أنا ممتنة للغاية أيضًا، وأود أن أختتم حديثي بنقطة واحدة، وهي أن هذه الآلة – أي العود – تُعدّ، في رأيي، أكثر الآلات الموسيقية عالميةً وانتشارًا، ربما بعد الكمان مباشرةً. فقد نشأت حولها ثقافات موسيقية متنوعة للغاية، وطوّرت موسيقاها اعتمادًا عليها أو كيّفت ألحانها لتلائم طبيعتها. مهما كانت الزاوية التي ننظر منها – وإذا ما نظرنا إلى العالم بأسره – سنجد لغات موسيقية عديدة ومختلفة؛ لغاتٍ تُعزف وتُؤدّى عبر آلة العود. بالنسبة لي، يمثل هذا الأمر جزءًا جوهريًا وكبيرًا جدًا من حياتي. فكما قلت، إن أروع ما في الحياة هو التواصل مع الناس في أماكن وأزمنة مختلفة، وأي شيء قد يضاهي امتلاك آلة كهذه تتيح لنا ذلك؟ لهذا السبب، أشعر حقًا بأنني محظوظة.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف