أدب بوب ديلان

كتابةعمار منلا حسن - أكتوبر/تشرين الأول 14, 2016

في ١٩٦٥ أصدر ديلان أول ألبوماته الكاسحة Bringing It All Back Home، الذي انتزع به الثناء النقدي والتجاري فوراً. أحدث الألبوم ثورتين رئيسيتين، أولهما هي كتابة أغاني عاطفية، البهيجة منها والميلانكولية، مع نزعة احتجاجية واضحة لكن غير سائدة. عبرت هذه الاحتجاجية عن نفسها إما عبر رمزية تقيم الشبه بين العلاقة والواقع المحتج عليه، أو التغني بالعلاقة كيوتوبيا معاكسة لذلك الواقع. أخرجت هذه الثورة الأغاني العاطفية من كهف أغاني الحب الساذجة إلى فضاء شعري رحب لا تزال عملية استكشافه جارية.

أبرز أغاني الحب المشرقة من هذا الألبوم كانت She Belongs To Me ذات الحس الوجودي الذي يطغى على التغزل الحسي التقليدي: “لديها كل ما تحتاج / هي فنانة، هي لا تتردد / تستخلص الظلام من الليل / لتصبغ النهار بالأسود (…) ستقف مذهولاً / تحاول سرقة ما يمكن إهداؤها / سينتهي بك الأمر على ركبتيك / تختلس النظر من فتحة بابها“. تقابلها أغنية كئيبة تميل للبلوز بحذر اسمها انتهى كل شيءٍ الآن، حبيبتي الحزينة It's All Over Now, Baby Blues: “الطريق السريع للمقامرين، فكري ملياً كما ينبغي / خذي ما جمعته لك الصدفة والحظ السخي / أتذكرين الرسام الذي يقطن حيك الفقير / هو يرسم أشكالاً مسعورة على ملاءات السرير / السماء أيضاً تنقلب عليك بجنون / انتهى كل شيءٍ الآن، حبيبتي الحزون“.

الثورة الثانية التي بدأت في هذا الألبوم واستمرت في الأعمال اللاحقة كانت ضد منهج مبنى البريل Brill Building Approach الذي ساد بعد نهاية الموجة الأولى من الروك، قائماً على أغانٍ قصيرة مهادنة بهدف الرواج. في الوقت الذي كان نجوم الموسيقى الرائجة يتغنون فيه بشفاه وعيون حبيباتهنَّ أو يتألمون من استحالة علاقة ما، كان ديلان يتأمل بشماتة غير خفية فتاةً سقطت من البرجوازية إلى عالمٍ حقيقي غريب وجديد عليها، وجدت فيه معاناة صادمة ولذة الاعتماد على النفس للمرة الأولى أغنية Like a Rolling Stone. هذه الأغاني كانت غير تقليدية وطويلة نسبياً، بمتوسط أربع دقائق وربع للأغنية. استطاع ديلان بعد هذا الألبوم، والألبومين التاليين، Highway 61 Revisited, Blonde on Blonde، إرغام صناعة الموسيقى الرائجة على تغيير معاييرها لطول الأغنية، فتخلت عن متوسط دقيقتان، عَبَر خلاله ديلان للنجاح الجماهيري بأغانٍ وصل طولها لأكثر من إحدى عشر دقيقة مثل طابور الخراب Desolation Row. لم تكن الأغاني لطويلة فحسب، بل فتحت عالماً من الإمكانات الفنية كالعزف المنفرد الموسع والبنيات الأكثر تجريبية. أثَّر هذا التغير بشكل مباشر على معاصري ديلان، كما كان محورياً في الروك التقدمي Progressive Rock خصوصاً عند ظهوره في مطلع السبعينات.

الانشقاق عن الفولك ونهاية الثورة

في هذه الأعمال كان ديلان يختبر باستمرار صبر مجتمع الفولك الذي كان متزمتاً بقدر المجتمع الذي يحتج عليه. بعد تحويله الـ نحن إلى الـ أنا في وتخليه عن الاحتجاجية المباشرة، انخرط ديلان بشكل ماجن ومبكِّر بالمخدرات والعالم الهلوسي، ثم قام عام 1965 باعتلاء المنصة في مهرجان نيوبورت للفولك Newport Folk Festival، برفقة عازفي روك يحمل بعضهم جيتارات كهربائية. هنا، بلغ السيل الزبى. تعرض ديلان للشتم، وُصِفَ بأنه خائن يبيع فنه لصالح صوت الروك الأزعر التجاري. تبرأت طائفة الفولك منه. رده لم يكن مهادناً، خصوصاً أن ديلان كان معروفاً بلؤم قلمه الذي ظهر في أكثر من مناسبة كأغنية بالاد رجل هزيل Ballad of a Thin Man سنتحدث عنها لاحقاً في المقال. في أيلول / سبتمبر من ذات العام أصدر ديلان أغنية Positively 4th Street، التي ودّع فيها مجتمع الفولك بعبارات لاذعة لا تقل عن تلك التي نسمعها في الراب، أكثرها قسوةً الأخيرة: “أتمنى ولو لمرةٍ واحدة أن تروا العالم من حيث أراه / عندها ستختبرون شعور التقزز الذي أختبره في كل مرةٍ أراكم“. كلمات هذه الأغنية ليست الشيء الوحيد الذي يستحق إدراج ديلان والهيب هوب في جملة واحدة، بل أيضاً أغنيته الصادرة في وقت مبكر من ذات العام، Subterranean Homesick Blues، والتي قدمت طريقة إلقاء صوتية شديدة الإيقاعية بعبارات قصيرة ساخرة وعدائية وإيقاع متماوج متكرر بضربات حادة في نهايته، تظهر كصدىً لطيف مصقول ومبكر جداً من الهيب الهوب.

إعلان

بحلول ١٩٦٦ وصدور ألبوم Blonde on Blonde انتهت ثورة بوب ديلان الرئيسية بسرعة وعنف. فتح ديلان خلال سنواتٍ قصار المجال في الروك للتجريب على صعيد الكلمات وأساليب الأداء الصوتي وبنية الأغنية والتوزيع واستثمار العنصر الهلوسي واختبار التوجه الكمالي وعدم التقيد بطول أغنية معين، مثبتاً أن الروك بإمكانه أن يكون جدياً وعاطفياً وشخصياً بذات الوقت، بل بإمكانه أن يكون ذلك أكثر من معظم الأصناف الأخرى. يختزل الكثيرون مسيرة ديلان بهذه الثورة التي تخطاها الروك للحقبة الهلوسية ثم الحقبة ما بعد الهلوسية السبعينية التي ضمّت عدداً كبيراً من الأصناف الفرعية المستقلة والغنية بحد ذاتها. لم تغير أعمال ديلان اللاحقة الروك كما فعلت بالستينات، لكنها لم تنخفض بالجودة. على العكس، عاش ديلان حقبات إبداعية متبدلة ومستقلة بزخم وعنفوان موازٍ، وفي هذه الحقب بلغ ديلان قممه الأدبية، ولا يزال يفعل.

تقنيات السرد عند ديلان

يستعرض ديلان في كلمات أغانيه تقنيات سرد مختلفة تتواءم مع بنية الأغنية وموضوعها، دون أن نعرف من يسبق: الكلمات أم الأغنية. علماً أن بنية الأغنية التي يستخدمها ديلان عادةً، والتي تميل للإيقاعية الرزينة والتناظر، وتبتعد عن الذروة ومقاطع العزف الجامحة التي يعرف بها الروك. تُنبئ هذه البنية بحرص ديلان الشديد على ألَّا تضطر كلماته للمعاناة والتشوه بشكل كبير خلال التأقلم مع قالبها الموسيقي الخارجي.

المسرحية

هي أقل التقنيات التي استخدمها ديلان، والتي ظهرت في أغنية ملاك الصفيح Tin Angel في ألبومه الأقوى أدبياً، عاصفة Tempest. ما يميز الأغنية ذات الدقائق التسع أدبياً هو خلق ديلان منظور روائي هجين يلعب فيه دور الراوي والشخصيات في ذات الوقت، دون أن يقطِّع الكلام أو الأسطر اللحنية أو الإيقاعية بشكل يفصُل اقتباسات الشخصيات عن الراوي، واصفاً أحداث ملحمة عاطفية أبطالها وضحاياها هم عشاق ثلاثة. كتبت المسرحية بلغة فصيحة تتراوح بين البساطة والاستعراض الأدبي الحذر، تحافظ على مقاطع رباعية ذات قافية مزدوجة لكن متساهلة الصرامة، تجعل النص يقع بين البنية المسرحية والقصائد الرباعية. الجانب التقني السردي هنا هو ورقة ديلان الأقوى، حيث يظهر مقدرة سردية بارعة تمسك بالمستمع على مستوى درامي منذ البداية، ثم تبني الأحداث خلال المقاطع حتى الوصول للذروة الدموية التي تشغل أكثر من الثلث الأخير من الكلمات: “هذا آخر ما سأسمعه من كلامك المخزي / مبيتك في الجحيم، سأصحبك بنفسي / تنحى عن طريقي أو استعد للبأس / ستتمنى أنك لم تولد بالأساس“.

المشاهد السياقية

تقوم أكثر تقنيات ديلان السردية استخداماً على سلسلة مقاطع تروي قصصاً أو ترسم مشاهداً مختلفة لا يربطها سوى سياق غالباً ما يكون فضفاضاً. تظهر هذه التقنية منذ أعمال ديلان المبكرة كملحمته الشعرية ذات الإحدى عشر دقيقة، طابور الخراب Desolation Row، والتي يتنقل فيها باستمرار بين استعارات أو مراجع أدبية، عدا البداية والنهاية اللتان تبدوان أكثر شخصيةً: “نعم لقد تلقيت رسالتك في الأمس / في الوقت الذي كُسِرت فيه قبضة الباب / تسأليني فيها كيف أحوالي مؤخراً / كفاك عن هذه الألعاب! (…) كل الأشخاص الذين ذكرتيهم / أجل، أعرفهم، وضاعتهم فريدة / اضطررت لتغيير أشكال وجوههم / وإعطائهم أسماءً جديدة“.

تطورت هذه التقنية في أعمال ديلان الألفينية، كأغنية لونسم داي بلوز Lonesome Day Blues التي يبدؤها ديلان بقوله: “اليوم كان… يوماً شديد الوحدة والحزن / اليوم كان… يوماً شديد الوحدة والحزن / أجلس هنا مفكراً بينما… يسرح عقلي بأرجاء الكون“، ثم يبدأ بسرد قصص مأساوية مشتتة وكأنها تتعاقب على ذهن عجوز خَرِف في يوم قارس الوحدة: “سمانثا براونشاركتني السكن لنصف سنةٍ ذات مرة / سمانثا براونشاركتني السكن لنصف سنةٍ ذات مرة / لا أعلم كيف بدى الأمر للناس، لكنني لم أنم معها ولا حتى مرة، حتى يصل آخر الأغنية حيث يزيف بشكل مقنع تماهيه الخرف مع ما يغنيه، وكأنه اختلط عليه الواقع مع الأوهام والذكريات التي يشاركنا إياها: “المهزومون، سأعفي عنهمسأوجه خطابي للملايين / المهزومون، سأعفي عنهمسأوجه خطابي للملايين / سأكسر أعظم واحدٍ منهم، وألقن السلم للخاضعين“.

كتب ديلان اثنتين من أفضل أغانيه ذات المقاطع السياقية في ألبوم عاصفة. الأولى هي درب ضيق Narrow Way التي يروي فيها قصة حبٍ سرمدية تنتقل بديلان ومحبوبته من حياةٍ لأخرى. في كل حياة يخفق ديلان بالحصول على حبيبته وفي كل حياة تتجدد محاولاته، متخذاً من عبارة حياتنا درب طويل، وهو ضيق بقدر ما هو طويل / لو لم ترفعني الحياة لمستواك، ستخفضك لمستواي الذليلشعاراً لهذه المطاردة الأبدية. يرسم ديلان على طول الأغنية لوحات متباينة من قصة الحب هذه، والتي تشهد كأي قصة حب أيامها البيضاء والسوداء: “رأيتك تشربين من كأسٍ بلا قعر / رأيتك تدفنين، ثم تبعثين من القبر (…) لا تتوقفي عن الرقص حبيبتي، من مثلك لا يخطئ الرقص / أحيطيني بيديك، يداك تطردان البؤس (…) والدتك تخلت عنك، والدك لم يكن أفضل / حتى الموت بنفسه بات منك يتنصل“.

الأغنية الثانية هي ادفع بالدم Pay in Blood، كتبت بروح صحراوية جافة، حارة وناقمة، لا تخلو من ميل نحو الأسطورة الشخصية لراعي البقر الجامح. خلال مقاطع هذا النص المتفرقة يرسم ديلان مجدداً بورتريه ذاتي زائف لنفسه، كاشفاً هذه المرة عن شخص حانق دموي يدفع بالدم لكن ليس دمه هو. يقول في آخر الأغنية مسبغاً السياق على كل المقاطع التي سبقت: “تغويين عاشقك، تستدرجينه للفراش / اقتربي مني وسأرسلك لغرفة الإنعاش (…) أمتنا تحتاج للإنقاذ والتحرير / أنت متهمٌ بالقتل، ألديك أي تبرير؟ (…) هكذا هي حياتيفي هذه الأيام / قدمت لأدفُن، لا لأمجد الأصنام / أشرب ملئ كأسي، وأنام لوحدي / أدفعُ بدمٍ، لا يسيل من جسدي“. ما يميز هذه التقنية السردية في هذه الأغنية وسابقاتها هو تمكينها ديلان من إرساء أساسات سردية صلبة لما يريد قصَّه، أكان بورتريه أم علاقة أم رحلة نوستاليجية، بينما يستطيع المستمع / القارئ أن يبني ويضيف على هذه الأسس من مخيلته قدر ما يشاء.

المرثيات

ظهرت المرثيات في أعمال ديلان في أوائل التسعينات، مع أغانٍ مثل العالم فقد صوابه World Gone Wrong، التي يوزع فيها ديلان الرثاء بين العالم وجزءًٍ من نفسه كان مرتبطاً بهذا العالم، الجزء الخيِّر. تتكرر الفكرة نفسها في الأغنية التي حازت لديلان على جائزة أوسكار أفضل أغنية أصلية لفيلم، عن فيلم Wonder Boys عام ٢٠٠١، الأمور تغيرت Things Have Changed، التي تحمل نزعة رثائية دون أن تكون الأغنية مرثية بحد ذاتها: “اعتدت أن أكترث، لكن الأمور تغيرت“. ازداد اتضاح ملامح مرثيات ديلان في أغنية ميسيسبي من ألبوم حب وسرقة Love and Theft الصادر في ٢٠٠١. يشيع ديلان هنا حياته التي أهدر معظمها في ميسيسبي حسب قوله، بالإضافة إلى حياةٍ مهدرة له ولحبيبته كان من الممكن أنا يعيشاها سويةً. تفتتح الأغنية بمقطع متشائم يعلن عن الطابع الرثائي: “كل يومٍ نعيشه، ينهش عمرنا الدامي / أيامكِ معدودةٌ، وكذلك أيامي / يتراكم الوقت خلفنا، نتخبط فنذوب / أسرى في سجن الوقت، لا مكان للهروب“. تحتد الأغنية كلماتياً وغنائياً لتصل ذروتها الأولى التي ينفذها ديلان بشعور غامر يتحول من حنق إلى هيام بسلاسة نادرة: “بعض الناس سيتقدمون لمساعدتكِ، آخرون سيخطون للوراء / الأمس عرفتك، اليوم هذا هراء / أحتاج لشيءٍ قوي لتشتيت عقلي، ربما / سأستمر بالنظر إليكِ حتى أصاب بالعمى“. تصل الأغنية لنهايتها التي تستسلم للندم: “الفراغ لا نهاية له، بارد كالتراب / تستطيع العودة، وسيلحقك الاغتراب / خطءٌ واحدٌ فقط، يصيبني بالقهر / قضيت في ميسيسبي أكثر مما ينبغي من العمر“.

بلغت المرثية نضجها مع ألبوم عاصفة، في أغنيتين من أفضل ما كتب ديلان. الأولى هي امضِ بطريقك، جون Roll on John، التي قدم فيها رثاءً متأخراً لجون لنن. تقوم المرثية على بنية منتظمة من مقاطع منفردة متساوية الطول، تفصل بينها لازمة متكررة تودِّع لنن مرةً تلو الأخرى. تفتتح بما يبدو أنه وصف للحظة مخمورة قاسية تلت سماع ديلان لخبر الاغتيال: “دكتور، دكتور، ما الوقت من اليوم الآن؟ / زجاجة أخرى فرغت، وأنا سكران / التفَتَ للخلف وببطءٍ أخذ بالابتعاد / رصاصة في ظهره، سقط على الأرض ومات، ثم ينتقل للازمة: “أشعل لنا ضوءاً / احتراقك أنار الكون / لوح بالضوء / امض بطريقك جون“. يتابع ديلان المرثية بمقتطفات من حياة لِنن يرويها أحياناً بالاستعانة بكلمات من كتابة الأخير، كـ سمعت الأخبار اليوم، يا إلهي!” I heard the news today, oh boy، واجتمعوا سويةً، حالاً، على جثتي Come together, right now, over me.

أظهرت أغنية عاصفة، التي حملت اسم الألبوم وامتدت لأربع عشرة دقيقة، أعلى درجات نضج وتمكّن بلغها ديلان في حبْك مرثية خالصة من حيث البنية الأدبية والموسيقية، مستخدماً راوي الشخص الثالث ليحكي قصة غرق التايتانيك خلال خمسٍ وأربعين مقطعاً منتظم الطول والإيقاع، يلقيها فوق لحنٍ جنائزيٍ اسكتلندي. النتيجة كانت أكثر نصوص ديلان قابليةً للقراءة بشكل مستقل عن الأغنية، قالت عنه صحيفة ذ غارديان: أغنية ديلان عن التايتانيك تجعلك تتمنى أن تكون أحد ركابها. بدأ المقال بسؤال: “هل يمكن لأحد لا يحب نجم الروك لكن يقدر الكلمات الجيدة أن يستمع لألبوم ديلان الجديد ويتفهم سبب الثناء؟“. تبدأ المرثية مستغلةً كون القصة معروفة فتفضح نهايتها مباشرةً: “انتصب القمر الشاحب بخيلاء / في سماء المدينة الغربية / ليحكي قصة رثاء / عن سفينةً واجهت المنية، ثم يبدأ ديلان بسرد القصة بأسلوب أدبي يوازي بين ذكر الأحداث الآنية وفق تسلسلها والتذكير بالنهاية التي تتجه نحوها: “السماء امتلأت بالنجوم / البحار صافية بوضوح / متحركين خلال الظلال / كانت النهاية تلوح (…) تزلجت الأضواء بسلاسة / فوق زبد البحر / كل السيدات والسادة / متجهين نحو القبر“. يقحم ديلان بعد ذلك قصة الحب التي قدمها الفيلم: “ليو ودفتر رسوماته / لم يحتج لأي سؤال / أغلق عينيه ورسم / ما أوحى به الخيال (…) كيوبد أطلق سهمه / وأصابه بكل دقة / أقرب فتاة عليه / ارتمى بحضنها برقة (…) سمعَ جعجعةً صاخبة / وأصيب بالاضطراب / حدسه الداخلي أخبره / النهاية في اقتراب“. من هذا المشهد يقدم ديلان لبداية الكارثة الفعلية، ويبدأ في مقاطعه الباقية برسم بورتريهات قصيرة ومصقولة لأشخاص وأزواج على متن المركب، بتفاعلهم الدرامي المنفعل خلال النهاية الملحمية: “الكابتن بالكاد يتنفس / انحنى فوق الدولاب / فوقه وتحته يوجد / خمسين ألف طنٍّ من الفولاذ (…) ليو قال لكليو / عقلي لن يقوى على الصمود / لكنه فقد عقله بالفعل / على افتراض أنه كان موجود (…) جيم داندي، مبتسماً / لم يحصل أن تعلم السباحة / لاحظ طفلاً معاقاً / تنازل عن مقعده (على قارب النجاة) بسماحة“. يستمر ديلان بتصوير اختياراته من ركاب السفينة حتى يعلن في النهاية عن انتهاء الكارثة وانتشار أخبارها: “انتشرت الأخبار على التلغرام / وبعنفٍ حطَّت رحاها / خمدت نيران الحب / وأخذت الأمور مجراها“.

إعلان

منظور الراوي المنتشي

كان ديلان من أوائل من كتبوا أغنية من منظور شخصٍ منتشٍ في الموسيقى المعاصرة، المنظور الذي لم يكن له فقط تأثير على كتابة الأغاني في الحقبة الهلوسية خلال الستينات، بل أيضاً على أدباء مثل هنتر إس. تومبسون الذي كتب الخوف والبغض في لاس فيغاس Fear and Loathing in Las Vegas، وافتتح الرواية بعبارة: شكراً بوب ديلان على أغنية السيد عازف الدف Mr. Tambourine Man. يستخدم ديلان في هذه الأغنية استعارات تمويهية مفضوحة عن قصد في الأغنية، إذ يفتتحها بـ: “هاي، أيها السيد عازف الدف، اعزف اغنيةً لي / لست نعساً، ولا مكان لي لأقصده / هاي، أيها السيد عازف الدف، اعزف أغنيةً لي / وفي الصباح المتماوج، اتخذ طريقاً وسأتبعه، مشيراً إلى سيجارة الحشيش والرحلة التي تقودها. المثير أن ديلان يروي رحلته المخدراتية أو التدخينية بمصطلحات شعرية جمالية لا عابثة هزلية، مركزاً على الجانب الروحاني من التجربة. كما يقوم بتقطيع الكلام بشكل متخبط عن عمد، حيث تكمل بداية بعض الجمل نهايات الجمل السابقة كما لو كان يتلعثم ويتأخر في الحديث: “خذني برحلةٍ على متن مركبتك الغريبة الساحرة / حواسي تخلت عن مواقعها، يدي تعجز عن الإمساك بشيء / قدماي أكثر خدراً من النهوض، تستندان على كعبي الذي يتجول بتخبط / أنا مستعدٌ للذهاب لأي مكان، مستعدٌ للتماهي / في موكبي الخاص، ألق برقصتك الساحرة أمامي / أعدك بأنني سأتبع خطواتها“.

لديلان أغنية منتشية ثانية مماثلة بالقوة، هي نساء اليوم الماطر رقم ١٢ و٣٥ Rainy Day Women #12 & 35. لو اعتقدتم بأن أنصار نظرية المؤامرة اجتهدوا بتفسير عنوان الأغنية وربطه باقتباسات توراتية مبهمة فاعتقادكم بمحله. يتلاعب ديلان بمعنى كلمة Stoned التي تعني مرجوم بالحجارة وبنفس الوقت منتشياً، ويستغل المعنى المزدوج للحديث عن قمع المجتمع للهوية الفردية، وضرورة التدخين لحل المشكلة. لكن المنظور الهلوسي يأتي بشكل رئيسي من طريقة غناء ديلان العابثة والمحاطة بأصوات حشد يضحك أو يصيح بشكل مشتت مرح على طول الأغنية.

السرد القصصي

وجدت أغاني السرد القصصي منذ بداية التاريخ. ما أضافه ديلان هو سرده بعض القصص التي توسَّع بتفاصيلها وبناءها الدرامي بشكل ساهم بنقل محور التركيز من مغزى القصة أو أحداثها الرئيسية لتجربتها السردية بحد ذاتها. أبرز مثال على ذلك أغنيته إعصار Hurricane التي تتحدث عن القصة الحقيقية للملاكم روبن الإعصاركارتر Rubin Hurricane Carter. مهتماً بالسرد، يبني ديلان المشهد الافتتاحي بقوة وانفعال واضعاً المستمع في قلب الحدث: “أزَّ صوت رصاصات مسدسٍ من الحانة في المساء / نزلت باتي فالانتاين من الدور العلوي / رأت الساقي في بركةٍ من الدماء / “يا إلهي لقد قتلوهم جميعاًصاحت باتي (…) على الأرض، ترى باتي جثثاً ثلاثة / ورجلاً يدعى بيلو، يتحرك بخباثة، من هذا المشهد يبدأ ديلان بتقديم الشخصيات ورسم الأحداث، بأصوات عزف صاخبة ومتداخلة تبث بالمستمع شعوراً بعدم الارتياح والتورط. ثم ينتقل لتقديم روبن الإعصار: “في طرفٍ بعيدٍ من البلدة، في ذات الليلة الحارة / كان روبن كارتر وأصدقاءه يتجولون في سيارة / المرشح الأول للوزن المتوسط في الملاكمة / لا فكرة لديه عن كم المصائب القادمة / عندها أوقفته الشرطة على جانب الشارع / لم يكن توقيفه الأول ولا الثاني ولا السابع / في باترسون، هكذا تجري الأمور / إذا كنت أسوداً يفضل أن تمتنع عن الظهور / إلا إن كنت مستعداً لتحمل تبعات الأمور“. تظهر شخصيات القصة على التتابع بأسمائها الكاملة، محادثات وتسلسل أحداث وتواريخ، تآمرات وتفاوضات، حتى ينتهي الأمر بالإعصار في زنزانة مساحتها عشر أقدام: “بمعاطف وربطات عنق، أفلت الجناة من البأس / يشربون المارتيني أمام شروق الشمس / بينما يجلس روبن كبوذا في زنزانةٍ كالقبر / جحيم حقيقي يخيم على رجلٍ حر“. يستعرض ديلان خلال الأغنية القصيرة نسبةً لتعقيد القصة وغناها بالتفاصيل مهارةً باختزال الحدث لمشاهده الرئيسية ولحظاته المفصلية بعد تقديم الشخصيات باختصار غير مبالغ به، ويستعين بالموسيقى ذات الطابع المشهدي وبأسلوب غنائه لملء الفجوات بين هذه المشاهد بتفاصيل يرسمها على مخيلة المستمع، خالقاً تجربة سرد قصصي أكثر تفاعليةً وانخراطاً.

الاعتزال والكتابة بنصوص الآخرين

كانت العاصفة The Tempest آخر مسرحية كتبها شيكسبير بمفرده. عندما نشر ديلان ألبوم عاصفة الذي يختلف عن اسم مسرحية شيكسبير بغياب أل التعريف نفى أن يكون آخر ألبوماته، لكنه يبقى حتى الآن آخر الألبومات التي كتبها بنفسه. بعد عاصفة الذي صدر في 2012، أصدر ديلان ألبومي ظلال في الليل Shadows in The Night العام الماضي، وملائكة متساقطة Fallen Angels العام الجاري. يعتمد كلاهما على أغانٍ كتبت بين عشرينات وستينات القرن الماضي وصدف أن تم أداؤها من قبل فرانك سيناترا، سواءً أكانت الأغاني مكتوبةً خصيصاً لسيناترا أم أنه أيقونات جاز قرر تسجيلها في مرحلة من مسيرته. لأن العادات القديمة تموت بصعوبة، عثر ديلان على حيلة تسمح له بالعودة إلى كتابة الأغاني دون القيام بذلك فعلياً، هذا أن خبرة ديلان بالكتابة استقرت في حنجرته فبات قادراً على تبديل معاني الأغاني عبر إعادة توزيعها آلاتياً ثم غنائها بأسلوب محدد يفرض معناه الخاص على حسابها.

في أغنية لِمَ تحاولين تغييري الآن Why Try To Change Me Now من أول الألبومين السابقين على سبيل المثال، يستعير ديلان كلمات الثنائي كولمان ومكارثي لرسم بورتريه شخصي: “أنا شخصٌ عاطفي / أمشي تحت المطر الغزير / لدي بعض العادات / لا أجد لها تفسير، ثم يبدأ بإبدال كل كلمة بمثلها بعد إغراقها بصوته المشبع بالأسى والتفجع، فيتحول الشطر الأخير من الأغنية من خطاب عاشق لعشيقته، لخطاب يوجهه ديلان للحياة: “ألا تذكرين؟ / كيف كنت دائماً مهرجاً في بلاطك؟ / فلم تحاولين تغييري الآن؟“. الأمر ذاته يتكرر في أغنية ابق معي Stay With Me من ذات الألبوم، والتي كتبت لفيلم The Cardinal. تحيِّر الأغنية المستمع ما إذا كان الكاتب يخاطب فتاةً أحبها حدَّ القداسة، أم أنها رسالة استسلام وبحث عن المغفرة الإلهية والراحة الأبدية، ولا يزيد ديلان المستمع إلا حيرةً عندما يحول الأغنية لترنيمة تعبر عن الإرهاق الشديد تحت وطأة الندم والبحث عن الخلاص، تنسجم مع أسلوبه وهويته الفنية الحديثة: “يتملكني البرد، وكذلك الخوف / وأعرف أنني قد آثمت / وأمضي باحثاً عن ملجأ / تجفف الرياح دموعي بصمت / وأخيراً أصل إلى النتيجة المفاجأة / في آخر كل الدروب، تقف انت / وكل ما أستطيع القيام به هو الصلاة: ابق معي / ابق معي“.

دون منظور روائي

ليس من النادر أن يستخدم كاتب أغانٍ المنظوري الأول والثالث باعتبارهما الأكثر شيوعاً، الأول لتعبيريته والآخر لقوته السردية. لكن تمكن ديلان يمتد لمنظور الشخص الثاني خارج أطر استخدامه المألوفة في التغزل أو توجيه الرسائل التوسلية أو العدائية. يقدم ألبوم Highway 61 Revisited مثالين ملائمين على ذلك. الأول هو أغنية الملكة جاين تقريباً Queen Jane Approximately التي تبدأ أدبياً بالعنوان الذي يشير لعلاقة اقترب موعد بدؤها. تأخذ الأغنية قالب رسالة تجمع بين انتقاد زيف وسطحية العلاقات الاجتماعية وبين التودد العاطفي: “الآن، وبما أن كل المهرجين تحت أمرتك / قد ماتوا في المعارك أو غرقوا بالتفاهة / وبما أن التكرار بدأ يختبر صبرك / ألن تأتي لرؤيتي، أيتها الملكة جاين؟ / عندما يرمي كل ناصحوكِ بـ (كلامهم) البلاستيكي / عند قدميكِ ليقنوعك بصدق معاناتك / ويفرضون على نتائجك العمق الكلاسيكي / ألن تأتي لرؤيتي، أيتها الملكة جاين؟“. الأغنية الثانية هي بالاد رجل هزيل Ballad of a Thin Man التي يقال أن ديلان وجهها لصحفي ملحّ ومهووس بالإجابات المنطقية المتسقة. تشهد الأغنية تداخل المناظير الروائية للشخصين الثاني والثالث، حيث يوجه الكلام للصحفي ويأخذ بذات الوقت منحاً سردياً وكأنه يتحدث عن قصص تمت بالفعل، دون أن يخلو الأمر من حضور واضح لمنظور الشخص المنتشي الذي خلق المجال لعمقٍ رمزي: “تدخل الغرفة / وبيدك قلم رصاص / ترى شخصاً عارياً وتقول / من أنت من بين الناس؟ / تحاول بشدة لكنك / لا فكرة لديك من الأساس / ما الذي عليك قوله عندما تدخل منزلك / لأن شيئاً ما يحصل هنا، لكن / لا فكرة لديك عمَّا يكون / وذلك يقودك للجنون، ثم تنتقل الأغنية لنبرة استهزائية أكثر مباشرةً وضوحاً: “قضيت وقتك مع دكاترة الجامعات / عاملوك بانذهال / وبرفقة محامين عظماء / ناقشت الخدع والاحتيال / كتب سكوت فيتجرلد / قرأتها بالإجمال / التشكيك بسعة اطلاعك أمرٌ محال / لأن شيئاً ما يحصل هنا، لكن / لا فكرة لديك عمَّا يكون / وذلك يقودك للجنون“.

أدب بوب ديلان

من أهم ما قدمه الروك هو إتاحة الموسيقى للعوام، ليس عزفها بإتقان متواضع بل تأليفها والمشاركة في تشكيلها. كل ما عليك فعله لتصبح موسيقي بانك هو اقتناء جيتار وما يعد على أصابع اليد الواحدة من أشهر من التدريب. صحيح أن هذه الإتاحة فتحت الباب لكثير من الرديء، لكن الباب نفسه شهد مرور موسيقيين عباقرة لم نكن لنسمع منهم لولاها. لا أجد اختلافاً بين ذلك وما قام به ديلان على مستوى الأدب، خالقاً صنفاً أدبياً هجيناً، هو ليس كلمات أغانٍ تقليدية، ليس رداءك جميل، عيونك أجمل، ما أحلاك الليلة، وفي معظم الأحيان لم يكن أدباً صرفاً بالمقابل، رغم أنه كان كذلك أحياناً. هذا الصنف الأدبي الهجين، تم قبوله كأدب أم لم يتم، قد خلق إتاحةً جديدة عبر خلالها أمثال موريسي من ذ سميثز، آيمي واينهاوس، إيان كرتس من جوي ديفيجن، حامد سنو من مشروع ليلى، وكثيرين غيرهم. آلاف صبوا من الجهد في كتابة كلماتهم ما صبوه أو أكثر في تأليف موسيقاهم. تأسيس هذا الصنف الهجين هو ثاني إنجازات ديلان، لكن أولها هو التفوق غير المقروب فيه، وتقديم أعمال مهما كان تصنيفها، تستعرض قدرات أدبية وحساً سردياً لا يمكن إنكاره.

Leave a Reply