من أجل الشعب، رغمًا عن الشعب | حروب الأرابسك

كتابةنور الدين العايدي - يناير/كانون الثاني 9, 2019

بعد خسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ووصول مصطفى كمال أتاتورك إلى السلطة، رأى أتاتورك في الإرث العثماني ثقلًا هو السبب في أزمات تركيا، فألغى السلطنة ثم الخلافة، وأعلن تركيا جمهورية، وأحلّ نظامًا علمانيًا تبنّى سياسةً غايتُها اللحاق بأوروبا بأي ثمن في كافة المجالات. اشتملت هذه السياسة على العديد من التغييرات الجذرية التي كانت المجالات الفنية من أهم محطاتها، لتحظى الموسيقى بأهمية خاصة على جدول أعمال البرلمان التركي في سنواته الأولى.

أُقرت العديد من القوانين المتعلقة بإنشاء المعاهد الموسيقية على الطراز الغربي، وأُرسلت العديد من البعثات إلى الدول الأوروبية بهدف إعداد طاقم متمكن من أصول وأساسات الفنون الغربية، ليشرف لاحقًا على تدريسها في تركيا. كما أُسست دار الأوبرا عام ١٩٣١، ثم فرقة الأوركسترا الرئاسية عام ١٩٣٥، أما أول إذاعة فافتُتحت عام ١٩٢٧، وكان المحتوى الإذاعي فيها منذ تأسيسها وحتى عام ١٩٣٦ يتكون من الموسيقى بنسبةٍ تزيد عن ٨٤٪، المختارة بمعظمها من الطراز الأوروبي بهدف زيادة تقبله بين الناس. مُنع تعليم فنون الموسيقى والغناء الشرقية والتركية منذ عام ١٩٢٦ ليستمر هذا المنع في كافة المؤسسات الرسمية طوال خمسين عامًا. من رحم المنع ولدت موسيقى جديدة، شرقية، تركية، وعربية، تُسمّى الأرابسك.

المصطلح والبنية الموسيقية والبدايات

كان الظهور الأول لمصطلح الأرابسك (Arabesk) في اللغة التركية كتتريك للكلمة الفرنسية (Arabesque)، التي تستخدم لوصف الزخارف العربية والإسلامية. تطور المصطلح مع الوقت ليكتسب معنًى قاموسيًا أكثر عمومية يوحي بما معناه: على الطراز العربي. تميزت موسيقى الأرابسك بأنها خليط متنوع من البيئة المحيطة، فداخليًا تأثرت بشكل كبير بالموسيقى التركية الكلاسيكية (الموسيقى العثمانية)، التي عرفت بكونها موسيقى مدينية تميزت بمقاماتها وتأثرها بالموسيقى العربية والفارسية. كذلك تأثر الأرابسك بالموسيقى التركية الشعبية (مثل التوركيات) التي شاعت بشكل رئيس في الأرياف التركية. خارجيًا، تأثر الأرابسك بالموسيقى الهندية والعربية، خاصة المصرية بين إذاعة القاهرة وموسيقى وأغاني الأفلام. لا يمكن أيضًا إغفال توظيف الأرابسك لمختلف الفنون والآلات الموسيقية الغربية وتأثره بها.

بدأت الانطلاقة الفعلية للأرابسك – بشكله الذي اشتهر به لاحقًا – في سنة ١٩٦٤ على يد ثلاثة فنانين قدموا في أوقات متقاربة أغنيتين شكلتا بداية قوية لهذا التيار. كتب كلمات الأولى ولحنها أورهان كنجباي، كتب ولحن الثانية سعات ساين، وغناهما أحمد سيزقن. عدا عن تميزهم وإبداعهم، يشترك هؤلاء الثلاثة في إجادتهم لأنماط الغناء والموسيقى الكلاسيكية والشعبية المحلية، كما يبرز تأثرهم الملحوظ بالموسيقى العربية – لاسيما تأثُّر سعات ساين بالموسيقار المصري محمد عبد الوهاب، وكذلك تأثرهم بالموسيقى الغربية وإجادتهم للعزف على آلاتها التي عرفت رواجًا كبيرًا وقتها.

إعلان

دِريادا بير سالم يوك، من أول أغنيتَي أرابسك عام ١٩٦٤، تلحين وكلمات أورهان كنجباي وغناء أحمد سيزقن.

عمل الثلاثة لفترات في الإذاعات التابعة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (تي آر تي)، ليستقيلوا لاحقًا ويتجهوا إلى العمل الخاص، حتى أن أورهان كنجباي استقال بعد تجربة لمدة قصيرة بحجة أن تصور المؤسسة عن الموسيقى ليس حرًا ولا يدعم التطور. اشتهر الأرابسك بشكل خاص من خلال جهود وأغاني كنجباي، ليصبح ذكر الأرابسك مرتبطًا به ويعرف لاحقًا بـ أبو الأرابسك. فضَّل كنجباي في البداية التلحين وكتابة الأغاني، إلا أنه سرعان ما تقدم إلى الواجهة كمغنٍّ أيضًا، ممثلًا الفن الجديد بنفسه في نهاية الستينات، ومكرسًا موهبته الفذة وتمرده على القوالب الجاهزة لتنميته وتطويره.

كان كنجباي أول من دمج غناء الأرابسك بالسينما عام ١٩٧١ لينتج نسقًا جديدًا من الأفلام الغنائية هي سينما الأرابسك، التي أصبحت مذهبًا اتبعه فيه الكثيرون واستمر لاحقًا بعد ذلك. لم تكن الموهبة المبكرة والفذة وحدها ما ميزت كنجباي، فلقد شكل أيضًا انحداره من أسرة هاجرت من مدينة سامسون الواقعة على البحر الأسود إلى اسطنبول عاملًا مهمًا، يفسر ميله لغناء آلام وأحلام آلاف المهاجرين وسكان العشوائيات. رفض أورهان كنجباي استخدام تسمية الأرابسك، حيث يرى بأنها تسمية خاطئة وناقصة تقلل من قيمة هذا الفن، كما وقدم تسمية بديلةً غير شائعة بين الناس هي: الموسيقى التركية الحرة.

مقدمات ظهور الأرابسك

تَنتج التحولات في موسيقى وغناء الشعوب من تراكم التغييرات الاجتماعية والسياسية والتطورات الموسيقية عبر السنين، لكن الأمر كان مختلفًا في تجربة الجمهورية التركية، حيث جاءت هذه التحولات الجذرية بشكل آني وفوقي ضمن سياسات تحديث قسرية شملت مختلف نواحي الحياة، بهدف قطع الصلة مع الماضي. كانت الموسيقى عنصرًا أساسيًا في عملية التحديث المرجوة، ما جعلها مادة خصبة للصراع بين نخب التحديث والطبقات غير المستسيغة له في أطراف المدن. تشمل الفترة التي ضمت المقدمات التي شكلت أرضية ظهور الأرابسك الأعوام منذ قيام الجمهورية التركية عام ١٩٢٣ وحتى بداية الخمسينات، ويمكن تصنيفها ضمن:

⦁ السياسات الموسيقية الرسمية

قدمت النخب الكمالية (نسبةً إلى كمال أتاتورك) نموذجًا متطرفًا عن محاولة بناء الأمة عبر تبنيها على أرض الواقع شعار “من أجل الشعب، رغمًا عن الشعب.” حيث سعى مؤسسو الجمهورية الأوائل إلى تجاوز إرث الضعف العثماني ببناء دولة علمانية حديثة على الطراز الأوروبي، وعدا عن تحديث المؤسسات الرسمية والقوانين على الطراز الأوروبي، استخدمت هذه النخب أيضًا العديد من الإصلاحات الاجتماعية والثقافية القسرية التي طالت شتى مناحي الحياة من الملابس (قانون القبعة) والتعليم واللغة وطريقة كتابتها والحياة الدينية ودور المرأة، وبالطبع كذلك الموسيقى وتعليمها.

آمنت نخب التحديث بأن الموسيقى العثمانية تخاطب فئات محدودة، وتمثل الرجعية والبعد عن الحداثة، ما دفعها لمحاربة هذا الموروث ومحاولة استبداله بالموسيقى الأوروبية. لا يمكن فصل هذه السياسات التحديثية عن أطروحات منظري القومية التركية في الموسيقى، وعلى رأسهم المفكر ضياء كوك ألب الذي عُرف بتأثير أفكاره على دوائر صنع القرار، والذي لقب أيضًا بأبو القومية التركية. يطلق كوك ألب تسمية موسيقى الشرق على الموسيقى العثمانية ويعتبرها موسيقى أجنبية، ويُرجع أصولها إلى الدولة البيزنطية في إطار نفيه لكونها موسيقى تمثل أو تنتمي إلى القومية التركية؛ كما يرى بأن موسيقى الأتراك الحقيقية موجودة بشكلها الخام في الأناضول، ويجب أن تستعمل لإحيائها تقنيات وأساليب وآلات الحضارة الغربية الموسيقية، التي لا يمكن أن تغير من أصل الموسيقى.

شكلت هذه التنظيرات Gökalpçi paradigma لسنوات الموجِّه الأهم للسياسات الموسيقية الرسمية. فأُزيل كل ما يتعلق بالموسيقى التركية والشرقية في المدارس الحكومية والخاصة، واستُبدل بتعليم الموسيقى الغربية. طُبّق ذلك بشكل خاص في دار الألحان Dârülelhan، أول معهد مختص بالموسيقى أنشئ في العهد العثماني، والذي أصبح اسمه لاحقًا كونسرفاتوار اسطنبول.

أقرت الدولة إغلاق كافة الزوايا والتكايا عام ١٩٢٥، إذ كانت تعتبر هذه المؤسسات – بعيدًا عن دورها الاجتماعي والديني – موطنًا للعديد من الجماعات الصوفية المعروفة بموسيقاها وابتهالاتها التي لطالما اعتُبرت فنًا عثمانيًا عريقًا. ثم في ١٩٢٦ طُبّق منع تعليم فنون الموسيقى والغناء الشرقية والتركية سابق الذكر لقرابة نصف قرن. كما حُظر أيضًا تعليم الموسيقى المونوفونية (موسيقى الصوت الواحد) المرتبطة بالحضارات القديمة والموسيقى والتراتيل الدينية في المدارس العامة والخاصة عام ١٩٢٧، للتركيز على تعليم نمط الموسيقى البوليفونية (متعددة الأصوات) التي تميزت به الموسيقى الغربية، بحجة أن موسيقى الصوت الواحد تستدعي إلى الذهن الدكتاتورية، بينما تستدعي الموسيقى الغربية متعددة الأصوات إلى الذهن الديمقراطية والحداثة.

كانت أول مواجهة واسعة بين سياسات الدولة الموسيقية وأذواق الجماهير، لا سيما من سكان الأطراف الذين تميزوا دائمًا بتدينهم وتقديرهم للقيم والفنون المحلية، هي التي تلت حظر إذاعة الموسيقى التركية الكلاسيكية والشعبية في محطات الإذاعة عام ١٩٣٤. حيث واجهت الجماهير سياسات حصار الذائقة الموسيقية وقرار الحظر الذي لم يصمد أكثر من ٢٠ شهرًا من خلال التوجه إلى إذاعات المنطقة العربية، لا سيما إذاعات القاهرة وبغداد ودمشق، لقرب موسيقاها وأغانيها من الذائقة الشعبية، ما ترك أثره الشديد على الحياة الموسيقية في تركيا لعقود.

إعلان

⦁ العلاقات مع الموسيقى والسينما العربية

احتضن سكان الأرياف الذين كانوا يشكلون حينها نسبة كبيرة من سكان تركيا هذا الوافد العربي الجديد، لتنتشر في الفترة من أواسط الثلاثينات وحتى نهاية الأربعينات الأغاني والأفلام العربية – لا سيما المصرية – بكثرة في تركيا، لدرجة أن عدد الأفلام المصرية المعروضة فيها بين عامَي ١٩٣٨ و١٩٤٤ كان مساويًا لعدد الأفلام التركية في نفس الفترة. عُرضت الأفلام الوافدة لاسيما الغنائية منها لأسابيع طويلة، وخاصةً في الأطراف لقربها من الذائقة الموسيقية والغنائية هناك باستخدامها للمقامات والآلات الموسيقية الشرقية. لم يتوافق هذا الاتصال مع السياسات الموسيقية الرسمية، ما دفع النخب الحاكمة لحظر عرض الأغاني العربية في الأفلام المصرية المعروضة في تركيا عام ١٩٣٨، خاصة بعد حصول فيلم دموع الحب الذي أدى دور بطولته وأغانيه محمد عبد الوهاب على شعبية كبيرة، لتنشط إثر هذا المنع حركة دبلجة وتتريك هذه الأفلام وأغانيها.

ظهرت حينها العديد من الأغاني الجديدة من رحم هذه الحركة، اعتمدت نفس نمط الألحان العربية، وشارك في تلحينها وأدائها العديد من أساتذة الموسيقى والغناء الكلاسيكي في تركيا، مثل منير نور الدين سلجوق وسعد الدين كايناك وغيرهم؛ إلى أن حُظر عرض الأفلام المصرية بشكل كلي عام ١٩٤٨، بعد شيوع العشرات من الأفلام المصرية لسنوات في تركيا. بنتيجة هذه الفترة، اكتسب العديد من المطربين والملحنين العرب شهرة كبيرة في تركيا، خاصة أمثال أم كلثوم وأسمهان وليلى مراد ومحمد عبد الوهاب وغيرهم، الذين استمرت شعبيتهم لاحقًا لدى المستمعين والمشتغلين بالموسيقى الأتراك على حد سواء.

يرجع بعض الباحثين ظهور أولى أغاني الأرابسك إلى فترة شيوع الأفلام المصرية وما صاحب ذلك التواصل الثقافي من نشاط للموسيقى الشرقية. أثرت تلك الفترة بلا شك على تشكيل الأرابسك ومنحته أحد عناصر التنوع التي تميز بها، بل وساهمت في منحه اسمه.

ملصق إعلان باللغة التركية عن الفيلم المصري عواصف، إنتاج عام ١٩٤٦ من بطولة كل من فاطمة رشدي وعباس فارس وزكي رستم، مع ذكر كونه مدبلجًا وأن أغانيه مُترّكة.

العوامل المباشرة والبيئة التي نشأ فيها الأرابسك

⦁ الهجرة

رغم عدم مشاركة تركيا في الحرب العالمية الثانية وتفضيلها اتباع سياسة الحياد الفعال Aktif tarafsızlık، إلا أن موقعها الجيوسياسي جعلها محط تأثر مباشر بانعكاسات الحرب. مع التأكيد على أهمية تأثير العوامل الداخلية في تلك الفترة على حركة الهجرة، خاصة التحول الفعلي نحو نظام التعددية الحزبية عام ١٩٥٠، إلا أن أهم عامل ساهم في نشاط حركة الهجرة التي أسست بشكل مباشر لتحولات جذرية في بنية المجتمع التركي كان عاملًا خارجيًا، إذ شكل ضم تركيا لمشروع مارشال الأمريكي (١٩٤٧) لإعادة إعمار الدول الأوروبية المنهارة بعد الحرب نقطة تحول رئيسة على مختلف الأصعدة.

يتضح التأثير المهم لهذا المشروع – الذي فجَّر حركة الهجرة لتظهر منها العشوائيات، حاضنة الأرابسك – من خلال مساهمته في تغيير سياسات الحكومة نحو توفير بيئة أكثر سهولة لمختلف الاستثمارات الأجنبية والخاصة. نجح المشروع أيضًا في نقل التركيز الحكومي على تطوير النقل من السكك الحديدية إلى النقل بالحافلات ونحوها، فتعزّز ربط المراكز والأطراف ببعضها البعض.

لكن أهم تأثير قدمه مشروع مارشال هو إشرافه بشكل مباشر على دعم قطاع الزراعة بالآلات والمعدات المتطورة، خاصة الجرارات الزراعية، التي ارتفع عددها الذي لم يكن يتجاوز ١١٥٦ عام ١٩٤٥ إلى ما يزيد عن ١٥ ألف عام ١٩٥٠. ساهم الارتفاع الكبير وغير المدروس في أعداد الآلات الزراعية مع مشروع مارشال في تقليص الطلب على الطاقات البشرية العاملة في الزراعة، في بلد شكلت فيها نسبة سكان القرى والأرياف العاملين في الزراعة غالبية السكان آنذاك. أما في مراكز المدن فلقد كان ازدهار حركة الصناعة وما نتج عنه من زيادة في فرص العمل، بالإضافة إلى جاذبية المدن الخدماتية والتعليمية، من أهم العوامل الجاذبة نحوها، لتشهد تركيا حركة هجرة داخلية وخارجية ضخمة لملايين من سكان الأرياف طوال عقود. ارتفعت في عقد الخمسينات فقط أعداد سكان المدن الكبرى في تركيا بنسبة ٧٥٪ بفعل حركة الهجرة الداخلية النشطة.

من أبرز التغييرات الاجتماعية الناتجة عن موجات الهجرة ظهور الأرابسك. لم تكن هجرات بشرية فقط، بل هجرات ثقافية. حمل هؤلاء المهاجرون قيمهم وثقافتهم إلى البيئة المدينية، ليولد الأرابسك من امتزاج كل من الريف والمدينة في رحم العشوائيات، وما نتج عن الحياة فيها من معاناة واغتراب، وليكون أيضًا أول صدام فعلي بين ثقافة وأذواق وهموم الأطراف المهمشة (الشرق الريفي)، وبين المركز وثقافته النخبوية وذوقه المستغرب (غرب تركيا المتمدن).

⦁ العشوائيات

وجد المهاجرون الجدد أنفسهم هائمين في مدن متروبولية في مواجهة غلاء المعيشة والعوز المادي، مضطرين إلى الانسحاب نحو الأطراف البعيدة للمدن، فلجأوا إلى إنشاء العشوائيات Gecekondu التي كانت عبارة عن مناطق تُعرف باكتظاظها وفقرها الخدماتي بسبب فقر المهاجرين، والفكرة المترسخة لديهم بأن هذه مرحلة مؤقتة فقط. تبنى العشوائيات بشكل غير قانوني على أراضٍ خاصة أو تعود للدولة، ما تسبب بهدمها مرارًا ليعاد بناؤها في مناطق أخرى بنفس الطريقة.

رافق زيادة موجات الهجرة المستمرة نحو المراكز ارتفاعٌ في نسبة سكان العشوائيات التي لم تكن تتجاوز ٥٪ من سكان تركيا عام ١٩٥٥، لتصل إلى ٢٢٫٩٪ عام ١٩٦٥ وتستمر بالارتفاع بعدها. لم يستطع النشاط الصناعي في تركيا مواكبة هذه الزيادة في ظل استمرار الزيادة غير المدروسة في الآلات الزراعية، ما زاد الضغط على فرص العمل الموجودة في المدن الكبرى، ودفع المهاجرين إلى أعمال مؤقتة وشاقة بأجور زهيدة فمثلًا عمل إبراهيم تاتليسيس في البناء والحديد بعد هجرته من مدينة أورفه في أقصى جنوب شرق تركيا إلى مدينة إسطنبول في أواسط السبعينات.. كانت وسيلة وصولهم الوحيدة إلى المراكز في ظل غياب وسائل النقل العامة عن تلك المناطق هي الحافلات الصغيرة (ميكروباص)، التي حظيت آنذاك بتسمية شعبية معبرة استمرت إلى يومنا، وهي دولمش dolmuş، التي تعني ممتلئ، في إشارة إلى اكتظاظ هذه الحافلات المعتاد بالعمال المهاجرين وسكان العشوائيات.

كانت هذه الحافلات فضاء الأرابسك الأول الذي أمكنهم من خلاله التعبير عن همومهم وثقافتهم في المركز وفي الطريق إليه، حيث يصعد عمال المُياوَمة كل صباح إلى الدولمَش ليستمعوا إلى ما يشبههم من هموم وآلام وتمرد في ظل حياة شاقة لا تمنحهم أي فرصة. كانت هذه الحافلات عنصرًا مهمًا في نمو وتطور الأرابسك لدرجة أن البعض كان يطلق عليه مسمى ثقافة الدولمَش، للتقليل من شأنه أحيانًا. يحمل هذا التوصيف في طياته إشارة واضحة إلى دور وسيلة المواصلات هذه في نشر وتمثيل الأرابسك.

زاد الإهمال الرسمي والتمييز العنصري والعوز المادي من إحساس المهاجرين بالاغتراب، وساهم هذا الشعور في تشكيل الأرابسك، كونه ولد بجزءٍ كبير كنتيجة لحاجة هذه الطبقات إلى اكتساب أداة يمكنهم من خلالها التعبير عن آلامهم وأحلامهم وتمردهم، ما ساعد على اكتسابه جمهورًا مخلصًا، خاصة وأن أغلب فناني الأرابسك – إن لم يكن جميعهم – ينحدرون من أسر مهاجرة بل إن بعضهم هاجر مرتين، مثل مسلم جورسيس الذي ولد وعاش سنواته الأولى في واحدة من قرى مدينة أورفه، ثم هاجرت عائلته لأسباب اقتصادية أولًا إلى مدينة أضنه، ثم لاحقًا إلى مدينة إسطنبول.، ليصبحوا بذلك الناطقين باسم هذه الجموع، ويتحول الأرابسك من مجرد موسيقى وغناء إلى ممثل وجداني وثقافي بالنسبة لهذه الطبقات.

⦁ سنوات التمرد (منتصف الستينات – ١٩٨٠)

شكلت الأحداث المتسارعة في عقد الخمسينات بذرة لتحولات اجتماعية واقتصادية مهمة أثرت على ظهور البيئة الحاضنة لفن الأرابسك وتشكيل هويته. لم يكن لهذا الفن الذي بدأ إطاره الموسيقي الأول بالتكون منذ ثلاثينات القرن الماضي، أن يظهر بشكله الذي عرف به إلا في بيئة تركيا الستينات، التي شهدت – بالإضافة إلى المواجهة الاجتماعية المحتدة بين الريف والمدينة – نشاطًا سياسيًا عارمًا، بدأ في ظل دستور عام ١٩٦١ الذي أُقر بعد استفتاء صعب نتيجة لأول انقلاب عسكري في تاريخ الجمهورية.

قدم هذا الدستور نموذجًا لنظام برلماني حقيقي تميز بشكل خاصٍ بعدم اعتماده لنظام الحد الأدنى من الأصوات لدخول البرلمان، ما مكَّن العديد من الأحزاب الصغيرة من دخول البرلمان، فزاد من التنوع على الساحة السياسية، كما عرفت كل من النقابات العمالية والحركات الطلابية نشاطًا كبيرًا في تلك الفترة. تُعتبر الستينات أيضًا من أكثر العقود التي شهدت نشاطًا لحركات اليسار في تركيا في ظل عالم القطبين المتنازع، وفي ظل ارتفاع أصوات العداء للنفوذ الأمريكي في تركيا، خاصة بعد أول انكسار في العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين (مسألة قبرص وخطاب جونسون ١٩٦٤). أما الساحة الموسيقية آنذاك فشهدت ظهور العديد من أنماط الموسيقى والغناء المختلفة مثل الروك والفَنك والديسكو وغيرها.

إعلان

رغم هذا التنوع في الموسيقى وفي التيارات السياسية يسارًا ويمينًا في تلك الفترة، تعرض الأرابسك ومنذ بداية ظهوره لأكبر حملة رفض ومقاطعة وتشويه ممنهج واجهها أي فن على الساحة التركية على الإطلاق. رعت هذه الحملة نخب التحديث وموسيقيو المدن الذين رأوا في هذا الفن مجرد نسخة معطوبة من خليط الموسيقى الشعبية والكلاسيكية التركية المتأثرة بالموسيقى العربية. كانت هذه الانتقادات في غالبها انتقاداتٍ أيديولوجية طبقية لم تتناول الجانب الموسيقي للأرابسك. فحُظر بث أغاني الأرابسك في إذاعات وشاشات الدولة الرسمية (تي آر تي)، وحُصر – رسميًا – في الهوامش لسنوات، بوصفه مجرد موضة وعدوى عابرة لن تستمر طويلًا.

لم تُصِب تكهنات النخب والمؤسسات الرسمية، واستمر الصعود المدوي للأرابسك في ظل استمرار موجات الهجرة، وتضاعُف أعداد سكان العشوائيات واستمرار مظلوميتهم والتمييز ضدهم. كما شكلت التطورات التقنية في قطاع الأسطوانات الموسيقية ومن ثم ظهور أشرطة الكاسيت وانتشارها عوامل رئيسة زادت من حضور الأرابسك اللافت في سوق الموسيقى التركي، الذي مثل بذاته لاعبًا خفيًا عمل على تدعيم انتشاره رغم الحظر الرسمي؛ فحقق ألبوم بير تِسِلّي فِر Bir Teselli Ver لـ أورهان كنجباي مثلًا عند ظهوره في بداية السبعينات مبيعات تجاوزت النصف مليون نسخة. عبر السنوات ازدادت أعداد مستمعي الأرابسك، حتى قُدِّرت حصة إصدارات الأرابسك بأكثر من ١٥٠ مليون شريط كاسيت من أصل ٢٠٠ مليون هي مجموع أشرطة الكاسيت السنوية في عموم تركيا خلال تلك الفترة.

شكّل أيضًا ظهور سينما الأرابسك من خلال الأفلام الغنائية التي قام ببطولتها مشاهير فناني الأرابسك منذ بداية السبعينات نقطة مهمة في زيادة القاعدة الجماهيرية لهذا الفن. تناولت هذه الأفلام مشاكل مثل الهجرة والحياة في العشوائيات، لكنها ظلت بنسب متواضعة طوال السبعينات (٩٫٧٪ من مجموع الأفلام التركية عام ١٩٧٩ مثلًا)، ليزداد انتشارها بشكل كبير في السنوات اللاحقة.

لم ينحصر التجاهل والتهميش الذي تلقاه الأرابسك بالدولة ونخبها ومؤسساتها. يرى الكاتب البريطاني مارتن ستوكس المتخصص في فنون الموسيقى والغناء التركية في كتابه ظاهرة الأرابسك في تركيا، الصادر عام ١٩٩٢، أن أحد العوامل الرئيسة التي منعت تحول الأرابسك من التمرد على الظلم الاجتماعي إلى التمرد السياسي هو تبني التيارات اليسارية التركية لسياسات الدولة التحديثية، التي شكل الأرابسك نقيضًا صريحًا لها.

يتفق مختلف الباحثين أن سياسات الحظر والتجاهل تجاه الأرابسك كانت سببًا رئيسًا في تعميق مظلوميته وزيادة شعبيته. بُثت أولى أغاني الأرابسك على إذاعات المؤسسات الرسمية في عام ١٩٧٨ بإذن خاص من رئيس الجمهورية حينها، حيث سجّل أحد مشاهير الأرابسك فيردي تايفور ثلاث أغانٍ لصالح هيئة الإذاعة والتلفزيون (تي آر تي)، أذيعت منها اثنتان ومنعت واحدة، لتبدأ منذ تلك الفترة سلسلة من التغيرات الملحوظة في السياسة الرسمية تجاه الأرابسك تجلت بوضوح في الثمانينات والتسعينات. تميز الأرابسك خلال هذه الفترة بامتلاكه نفسًا متمردًا ناقمًا على النظام الاجتماعي القائم. كما ظهرت منذ تلك الفترة علاقة مميزة تربط بين فناني الأرابسك وجماهيرهم لا سيما من الطبقات الدنيا، فأضيف لفظ بابا إلى أسماء أشهر هؤلاء الفنانين (مسلم بابا مثلًا)، في إشارة إلى الحميمية التي تشعر بها هذه الجماهير تجاه من يغنون آلامهم وحزنهم المشترك.

واحدة من أغاني التمرد والسخط على العالم التي غناها أورهان كنجباي عام ١٩٧٣.

⦁ سنوات التحول (١٩٨٠ – نهاية التسعينات)

شهدت السنوات الأخيرة من السبعينات سلسلة من الاضطرابات نتيجة لتعمُّق الانقسام بين مختلف الأقطاب السياسية، وانعكاسه في الشارع من خلال أحداث عنف واغتيالات متبادلة. تبع ذلك انقلابٌ عسكريٌّ دامٍ عام ١٩٨٠، أقال الحكومة المنتخبة وحل البرلمان وألغى الدستور، أغلق جميع الأحزاب والحركات السياسية والعمالية في البلاد، وبدأ سياسة سحق ممنهجة للقوى السياسية والثقافية المختلفة بحجة حماية الجمهورية ومبادئ أتاتورك. أدت هذه السياسة إلى قتل واعتقال ومحاكمة وتغييب مئات الآلاف.

عُقدت أول انتخابات عامة بعد إقرار دستورٍ جديد عام ١٩٨٣، وشكّلت لحظة مصيرية في تاريخ تركيا الحديث انعكست على مختلف مناحي الحياة، وعلى شكل الأرابسك بشكل مباشر. كان توظيف السياسي التركي توركوت أوزال Turgut Özal وحزبه الجديد (حزب الوطن الأم) للأرابسك في حملته الانتخابية، ولاحقًا حضوره بنفسه لحفلات الأرابسك وظهوره العلني مع مشاهيره، حدثًا غير مألوفٍ على الساحة السياسية التركية.

فاز توركوت أوزال في تلك الانتخابات المصيرية أمام مرشحي العسكر، وساهمت استمالة سكان العشوائيات بشكل أساسي في هذا الفوز، لتتحول تلك المناطق والأرابسك المنتشر فيها من هوامش مهملة إلى مركز مؤثر في الحياة السياسية يتصارع عليه سياسيو تلك الفترة. لعبت الزيادة الملحوظة في هجرات برجوازيي الأرياف نحو المدن خلال الثمانينات دورًا مهمًا أيضًا في تثبيت أقدام الأرابسك في المركز، وفي مناطق لم يصلها من قبل مثل الحانات والنوادي التي يرتادها سكان المراكز، خاصةً أبناء الطبقات الوسطى.

بنتيجة هذا الدعم السياسي، كانت قنوات التلفزة الخاصة التي ظهرت في بداية التسعينات واحة آمنة لا تستطيع أيدي أعداء الأرابسك من النخب المساس بها، ما شكل عاملًا مهمًا في وصوله إلى مختلف الطبقات في كافة أنحاء البلاد. شاعت وقتها برامج التلفاز الغنائية التفاعلية التي يقدمها مشاهير الأرابسك، فأصبحت نسب مشاهدات هذه القنوات الخاصة حديثة التأسيس تفوق نسب مشاهدات القنوات الرسمية، لتبدأ القنوات الرسمية شيئًا فشيئًا بدخول المنافسة عبر استضافة فناني الأرابسك، وتصبح بذلك سياسات الحظر والتجاهل في حكم العدم.

بدأت العديد من التغيرات الداخلية في بنية الأرابسك بالظهور تدريجيًا منذ نهاية السبعينات، لكن التحول الحقيقي في لغته ورسالته اكتمل في الثمانينات، حيث استُبدلت لغة وإيحاءات العشوائيات التي تحمل مظلومية تلك المناطق والتي ميزت الأرابسك لعقود، بلغة أخرى أكثر عمومية وحيادًا تخاطب الهموم الوجدانية أكثر من مخاطبتها الهموم الطبقية، وذلك بفعل وصوله إلى المركز وتحوله إلى فن شعبي يوجه خطابه إلى طبقات اجتماعية مختلفة. كما انتقل السخط والتمرد على الظلم الاجتماعي اللذَين تميز بهما الأرابسك إلى العتب على القدر، في سلبية تعززت كنتيجة مباشرة لضغوط الجو السياسي القمعي الذي أعقب انقلاب ١٩٨٠. مع الوقت، تفككت الخصائص التي ميزت الأرابسك طوال مرحلة تهميشه، وخسر بذلك بعده ومظلوميته الاجتماعية لصالح وصوله إلى طبقات جديدة من المستمعين، فيما وُصف بعملية استطباق بدأت منذ الثمانينات يشير مصطلح الاستطباق (soylulaşma/ gentrification) في علم التمدن إلى إحلال طبقة بطبقة أخرى أرقى منها نتيجة تغير ظروف المعيشة وزيادة صعوبتها.

صورة لرئيس الوزراء التركي توركوت أوزال (١٩٨٣-١٩٩٣) وهو يغني في لقاء مع مغني الأرابسك الشهير إبراهيم تاتليسيس.

ساهم الانجراف الكبير نحو اليأس والسوداوية والقدرية تجاه الحياة والحب في أغاني الأرابسك، لا سيما في الربع الأخير من الثمانينات، في بروز ظاهرة عجيبة تمثلت بقيام العشرات من الشباب بإيذاء أنفسهم بشفرات الحلاقة أثناء الاستماع إلى أغاني الأرابسك في الحفلات. بدأت هذه الظاهرة بين جمهور مسلم جورسيس، لتنتشر بعدها بين جماهير بقية فناني الأرابسك. كانت حفلات مسلم بابا في حديقة كولهانه gülhane konserleri مجانية يحضرها آلاف من معجبيه، لا سيما من الطبقات الدنيا التي ظل بعكس غيره على تواصل معها رغم الطفرة التي عاشها الأرابسك في الثمانينات، لتتحول هذه الحفلات إلى ميدان تفرغ فيه هذه الجموع أزمتها النفسية في ظل فقرها وظروف حياتها السيئة، وضغوط السياسات النيوليبرالية وسياسات الخصخصة عليها، من خلال إيذائهم لأنفسهم بشفرات الحلاقة بينما يستمعون إلى مسلم بابا بصوته وأغانيه الحزينة التي تتلمس مشاعر الوحدة والفراغ واليأس في قلوبهم.

سرعان ما علت بالنتيجة أصوات انتقاد ورفض الأرابسك التي لم تختف يومًا بين النخب والطبقات العليا، فوُصم بتشجيع المازوشية والفساد بين الشباب، لتقوم الدولة بأول تدخل مباشرٍ لها منذ ظهور الأرابسك في أوساط الستينات، حيث سعى تناز تيتيز وزير الثقافة في حكومة أوزال عام ١٩٨٩ إلى السيطرة على الأرابسك وإعادة هيكلته ببطء بما يتناسب مع الدولة. كوِّنت لجنة مختصة من مجموعة من المستشارين والموسيقيين والملحنين وكتاب الكلمات بهدف الصعود بذائقة الشعب وإبعاده عن الأرابسك وتأثيره السلبي، لتشرف على ظهور أسلوب أرابسك جديد تحت مسمى أرابسك بلا ألم Acısız arabesk، بالتعاون مع مغني الأرابسك حقي بولوت، والذي نتج عنه أغنيته سفن كيسكانير.

سعت هذه اللجنة إلى التخلص من الأرابسك ببطء بوصفه “إدمانًا” يعاني منه الشعب، وبدأت “العلاج” من خلال تخفيف جرعات الألم والسوداوية فيه تمهيدًا لتجاوزه إلى الأبد. لم تنجح هذه السياسة، واستمر شيوع الأغاني التي لا توافقها رغم رفضها في القنوات الرسمية، من خلال أشرطة الكاسيت والقنوات الخاصة التي بدأ ظهورها في مطلع التسعينات.

إعلان

تميزت الحياة السياسية في التسعينات بالوصاية العسكرية على كل من السياسة الداخلية والخارجية في ظل الحرب الطاحنة مع حزب العمال الكردستاني، والتجاذبات العسكرية المستمرة مع كل من سوريا واليونان، بالإضافة إلى الحكومات الائتلافية الضعيفة في تلك الفترة. عمّقت أيضًا الأزمة الاقتصادية التي عانت منها تركيا بعد حرب الخليج الثانية وإغلاق الحدود مع العراق من حالة عدم الاستقرار والانقسام على الساحة التركية، لتنعكس كل تلك العوامل على الأرابسك، ما ساهم في ظهور أنواع مختلفة من أغاني الأرابسك، من يسارية وإسلامية إلى قومية وكردية، في إشارة مهمة إلى تحول هذا الفن إلى واحدة من أهم أداوت التعبير الرئيسة في البلاد وإتمامه الاندماج في الفضاء العام سياسيًا واجتماعيًا. شاع أيضًا في تلك الفترة التأثر المتبادل بين كل من الأرابسك والبوب لدرجة الاندماج أحيانًا، ما ساهم في توسيع القاعدة الجماهيرية للأرابسك أكثر من أي وقتٍ مضى.

تكيفت سينما الأرابسك مع الرقابة العسكرية الصارمة بعد انقلاب ١٩٨٠، والتي حرصت على منع كافة الأفلام التي تتناول المشاكل السياسية والاجتماعية، لتظهر في تلك الفترة أفلام غنائية ذات طابع خيالي سعت لتجسيد الأزمات الفردية بعيدًا عن إطارها الاجتماعي. تميزت هذه الأفلام بأبطالها القادمين من الريف وتجسيدها لليأس والسوداوية، خاصة في قصص الحب بين البطل الفقير والفتاة الغنية. عاشت سينما الأرابسك طفرة كبيرة منذ بداية الثمانينات، فوصلت نسبة أفلام الأرابسك من مجموع الأفلام في تركيا عام ١٩٨١ إلى ٤٥٫٨٪. لكنها بدأت منذ نهاية الثمانينات في تكرار نفسها، ما أضعف الإقبال عليها، بالإضافة لتأثرها بشدة في مطلع التسعينات بالأزمة الاقتصادية التي عصفت بمختلف القطاعات الاقتصادية في تركيا إثر حرب الخليج الثانية.

الأرابسك اليوم

دخل الأرابسك حالة ركود ملحوظة منذ نهايات التسعينات، فلم يعد يظهر نجوم جدد مهتمون بحمل رايته بين الأجيال الجديدة، وانحصر ببعض ألبومات الأرابسك التي يقدمها مغنو البوب بين الحين والآخر (مثل سِني أُنُتمايا أومرُم يتر مي لـ أوميت بِسٍن وبامِلا، فِلِك بيل ألاد لـ كُربان، وبير بيلِبيلسن لـ إليف كايا)، بينما اكتفى مشاهير فنانيه بإعادة غناء أعمالهم القديمة، بل وقام عدد منهم بتجربة ألوان موسيقية أُخرى. مع ذلك وجدت شريحة كبيرة من الأجيال الجديدة في الأرابسك تعبيرًا وجدانيًا عن مختلف المشاعر والحالات التي يمرون بها، ليحظى بشعبية كبيرة يمكن ملاحظتها بسهولة بينهم. لكن في النهاية، لم تعش هذه الأجيال الهجرة، ولم تتأثر من الحياة في بيئة العشوائيات البائسة بفضل توسع المدن وامتداد الخدمات البلدية إلى مختلف المناطق المأهولة. لم يعيشوا أيضًا تلك الأزمة الطبقية والمدينية بين المهاجرين الريفيين وأهل المدن ونخبهم، في بلد أصبح معظم سكانه يعيشون في المدن التي يشكل المهاجرون الغالبية الساحقة فيها الآن.

أنتجت سياسة تحرير السوق التي بدأت في عهد أوزال نخبًا وطبقات عليا جديدة بتوجهات سياسية مختلفة عن نخب الجمهورية الأولى، عدا عن التغييرات التي حدثت في السياسات الثقافية والموسيقية للدولة، لتساهم كل هذه الأجواء في بناء واقع اجتماعي جديد مختلف عن الواقع الذي نشأ فيه الأرابسك. شكلت هذه الموسيقى الرديفة للمعاناة الاجتماعية والوجدانية التي ولدت من ضجيج محركات الجرارات الزراعية الأمريكية في الخمسينات ملخصًا فنيًا للصراع الاجتماعي والسياسي في تركيا طوال عقود وحافظت حتى اليوم على مكانتها الفنية التاريخية في الثقافة التركية رغم أصوات العداء الحاضرة دائمًا.


المراجع

-STOKES, Martin (2009). Türkiye’de Arabesk Olayı, İstanbul: İletişim Yayınları

-ÖZBEK, Meral (2008). Popüler Kültür ve Orhan Gencebay Arabeski, İstanbul: İletişim Yayınları

-Zencirkıran, Memet (2013). Dünden Bugüne Türkiye’nin Toplumsal Yapısı, İstanbul: Dora Yayınları

-TÜRKİYE’DE MODERNLEŞME, POPÜLER KÜLTÜR VE ARABESK * MODERNIZATION IN TURKEY, POPULAR CULTURE AND ARABESQUE

-Sosyal Değişimler ve Müzik Kültürü Üzerine Etkileri: Amerikan Hip Hop Kültürü ve Türk Arabesk Müziği Üzerine Karşılaştırmalı Bir Çalışma / Social Changes and Effects on Musical Culture: A Comparative Study on American Hip Hop Culture and Turkish Arabesk Music

-Televizyonun arabesk müziğin soylulaşmasındaki rolü

-Türk Sineması’nda Arabeskin Doğuşu ve Gelişimi

-Arabesk müziğin toplumsal boyutları

-Arabesk müzik bugün ne durumda?

-Politik Kadercilik Açısından Arabesk

-Türk Müziğine Bir Teselli: Arabeskin Doğuşu ve Arabeskin Babaları

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply