من البترول إلى تصحيح النغمة | الثروات الباطنية لـ الأوتوتيون

كتابةرامي أبادير - أكتوبر/تشرين الأول 15, 2018

لم يكن الأوتوتيون المحاولة الأولى للتلاعب بصوت المغني، بل سبقه جهاز الفوكودر كأول محاولة ناجحة. قدمته شركة بل لابز في العشرينيات واستخدم خلال الحرب العالمية لـ الرسائل المشفرة، ثم طورت شركة سيمنز نسخة أخرى منه. بعد ذلك تعاون روبرت موج والموسيقية وندي كارلوس لإنتاج نموذج الفوكودر الأقرب إلى شكله الحالي، وانتشر استخدامه بين الفرق والفنانين. جهازَا التوك بوكس والسونيفوكس مثالان آخران على التلاعب بالصوت البشري، وهناك أمثلة عديدة من الفنانين والفرق التي وظفته.

في ١٩٩٨، احتار النقاد والموسيقيون في تحديد صوت المؤثر الطاغي على أغنية بيليف لـ تشير، وظن الكثيرون لسنوات أن المؤثر المستخدم هو ديجيتك توكر فوكودر كما زعم منتجا الأغنية في مقابلة مع مجلة ساوند أُن ساوند. كما هو معروف اليوم، ما سمعه العالم في أغنية تشير كان الأوتوتيون، مؤثر تصحيح النغمة الذي اخترعه أندي هِلدبراند وطرحه في الأسواق عام ١٩٩٧.

هِلدبراند مهندس كهرباء عمل لدى إكسون في استكشاف البترول لمدة ثلاث سنوات. في عام ١٩٧٩ أسس شركته لاندمارك جرافكس، والتي كانت تعمل على تطوير آلات وبرامج للتنقيب عن البترول. اكتسب من خلال عمله خبرة واسعة في مجال معالجة الإشارة، وهو مجال حيوي في التنقيب عن البترول المعتمد على البحث السيزمي؛ حيث ترسل إشارات إلى طبقات الأرض وتحلل الترددات المنعكسة عن هذه العملية عن طريق معالجة الإشارة. بناءً على الرسومات البيانية الناتجة يتبين وجود البترول بمنطقة ما (بالإضافة إلى بيانات أخرى)، ثم يبدأ الحفر.

بعد عشر سنوات والعديد من النجاحات، ترك هِلدبراند مجال البترول ليدرس الموسيقى، وبعدها، في عام ١٩٩٠ أسس شركة أنتارس أوديو تكنولوجي المتخصصة في مجال التكنولوجيا الصوتية وتطوير برامج الصوت. مزج هِلدبراند بين خبراته في البترول والموسيقى، متبعًا نفس أسلوب معالجة الإشارة في تطوير برنامج باسم إنفينيتي. ساعد هذا البرنامج على تحسين خواص العينات الصوتية لآلات الأوركسترا، ليستعين بها صانعو الأفلام بدلًا من الآلات وعازفي الأوركسترا الحقيقية في موسيقى الأفلام. بعد عدة سنوات، وبفضل خبرته العميقة في معالجة الإشارة والإحصاء والتكويد والبرمجة، طور مؤثّر الأوتوتيون عام ١٩٩٦ ثم عرضه بمعرض نامّ في العام التالي. لاقى الاختراع احتفاءً كبيرًا وحصلت عليه الكثير من الاستوديوهات الكبرى في أمريكا، الأمر الذي شجّع مطوريه لاحقًا لتحويله من برنامج رقمي إلى جهاز. بعد بضع سنوات ظهرت مؤثرات أخرى لتصحيح النغمة مثل الميلوداين ووايفز تيون.

كيف يعمل الأوتوتيون

تعامل المنتجون مع الأوتوتيون بداية بحرص، مكتفين بتصحيح النغمات الخاطئة وحسب. كان من الصعب ملاحظة أثره على الأغاني، نظرًا لعدم انتشاره وأيضًا للاعتماد على الدرجات البطيئة في مداه (من ٤٠٠ ميلي ثانية إلى صفر)، حيث يعالج الخطأ بشكل انسيابي وبوقت أطول. ما زال هذا الاستخدام دارجًا إلى يومنا هذا؛ فبدلًا من إهدار الوقت وتسجيل عدة مقاطع يعدها المنتج الموسيقي على مدار عدة أيام ليختار الأفضل منها ويربط بعضها ببعض على برنامج التسجيل، بات من الممكن معالجة الأخطاء في وقت قصير. كل ما على الفنان فعله هو تسجيل المقطع الغنائي، ثم اختيار السلم الموسيقي المطلوب، والسرعة والكثافة (يطلق عليه هيومانيزر)، فيعمل البرنامج على تصحيح النغمة الناشزة إلى أقرب نغمة صحيحة.

إعلان

الاستخدام الذي لم يتنبأ به هِلدبراند هو الدفع بالأوتوتيون إلى أقصى سرعة، قد تصل إلى الصفر، ليغير تفاوت النغمات بحدة (ولا يميز حتى نغمات الفايبراتو والعُرب). يصل الصوت الأصلي إلى حالة من التشبع بالمؤثر ينتج عنها صوت أشبه بصوت الروبوت، ذلك الصوت الذي نسمعه حولنا في كل مكان بأغاني المهرجانات والتراب والبوب والعديد من أنواع موسيقية أخرى سأحاول التعرض لبعضها.

الأوتوتيون في أمريكا

لم يكن الأوتوتيون وتأثيره الروبوتي منتشرًا في أمريكا وأوروبا إلا عبر مقاطع قصيرة تخللت البوب. تغير ذلك عندما أطلق تي-باين ألبومه الأول رابا ترنت سانجا عام ٢٠٠٥، ليُعتبر أول فنان يوظف الأوتوتيون بشكل مكثف في ألبوم بأكمله، وهو الأمر الذي واظب عليه في أعماله اللاحقة كلها. أحدث الألبوم ثورة ودشّن حقبة جديدة في عالم الهيب الهوب امتدت إلى يومنا هذا. مع الوقت أقبل عليه المزيد من فناني الهيب هوب مثل سنوب دوج وليل واين الذي انطلق في عالم الأوتوتيون منذ ألبومه كارتر ثري. كما استخدمه كانيه وست في ألبومه ٨٠٨ آند هارتبريك بحرفية ونضج، إذ أضفى على صوته طبقة تجريبية جديدة تتماشى مع طابع الألبوم الدرامي والعاطفي. فتح الأوتوتيون مجالًا أوسع للجيل الجديد من الرابرز في عالم التراب، فلا يخلو تراك ليانج ثَج وترافيس سكوت وفيوتشر وميجوس وليل ياتي من الأوتوتيون. لا يقتصر دور الأوتوتيون على إضفاء الحيوية والتنوع على أصواتهم وحسب، بل أكسب موسيقاهم طابعًا غنائيًا جديدًا، ليصبح الرابر أيضًا هو المغني، ويمكنه الاستغناء عن العينات الصوتية أو المغني المرافق.

نظرًا لانتشار التكنولوجيا وتوفرها بشكل سريع ورخيص، امتد تأثير الأوتوتيون مع الوقت إلى أصناف موسيقية أخرى. لا يمكن مثلًا إغفال الدور الذي لعبه الأوتوتيون في البوب، كما تجب الإشارة إلى بعض الفنانين التجريبيين الذين استعانوا به مثل أونيوتريكس بوينت نيفر وجايكا وبراين إينو وبيورك بالأخص في طبقات الغناء الخلفية كما في ألبوم بايوفيليا.

في الوقت الذي حصل به الأوتوتيون على شعبية واسعة في البوب والهيب هوب الأمريكي، انتقل إلى عدة مشاهد تراب في أوروبا والمهرجانات في مصر وعدة مشاهد في بلدان أفريقية أخرى وموسيقى بوليوود ومشاهد الكومبيا والريجيتون والدانسهول. العنصر المشترك بين هذه الأمثلة هو توظيف المغنين للأوتوتيون بشكل مبدع يحول صوتهم إلى آلة، متجاوزين بذلك حدود الصوت البشري، ومضيفين عنصرًا جماليًا جديدًا إلى موسيقاهم.

الأوتوتيون في مشاهد متنوعة

وفّر الأوتوتيون، بالإضافة إلى برامج الإنتاج المختلفة مثل فروتي لوبس، السبيل لتجديد جذري في الموسيقى الشعبية المصرية بعد فترة ركود طويلة. تكرر نفس الشيء لاحقًا في مشهد الهيب هوب في مصر الذي اقتصر لسنوات على إعادة إنتاج الهيب هوب الأمريكي التسعيني. ساهم الأوتوتيون بتغيير أساليب الغناء والتدفق والإنتاج في الراب المصري، ويستخدمه اليوم باستمرار رابرز مثل أبيوسف ومروان بابلو وأبانوب ومادو سام وويجز ومروان موسى وآخرين، كما نجده بكثرة في مشهدَي الراب في فلسطين والأردن.

في أوروبا، زادت شعبية الأوتوتيون في عدة دول، أهمها فرنسا، حيث لعب دورًا كبيرًا في تجديد مشهد الهيب هوب في العقد الماضي. يعد بوبا في ألبومه ٠٫٩ أول من أدخل الأوتوتيون في الراب الفرنسي، وتبعه روف في ألبومه لو كود دو لورير ولافوين. في السنوات الأخيرة، شكل رابرز الجيل الجديد في الراب الفرنسي طفرة ثانية بفضل الأتوتيون، وأهمهم الثنائي بي إن إل اللذان اشتهرا بتوظيفه لإضفاء طابع “حزين” حافل بالمشاعر يتماشى مع كلمات الأغاني. يمكن القول إن الراب الفرنسي هو الموسيقى الأكثر انتشارًا وإنتاجًا الآن في فرنسا. يظهر الأوتوتيون في أعمال إم آر سي، صادق، نيسكا، فالد، نينيو، جرادور، هورنيه لا فراب، تيمال، لاكريم، سولكينج وبعض تراكات الرابر سفيان (الصاعد بقوة هذا العام) التي لا تنتمي لراب العصابات.

لم يحظَ الراب الألماني بشهرة واسعة، فقد ظل مستواه ضعيفًا لفترة طويلة مقارنةً بمشهدَي الراب الفرنسي والأمريكي، وانحصر طويلًا في إطار الراب التقليدي التسعيناتي (بوم باب). لكن في السنوات الأربعة الماضية ضخ الأوتوتيون مع عناصر التراب حياة جديدة في المشهد، وجعله أكثر إثارة وجماهيرية. ساعد الأوتوتيون رابرز عديدين في إنشاء طابع خاص وجديد على المشهد الألماني، مثل دردان وبرونتو وأوفو٣٦١ وسيلو/آبدي وبونيز إم سي وراف كامورا، حيث تعتمد إيقاعاتهم على الدانسهول. اتسعت هذه القائمة اليوم لتشمل عدة مشاهد تراب جديدة في أوروبا ترتكز على الأوتوتيون، ومنها إيطاليا والبرتغال وهولندا.

كذلك مشهد الهيب هوب الحديث بشمال أفريقيا لم يخلُ من الأوتوتيون، وبالأخص المشهد المغربي الذي يعد واحدًا من أقوى المشاهد العربية على مستوى الإيقاعات والتدفق والإنتاج. يستخدم الرابرز في المغرب الأوتوتيون في التراكات ذات الطابع الغنائي. عزز الأوتوتيون أيضًا تميز فنانين مثل توتو وحليوة وماد وشايفين ووينزا وغيرهم.

إعلان

أما في تونس فنجد الأوتوتيون حاضرًا بالأخص في أعمال علاء  وسمارة، كما يشهد مشهد الراب الجزائري انتشارًا واسعًا للأوتوتيون بعد اقترانه منذ أوائل الألفية بمشهد الراي الجزائري، كما في أغنية ما تجبدوليش لـ شابة جنات بالإضافة لـ شاب عبده وشابة فايزة وشاب بلال الذي استخدمه لأول مرة في ألبوم حابسين عام ٢٠٠٢.

المغرب في الطليعة

كما جرت العادة، ينحصر التركيز في دراسة تطور المشاهد الفنية في أمريكا وغرب أوروبا، بينما تغفل إسهامات فنانين في بلدان ومشاهد أخرى. فلا يذكر أحد الراي كأحد أول المشاهد التي وظفت الأوتوتيون بكثرة، حتى قبل تي باين، وأن علاقة المغرب بالأوتوتيون تعود إلى ما يقرب من عشرين سنة، إذ يمكن تتبع بداياته وعلاقته الوثيقة بمشهد الراي منذ بداية الألفية. نلاحظ مثلًا في أعمال عادل الميلودي استخدامه الأوتوتيون كطبقة إضافية فوق صوت الميلودي القوي بحيث تزداد قوته التعبيرية وعمق صوته.

حتى جايس كلايتون (دي جاي رابتشر) الذي أكد في كتابه آبروت على أن مشهد الراي كان رائدًا في توظيف الأوتوتيون، وقع في فخ الاستشراق وخلص إلى استنتاجات خاطئة عن أسباب استخدام الأوتوتيون و”الحاجة” إليه. فقد ربط شرطًا بين العُرب في الغناء العربي واستخدام المغنين المغاربة للأوتوتيون. كما جاء تفسيره لاستخدام المغنيات المغربيات للأوتوتيون أكثر غرابة، حيث زعم أنهن لجأن إليه “كحجاب” تتوارى خلفه أصواتهن ومفاتنهن، ليصبح الأوتوتيون الحجاب الذي يصون عفة المغنيات في العالم الحديث. عند الحديث عن مغنيات الراي المغربيات ينبغي لنا ذكر أهم الفنانات اللاتي استخدمن الأوتوتيون، مثل جميلة تمنتاكت وسعدية تيحيحت وفاطمة تاشتوكت، ومؤخرًا المغنية الكبيرة فاطمة تبعمرانت.

مع كل ظاهرة موسيقية جديدة، يحاول البعض فرض تحليلات اجتماعية أو ثقافية دون الالتفات إلى أهم جانب في العملية كلها؛ الجانب الجمالي والفني. هذا ما حدث مع تفسير توظيف فناني المهرجانات للأوتوتيون. فلعل سبب استخدام هذا المؤثر، ببساطة، أنه “جديد” ومتاح، مثل الكثير من البرامج والآلات الرقمية على الإنترنت، وقد قرر البعض تجريبه ليصنعوا بواسطته صوتًا جديدًا.

الأوتوتيون الإفريقي

إذا نظرنا إلى انتشار الأوتوتيون في سائر البلاد الأفريقية نلاحظ تحوله إلى ظاهرة عالمية، دون الوقوع في فخ الموسيقى العالمية. فنجد له استخدامات متباينة في المشاهد المختلفة، حيث ظهر بكثرة في مشهد البونجو فلافا بتنزانيا في آواخر العقد الماضي، وهو نوع ثري يجمع بين إيقاعات محلية والراب والريجي والموسيقى الهندية، ويعد علي كيبا أفضل مثال على هذه الموسيقى. كما يظهر في مشهد الهيب هوب بجنوب أفريقيا الذي يعد من أقوى المشاهد بالقارة، مثل في حالة إل-تيدو وآكا وناستي سي وكاسبر نيوفست، وأحيانًا في الموسيقى الراقصة الكوايتو. يحفل مشهد البوب والدانسهول الكيني أيضًا بالأوتوتيون، مثل في موسيقى آرو بووي وويلي بول وانسبيار. يمتد استخدام الأوتوتيون إلى مشهد الهيب هوب الكيني الذي يعتمد عليه بشكل رئيسي. وبالرغم من تأثره بالهيب هوب الأمريكي، إلا إنه أفرز مؤخرًا رابرز مستقلين مثل براك جاكوزي وستيف كابيلا وأكتوبيزو وجوفي جوف. أما في مشهد البوب النيجيري القوي بإيقاعاته المميزة، فقد ظهر بالأخص في السنوات الأخيرة الأتوتوتيون في أعمال ويزكيد وأولاميد ودافيدو. كما صاحب الأوتوتيون موجة البوب الجديدة في نيجيريا، والتي أسسها بي سكوير ودافيدو عام ٢٠١٣. في نفس العام ظهر مستر إيزي، وهو الآن أحد أهم منتجي الموسيقى الراقصة بنيجيريا، ليقدم موسيقى حافلة بالأوتوتيون. الحديث عن تأثير الأوتوتيون في أفريقيا لا ينتهي ويستحق دراسة متمعنة في انتشاره بالقارة.

رافضو الأوتوتيون

بعد اعتماد الكثير من الفنانين على الأوتوتيون بغرض تصحيح الأخطاء وكمؤثر صوتي للتلاعب بالصوت، تصاعدت اعتراضات الفنانين والمنتجين عليه، وأشهرهم جاي زي (والمفارقة أنه اعتمد على الأوتوتيون في إنتاج التراك الجديد مع بيونسي) وكريستينا آجيليرا ودث كاب فور كيوتي وستيف آلبيني، بالإضافة إلى اعتراضات جماهير أنواع موسيقية أخرى. بلغ الأمر حد أن تضعه مجلة تايم ضمن أسوأ خمسين اختراع.

يرى المعترضون أن الأوتوتيون أداة الفشلة العاجزين عن الغناء، ووسيلة للتحايل على انعدام المهارة والقدرة على الغناء السليم. كما يرى البعض أن استخدامه بشكل مشبع يجعل كل الموسيقى وأصوات المغنين متشابهة، فلا يمكن تفريقها. ينبع ذلك من بحث البعض عن “عذوبة الصوت البشري”، فيهاجمون الأوتوتيون لأنه لا يظهر الصوت “الحقيقي” للمغني. يذهب آخرون أيضًا إلى التنظير حول الأصالة، التي تفسد بدخول المؤثر على صوت المغني، ويستنكر الكثيرون أن يكون الغناء متاحًا للجميع بفضل الأوتوتيون.

كما حدث مع معظم الاختراعات الموسيقية التي تتيح تقنية وإمكانيات مفتوحة وصوت جديد لكل فترة زمنية تستمر لعقود تالية، أصبح الأوتوتيون علامة على فناء الموسيقى وصناعتها وانهيار الفن. يرى البعض أن الأمر ما هو إلا صراع أجيال، وكل جيل يحاول حماية مكانته من تهديد تكنولوجيا وأدوات الجيل الأصغر منه. لكن لا أعتقد أن الأمر مرتبط بجيل ما، حيث يتبنى بعض أفراد الأجيال الجديدة آراء محافظة ضد الأوتوتيون وطرق إنتاج الموسيقى الإلكترونية، وقد يكون ذلك تمسكًا بالمألوف والمنطقة الآمنة. ما يزيد الأمر صعوبة بالنسبة لهذه الفئة أنه في كل مرة يتجاوز الاختراع الجديد حدوده لتتطور الموسيقى. فالسنث كان من المفترض أن يحاكي أصوات الآلات الحقيقية، لكنه استخدم في صناعة أصوات غير متوقعة لا تخطر على بال أحد. ما يميز الأوتوتيون من حيث التجديد والإبداع ليست قدرته على تصحيح النغمات، بل صوت الروبوت الذي أصبح علامة مميزة. إن كانت أغلبية الآلات والأصوات في موسيقى البوب، مثلًا، تنتج من خلال سنث وعينات صوتية وبرامج تحل محل الآلات الحقيقية، ما وجه الاعتراض على صوت المغني الذي يتدخل فيه المؤثر؟

ما يزال البعض يحصر الموسيقى “الحقيقية” في المجهود الجسدي، ويربط المهارة الموسيقية بإتقان العزف الفعلي على آلات الوتريات والإيقاعات والنفخ. أما كل ما يعتمد على الإلكترونيات والكومبيوتر فهو ليس آلة، وبالتالي دخيل على الموسيقى. وعلى هذا الأساس إن اعتبرنا الصوت البشري آلة، وهو كذلك، يصبح أي تلاعب به فشل من الفنان. على الأرجح سيزداد الأمر تعقيدًا في المستقبل مع تطور الذكاء الاصطناعي الذي قد يقلص دور الآلة بمفهومها التقليدي. هكذا يقع الكثيرون في فخ النوستالجيا لشكل وصوت معين من الموسيقى، ما يفرض حدودًا على الموسيقى. والغريب أن ناقدي الأوتوتيون في موسيقى البوب والروك وغيرها يصورون صوت المغني والموسيقى وكأنه نقي وطبيعي، و”أصيل” فيما عدا ذلك، بينما الحقيقة إنه منذ نشأة طرق التسجيل المختلفة، كل ما نستمع إليه لا يعكس أي نقاء أو أصالة أو موسيقى “حقيقية”. فما كنا نستمع إليه قبل ظهور الأوتوتيون مليء بالمؤثرات ونتاج عشرات من التقطيعات والإعداد ومحاولة خلق ومحاكاة صوت ما عن طريق المؤثرات. بصرف النظر عن مصطلح الأصالة، الذي يعترض طريق التطور وليس له تعريف واضح وثابت عبر الأزمنة، إذا طبقنا شروطها من حيث الموسيقى النقية الحقيقية القائمة على العنصر البشري غير الملوث بالتكنولوجيا (أو أى عوامل ثقافية خارجية)، علينا الرجوع بالزمن والاكتفاء بالعروض الحية الخالية من الميكروفون ومكبرات الصوت. يتحجج المعترضون بقوة صوت المغنين في الماضي، فيشيدون على سبيل المثال بقدرات مغنين قدامى مثل بول ماكارتني وجيمي بايج. لكن هؤلاء المغنين لجأوا بالفعل إلى التكنولوجيا المتاحة وقتها، ولو كان الأوتوتيون متاحًا في زمنهم لاستعانوا به على الأرجح، حتى لو لم يكن بغرض تصحيح أخطائهم كانوا سيستخدمونه للتلاعب الجمالي، تمامًا كاستخدامهم للسنث ومؤثرات الجيتار. فغياب الأوتوتيون لا يعني بالضرورة غياب الفنان الرديء. السؤال الذي يطرح نفسه هنا في حالة الموسيقى المسجلة، والتي تسعى إلى الكمال بطبيعتها: هل نحن، كمستمعين في زمننا هذا، معنيون بالأساس بخطوات عملية الإنتاج أم أننا ننظر إلى المنتج النهائي المسجل؟

تذكرنا الشكوى من استباحة الغناء من الجميع، الموهوب والهاوي، بالاعتراض الذي قابل ساوندكلاود وغيرها من المنصات الصوتية والاستوديوهات المنزلية: “الكل بقى فاكر نفسه فنان”. لا أرى ضررًا في ذلك، ففي النهاية المنتج السيئ مؤقت ويبقى المنتج المميز صالحًا في أي وقت. كما وضحت فيما سبق، غالبًا ما يشعر الفنانون بتهديد من أي موجة جديدة، لذلك من الطبيعي مهاجمتهم للأوتوتيون وكسر “حصرية” الفن.

يرى البعض أن الأوتوتيون يجعل أصوات المغنين متشابهة، خاصة مع سيادة صوت الروبوت عند توظيفه بصورة مشبعة. لكن ذلك غير دقيق، فصوت المغني يظل محتفظًا بخواصه وهويته وأبسط مثال على ذلك أنه يمكن تفريق أصوات الرابرز بعضهم عن بعض، فكل رابر يمتاز بتكنيكه الخاص وتدفقه وأسلوبه وقوافيه وخامة صوته “الطبيعية”. كما أن الموسيقى لا تقتصر على صوت المغني وحسب، بل تدخل عليها عناصر أخرى من حيث التأليف والإنتاج والميكسينج والداينمكس والبناء . . . إلخ.

شئنا أم أبينا، الأوتوتيون أصبح أداة من أدوات الموسيقى في وقتنا الحالي، يفرض نفسه بقوة ومثله مثل اختراعات عديدة في الموسيقى تجاوزت الانتقادات. كما يمكن توظيفه بصورة جيدة أو سيئة مثل أي آلة أو مؤثر. يفتح الأوتوتيون إمكانيات عدة ومجالًا واسعًا للتجديد الموسيقي وتراكم الخبرات، وهو ما ينتج عنه جماليات جديدة تساعد على حركة تطور الموسيقى ونشأة مشاهد ودفع مشاهد أخرى إلى الأمام. هنا نخلص إلى أن ما هو مجدد ومبدع ومطور تاريخيًا قادر على تجاوز مفاهيم جامدة مثل الأصالة والنقاء. لن ينتهى الجدل حول الأوتوتيون، وستستمر دعوات المقاطعة أو الحذر في استخدامه، كما سيتحمس له آخرون أيضًا بلا قيود.

إعلان
 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply