العَوْد الأبدي للحن | التأليف السيمفوني عند تشايكوفسكي

يدور حديث تشايكوفسكي في خطاباته عن السيمفونية كما لو أنه ينبغي لها أن تتناول موضوعًا مُعيَّنًا، أو أن تُشير إلى مضامين محددة. لا يعني هذا – في نظر المؤلف – أن تتحول السيمفونية إلى أوبرا مثلًا، بل يعني ضرورة احتواء موسيقى الآلات على معانٍ باطنة يمكن إيصالها إلى المستمع في لغةٍ وقالبٍ سيمفونيين. ينسجم ذلك مع تصورات الرومانتيكيين عن الموسيقى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث تكون السيمفونية ذات برنامج أو بروجرامية. 

تختلف الموسيقى البروجرامية program music عن الموسيقى الخالصة أو المطلقة absolute في أن الأخيرة لا تتعمد الإحالة إلى دراما غير موسيقية، خارجة عن الخطاب الموسيقيّ، كالسيمفونية الأربعين لموتسارت. ترتبط الموسيقى البروجرامية بالنزعة الرومانتيكية، فيما ترتبط الموسيقى الخالصة بالنزعة الشكلانية واللغة الكلاسيكية، بالبناء الموسيقيّ الواضح، غير المُفكك، وبأفكارها ذات الطابع التجريدي. رغم إمكانية العثور على أعمال ذات طبيعة تصويرية بروجرامية قبل القرن التاسع عشر عند بعض مؤلفي الكلاسيك والباروك، وحتى قبل هؤلاء بتاريخٍ بعيد، لم تحتل هذه الموسيقى الصدارة حتى منتصف القرن التاسع عشر.

يُعلل تشايكوفسكي تفضيله الموسيقى البروجرامية على أساس أنه “لم يعد بالإمكان أن يُسمّى نمطٌ أو توالٍ معين من الأصوات سيمفونيةً خلال الأزمنة الرومانتيكية.” في حديثه عن السيمفونية البروجرامية، يثني تشايكوفسكي على بيتهوفن، مُشيرًا إلى رومانتيكيته البطولية، بوصفه أوّل من أدخل البرنامج إلى السيمفونية في نظره، إذ يقول: “إن بيتهوفن اصطنع الموسيقى البروجرامية جزئيًا في إيرويكا، وظهرت بعد ذلك على الأخص في سيمفونيته السادسة، الباستورالية، ولا يُنكر أيضًا فضل الفرنسي هيكتور بِرليوز، ودوره التأسيسي في أواسط الرومانتيكية على هذا النوع من الموسيقى. أصبحت السيمفونية البروجرامية مع برليوز غير مقتصرة على مُجرد وضع عنوانٍ للعمل، أو لحركاته – مثلما فعل بيتهوفن في السادسة – بغرض تمييزه بوصفه مستلهم من / يدور حول موضوع ما، لكنه ذهب أبعد من ذلك، إلى حدّ إلحاق شرح خاص لبرنامج ومغزى السيمفونية مُرفَقًا مع كل حركة من حركات العمل؛ هذا ما فعله في سيمفونيته الخيالية Symphonie Fantastique.

البرمجة والقصيد

لكن، من أين يَستمد المؤلِف برنامج عمله، أو ما يوّد التعبير عنه بلغة سيمفونية؟

يُميز تشايكوفسكي بين مصدرين للبرنامج واستلهام العمل السيمفوني. في الحالة الأولى، يَجيء البرنامج معبرًا عن مشاعر شخص الفنان وروحه، حيث تكون روح المؤلِف كالقصيدة، يُحاك العمل السيمفوني على منوالها، كأن يترك الشاعر روحه تسترسل في إظهار ما يجول به في أبيات شِعر؛ هذا ما يسميه المؤلف بالمصدر الذاتي. من الواضح أن البرنامج الأدبي في هذه الحال يكون غير ضروري، إذ أن ذات المؤلف حلّت محله.

في المقابل، يصبح البرنامج الأدبي لا غنى عنه في حال استلهم الفنان العمل الذي يقوم بتأليفه من قراءة قصيدة، أو مُطالعة رواية، أو مسرحية، أو عندما يتأمل المؤلف مشهدًا من الطبيعة أثار فيه انطباعًا يوّد التعبير عنه. مصدر برنامج العمل في هذه الحالات خارجي، أي موضوعي، على حد تعبير تشايكوفسكي، الذي يرى أن البرنامج بكلا معنييه الذاتي والموضوعي ضروري من أجل الموسيقى، لا ينفصل عنها، بالطريقة التي لا يمكن وفقها في الشِعر “التخلي عن العنصر الملحمي، والاقتصار على الغنائية.”

من الواضح أن الأهمية التي أولاها تشايكوفسكي للبرنامج بالنسبة إلى السيمفونية ترجع إلى اعتمادها، في نظره، على المصدر الذاتي بالأخص؛ وهو ما يجول في خاطره نفسه، فهو يقول: “أنا أكتب بدافع من الضرورة الباطنة.” يؤكد تشايكوفسكي ضرورة اعتماد السيمفونية على المصدر الذاتي وحده حين يصرح بنفوره الشخصي من التأليف بحسب برنامج موضوعي أو تبعًا لأعمال أدبية موجودة، مثلما فعل في سيمفونيته مانفرد، وأنه عندما يؤلف استنادًا إلى برنامج أدبي يشعر وكأنه “مشعوذٌ يحتال على الجمهور، بأن يدفع بأوراق مالية عديمة القيمة، بدلًا من الذهب الخالص.”

يتلاءم هذا التصور لطبيعة السيمفونية مع فكرة شكل القصيد السيمفوني وغاياته (الذي كان توسيعًا لشكل الافتتاحية) ومزجه بعناصر سيمفونية. ربما يعتقد المرء لأول وهلة أن مؤلفًا مثل تشايكوفسكي قد وجد ضالته في شكل القصيدة السيمفونية، على اعتبار أنه أكثر تحررًا من الصيغة، بالإضافة إلى ما له من طابع سرديّ وروائيّ؛ ولا بد أنه يدين إلى فرانز ليست (مؤسس شكل القصيد) بذلك. لكن تشايكوفسكي بَغَضَ قصائده السيمفونية وافتتاحاته، كالعاصفة وفرانشيسكا دا راميني. نراه قد دمّر قصيده السيمفوني المصير Fatum بحجة أنه أزعجه عدم ملاءمته للشكل تمامًا، ثم نراه ارتد إلى الصوناتا بعد ذلك في افتتاحية روميو وجوليت المستوحاة من شكسبير، على طريقة افتتاحيات بيتهوفن. لهذا السبب أيضًا احتقر مانفرِد، لافتقارها عنصر الشكل ذاك، بعد أن كانت أعظم أعماله على حد قوله؛ فحاول تدميرها، ثم أعرب عن نيّته في تحويلها إلى قصيدٍ سيمفونيّ.

ربما كانت غَلَبة المصدر الذاتي على الموضوعي للبرنامج سببًا في نفور المؤلف من القصيد السيمفوني أيضًا، رغم أنه يبدو لأول وهلة الشكل الأنسب لتصورات المؤلف عن الدور الذي تلعبه عناصر كالمحاكاة والتمثيل والتصوير داخل السيمفونية. لهذا، نجد أنفسنا إزاء لغة موسيقية مُهجنة، فهي سيمفونية في مُجمل خصائصها، بالإضافة إلى استيعابها للحكي والسَرْد وما تتسم به من عناصر ذاتية درامية تلائم القصيد السيمفوني في شكله الحر.

برمجة السيمفونية ومعالجة الشكل

“لطالما كان يتفلَّت مني الشكل الموسيقيّ ويُعجزني عن أن أقبض عليه وأطوِّعه، وبرغم أن ذلك جعلني أمضي عمري في قلق وأسى، إلا أنني كنت دومًا أقاوم هذه النقيصة ما استطعت، وأفخر أنني دنوت بعض الشيء من مرادي. إلا أنني اليوم وقد آذنت أيام حياتي على الانتهاء لم أبلغ الكمال الشكلي قطّ في أي عمل قدمته، وها أنا ذا أُخلِّفُ ورائي كومةً هائلة من الحشو، سرعان ما تفضح خيوطها عينُ خبيرٍ مُجَرِّبْ، لكن ما حيلتي.”

لا تنفصم تصورات تشايكوفسكي المسبقة بشأن عملية التأليف عن الحشوة الهائلة التي يتحدث عنها في لحظة صفو هنا، والتي تبدأ من برنامج فوق موسيقيّ يكون الأساس الذي ينطلق منه لاستنباط الألحان. تمثّل الخيوط التي تصل بين أطراف الحشوة إحدى الفجوات الأساسية في لغة تشايكوفسكي الموسيقية، التي يعيبها النقاد عليه من جانب، ويعيبها هو أيضًا على أعماله (انظر المناقشة حول عنصر اللحن في الفقرة التالية). في معظم الأحيان، كلّف حماس المؤلف الزائد وولعه بالبرنامج، أو الحشوة بحسب تعبيره، التخليَ عن البناء الهيكليّ الصارم؛ وجاءت اهتماماته بمقتضيات المعنى على حساب الالتزام بالشكل والبناء التقليدي للسيمفونية. لهذا نراه يضطر إلى إدخال تعديلات بارزة وجوهرية على مستوى البنية والصيغة، ولا سيّما صيغة الصوناتا، الصيغة الأهم بالنسبة للسيمفونية. 

رغم أن صيغة الصوناتا صيغة درامية في الأساس، إلا أنه بالكاد يمكن لأقسامها حمل العبارات اللحنية الجاهزة، مكثفة المعنى، والمشحونة بالانفعالات التي يود تشايكوفسكي نقلها إلى المستمع، دون تحمّل كلفة الفكّ وإعادة البناء. من الملاحَظ أن لتشايكوفسكي، والروس بوجه عام، تاريخ من الشد والجذب مع صيغة الصوناتا، نظرًا لأنها قالب مستورد من الخارج، ولأن طابع الموسيقى القومية الروسي ينأى عن أهم ما تفرضه الصيغة كوحدة واحدة، وطبيعة الموسيقى الكلاسيكية من عناصر بنائية وتركيبية؛ لهذا مثَّل اللجوء إلى السيمفونية ذات البرنامج الخيار الأنسب بالنسبة للمؤلف.

تحيد السيمفونية ذات البرنامج عن روح السيمفونية الحق. ذلك لأن قالب السيمفونية منذ عهد الآباء، هايدن وموتسارت وبيتهوفن، هي الصورة الأمثل لعبارة “الموسيقى لذاتها، لا لشيء.” حتى أن البناء السيمفوني عند الرومانسي الأول بيتهوفن لا يتبع غير الموسيقى البحتة، حتى فيما ينسب إليه من أعمال ذات طبيعة بروجرامية، كسيمفونيته الثالثة إيرويكا، والسادسة الباستورال، وصوناتا البيانو رقم ٢٦، التي تحمل عنوان الوداع Les Adieux، وغيرها من المصنفات. كما أن الموسيقى ذات البرنامج لا تترك للمستمع مجال تلقي فيض الموسيقى كتجربة ذاتية وحسب، بل إنها تفرض عليه لزامًا أن يتخذ مسلكًا تأويليًا محددًا أيضًا؛ أن ينحو نحوًا شبه موضوعي يعوق تلقائية التلقي، ومن ثم، تحصر احتمالات التأويل المختلفة للعمل في دائرة أقل اتساعًا ورحابةً عما نجده في الموسيقى الخالصة. 

يحاول البرنامج دائمًا توجيه خيال المستمع نحو مسلك أو مقصد معين، وكان لا بدّ أن يصطدم ذلك بقالب السيمفونية التقليدي. ذلك أنه يتعذر الاحتفاظ ببناء الصوناتا وأقسامها الشكلية، وإخضاعها بعد ذلك إلى برنامج يحدد اتجاهها، أو العكس؛ أي التأليف من البداية وفقًا لمخطط أو برنامج مُعين، وليّ عُنق أقسام الصيغة كي تتكيف مع حاجات البرنامج. لو كانت هذه المشكلة قد قابلت بيتهوفن مثلًا في افتتاحيات ليونورا، فإننا نراه يَطمئن آخر الأمر إلى قرار استبعاد البرنامج من الأساس. لا بدّ، في أغلب الأحيان، أن يصطدم هيكل السيمفونية بأي تنويع مزاجي أو درامي للحن، أو أي تغيّر تمليه حاجات البرنامج، وقليلًا ما سنجد أن البرنامج ومتطلباته يتفقان وأقسام الصيغة ومبادئ التأليف الكلاسيكي التقليدية بشكلٍ كامل. هذا وتقترن أسماء كثير من المؤلفين المُجددين في عصور ما بعد الكلاسيكية، ومنهم معاصرين لتشايكوفسكي، مثل فاجنر وليست وبرليوز وديبوسي، بالتجديدات الشكلية والهارمونية، ومحاولات الخروج عن التقليد. 

عانى تشايكوفسكي من ذلك أشد المعاناة. أراد من ناحية التوفيق بين ما تعلمه في كونسرفتوار سانت بطرسبرج من قواعد شكلية صارمة تعزى إلى المدارس الأوروبية، وبالأخص عنصر التركيب والإنماء المميز للمدرسة الألمانية، وبين خصائص موسيقى تشايكوفسكي، والموسيقى القومية الروسية بوجه عام، من جهة الطابع الميلودي والمُتحرر من كل صيغة. من ناحية أخرى، كان تشايكوفسكي مترددًا بين مدارس موسيقية مختلفة، فهو من ناحية روسي إلى النخاع – رغم أن المؤلفين القوميين الخمسة الروس لم يكونوا يعتبرون أعماله روسية بالقدر الكافي كي ينضم إلى جماعتهم، إلا أن روسيته وروحه السلافية لم تضطره إلى أن يهجر دراسته الموسيقى الغربية في الكونسرفتوار، متعصبًا لموسيقى قومه وحسب، مثلما حاول هؤلاء. كما أنه يُظهر ميلًا واضحًا إلى ألحان المدرستين الإيطالية والفرنسية، بيد أنه لم يتغرَّب كليةً، مثلما فعل أستاذه روبنشتاين على سبيل المثال. 

ظلّ تشايكوفسكي نفسه وحسب، يحمل في نفسه تركيبة مُميزة عجيبة لأساليب وأمزجة مختلفة. وهو برغم ذلك لا يسترشد سوى بمثاله الخاص، وما تُمليه عليه ذاته المبدعة كفنان، وما يمتاز به من حساسية تجاه ما يتوفر له من أدوات تعبيرية. لذلك كان قلقًا ومضطربًا طوال حياته تقريبًا، وظهر قلقه بجلاء في أعماله.

العَوْد اللحنيّ

إن عباراتُ تشايكوفسكي اللحنية مكتملة، وكل منها في اكتفاءٍ ذاتي، حتى يمكن القول أن اللحن عنده يتميز باستقلالية عن السياق أو الكل، حيث يمكن أن يوجد هذا اللحن بمعزل عن السيمفونية أو العمل، يمكنه أن ينفصل عن ذلك، وأن يظل مُحتفظًا، في الوقت نفسه، بشخصيته ومضمونه. تمتاز هذه الألحان بقفلة، على خلاف التيمة بالمعنى السيمفوني (جملة لحنية مفتوحة على إمكانية إنمائها فيما بعد)، إذ أن التيمات يمكن إنماؤها على عكس الألحان المكتملة. لهذا، كثيرًا ما يُقال إن أعمال فاجنر أو شوستاكوفتش، على سبيل المثال، تخلو من الألحان، فهي من جهة تخلو فعلًا من الألحان إذا فهمنا الأخيرة أنها اللحن المُكتمل كما أشرنا، ومن ناحية أخرى فإن كلاهما استعمل في نسيجه الميلودي وحدات لحنية غير مكتملة، هي أصغر من اللحن المُفرد، أي التيمات، وهي ذات دلالة عند كل منهما.

في المقابل، يبدو لحن تشايكوفسكي في شعريته وجمالياته وما يتركه من أثر كتمثال رخاميٌ مصقولٌ، في حين أن هيكل الصوناتا هيكل هندسي، يشبه في العمارة مخطط بناء كاتدرائية أو ناطحة سحاب مثلًا؛ لا بد أن تُبنى باستخدام الوحدات الأولية – قوالب الحجارة، فمن المحال أن تصطف التماثيل الباهرة لتؤلف جدارًا خرسانيًا، أو تحل محل وحدات البناء.

الإنماء بالمعنى السيمفوني هو سيرورة كشف للإمكانات، الميلودية والإيقاعية والهارمونية، الكامنة في التيمات المتباينة الأساسية؛ ولمّا كانت سيمفونيات تشايكوفسكي تميل إلى تقديم اللحن، وليس التيمة، بصورة جاهزة، دفعة واحدة، فإنه لا يترك بعدُ مجالًا لما يمكن اشتقاقه وإنماؤه. إذًا، كيف يتصرف المؤلف في مادته اللحنية إذا كانت مكتملة النضج، في حين أن هيكل الصوناتا، بل طبيعة الموسيقى الكلاسيكية ذاتها، تفترض الإنماء واشتقاق التيمات بعضها من بعض؟ لا يتبقى سوى استبدال التكرار بالتفاعل (وهو ما نعنيه بالعَوْد في هذا السياق)؛ أن يلجأ إلى تكرار ما سبق قوله، لكن بتنويع وتوزيع أوركسترالي يختلف حسب موضعه. يضطر المؤلف كذلك أن يلجأ إلى طرق أخرى للإيحاء بالحركة والإنماء، وفي ذلك تظهر أستاذية تشايكوفسكي في التحويلات المقامية والتوزيع الأوركسترالي الخلاب، وتفوقه في حشد آلات الأوركسترا، واصطناع تآلفات وألوان باهرة، والوصول بها إلى ذُرَى تلامس قمم الشعور عند المتلقي، حتى يُخيل إلى المرء أنه يتلقى طيلة الوقت مواد موسيقية جديدة، في حين أنه في الواقع لا يتطوَّر شيء في العمل على مستوى البنية.

رأى تشايكوفسكي أن كامارينسكايا لـ جلينكا عِماد المدرسة الروسية في التأليف السيمفوني، وهي رقصة روسية شعبية قوامها لحنين شعبيين. تأتي أهمية هذه الرقصة من كونها أول محاولة تأليف موسيقى الفولكلور الروسي بمبادئ الموسيقى الغربية؛ وفي حين وجد تشايكوفسكي في كامارينسكايا إمكانات واسعة أمام الموسيقى الكلاسيكية الروسية، أنكر أستاذه روبنشتاين ذلك بحجة عدم صلاحية مزج الألحان الروسية القومية بمبادئ التأليف السيمفوني عمومًا، وهي مسألة ترجع في نظره إلى طبيعة هذه الألحان ذاتها. يتضح معنى العَوْد اللحني في رقصة كامارينسكايا، حيث تخلو المقطوعة بالفعل من أية تنمية لحنية بالمعنى الغربي. هذا ما يعنيه بعض النقاد بطابع الثبات أو السكون في الموسيقى السيمفونية الروسية، على نقيض من الطابع الحيوي والديناميكي الذي نجده عند المدرسة البيتهوفنية في التأليف. لذلك نقف أمام فلسفتين في التأليف، إذا صح التعبير، تمثل إحداها المدرسة الروسية في ميلها إلى اللحن على حساب التركيب، والأخرى المدرسة الألمانية في أعمال أهم ممثليها بيتهوفن وبرامز، والتي توازن بينهما، مع إعطاء الصدارة للتركيب على حساب اللحن. يمكن إيجاز هذا الفارق في القول إن التحولات الإيقاعية في الموسيقى الغربية تدخل في صميم بنية العمل وتعد الأساس الذي يقوم عليه، أما عند المدرسة الروسية، فإن هذه التحولات تقتصر وظيفتها على الزخرف والتلوين ضمن نسيجٍ ميلودي مُعد مسبقًا. 

حاول تشايكوفسكي تجاوز ذلك في ميلودية أعماله المتأخرة، دون التخلي عن الصيغة، ويبدو أنه قد وجد ضالته، بدءًا من السيمفونية الرابعة فصاعدًا، في قسم التفاعل الموتسارتي، لِما ينطوي عليه من حدود واضحة سهلة التعيين. إن تشايكوفسكي في نهاية الأمر مؤلف ميلودي يقترب أسلوب تأليفه من موتسارت أكثر من بيتهوفن، وهو على وعيٍ كاملٍ بهذا، كما يتضح في رسائله ويومياته. 

يمثل أسلوب بيتهوفن في التأليف بالنسبة لتشايكوفسكي الطريق الأكثر صعوبة، ربما يبرر ذلك نفوره من موسيقى برامز، وشكواه بأنه لا يفهمها. إذ جاء برامز ليُشخص أمام تشايكوفسكي أكثر ما كان يؤرقه من مشكلات تتعلق بتردد ثقته الخاصة في أعماله، وفي قدراته التأليفية والتركيبية والوظيفية لألحانه. بدا الألماني العملاق، والمعاصر لتشايكوفسكي، بما له من ذهنية تركيبية حادة، وكأن في وسعه إنجاز أعزَّ ما كان يستعصي على الموسيقار الروسي بسهولة وبدون عناء. 

إذا كان بيتهوفن بطل برامز، فإن تشايكوفسكي بطله موتسارت. يُمثل مقام بيتهوفن بالنسبة إلى تشايكوفسكي مقامًا ترانسندنتاليًا لن يبلغه، في حين بدت الغاية التي سعى إليها موتسارت بالنسبة إليه ممكنة المنال. تعلَّق تشايكوفسكي بموتسارت وأحبه، بوصفه كَمالًا لن يصل إليه، ويكفيه أن يضعه نصب أعينه.

السيمفونية الأولى | أحلام الشتاء

ألّف تشايكوفسكي سيمفونيته الأولى عقب قبول الأستاذية في كونسرفتوار موسكو، عام ١٨٦٦. يَشهد هذا العمل بداية صراع تشايكوفسكي المبكر مع قالب السيمفونية، وعلى الرغم من أن السيمفونية تكشف في بعض مواضعها عن صناعة مبتدئ، إلا أنها جاءت في المُجمل طريفة مليئة بالألوان الزاهية، والألحان المُكتملة. يعد لحن الحركة الثانية أشهر ما فيها، ومن أحبّ ألحان تشايكوفسكي، وإن كانت السيمفونية ككل قد طواها النسيان. في هذا العمل، بدأت نواقص التأليف السيمفوني عند المؤلف بالظهور، في صورة نقد أستاذه روبنشتاين وغيره للعمل من ناحية، وفي صورة الانتقاد الذاتي الذي سيستمر طيلة حياته من ناحية ثانية.

السيمفونية الثانية | روسيا الصغيرة

اقتبس المؤلف في سيمفونيته الثانية بعض الألحان الأوكرانية الشعبية، ومزجها بعناصر من الفولكلور الروسي؛ لهذا أسماها أحد أصدقاؤه روسيا الصغيرة أو الصغرى (هكذا كانت تُسمى أوكرانيا باعتبارها جزءًا مكملًا لروسيا). العمل مبني على ألحان روسية قومية، خاصة في الحركتان الأولى والأخيرة، وهو تحديدًا، بجانب أوبرا الأوبرتشنيك، من العملين الأكثر قربًا من الروح القومية ضمن أعمال المؤلف؛ لهذا فقد نال إعجاب ميلي بالاكيريف ومباركة جماعة الخمسة. لكنه لم ينل رضا المؤلف، ولهذا عاد فأدخل عليه تعديلات جوهرية، بعد تأليفه السيمفونية الرابعة.

السيمفونية الرابعة 

اهتدى تشايكوفسكي في السيمفونية الرابعة في مقام فا الصغير، إلى حل توافقي، هو استعمال صيغة دائرية cyclic، والتحايل على الشكل. تعني الصيغة الدائرية استعمال تيمة أساسية تربط أجزاء العمل بعضها ببعض. التيمة هي المعروفة بالقَدَر fate motif، والسيمفونية الرابعة بذلك تُحاكي خامسة بيتهوفن في استعمالها تلك الموتيفة. كان لهذه الموتيفة وظيفتين، إحداها درامية، والأخرى عضوية بنائية تتمثل في جعل الحركة تتماسك ككل واحد مترابط الأجزاء، حيث فصلت بين أقسام الصوناتا المعهودة. في الحركة الأولى يتعلق تشايكوفسكي بأهداب الصيغة على نحوٍ ظاهر، يحاول الملاءمة بينها وبين أفكاره الغنائية، ويمكن القول أنه اعتمد على الصيغة بوصفها مخططًا لوضع الخطوط العريضة والرئيسية لأفكار هذه الحركة. سمح هذا الحل لتشايكوفسكي بتجنب الفكّ وإعادة البناء، واختلاط الألحان بعضها ببعض، والتفاعل عمومًا فيما بينها، لهذا خلت السيمفونية تمامًا من أية تنمية لحنية بالمعنى السيمفوني، فشتّان ما بين اللحن الأول واللحن الثاني، كلاهما مكتمل.

نجد المؤلف يعتمد كعادته على العَوْد اللحني عوضًا عن الإنماء أو التفاعل، وإن كان نجح هذه المرة في توظيف التجاور اللحني والهيكل الدائري بصورة ملائمة. تظهر هنا براعة المؤلف في التوزيع الأوركسترالي، وما وضعه من ألحان أساسية جميلة. لا يتردد تشايكوفسكي في إدخال موسيقى الفالس ورقصات الباليه في الحركة الأولى (وهي صفة لازمته حتى في أكثر أعماله جدية، في الحركات الأولى من سيمفونياته)، وبطبيعة الحال في حركة الاسكرتسو، ولا يرى في ذلك حرجًا، خصوصًا عندما لمّح إليه تانييف بهذا الأمر ونقده.

السيمفونية الخامسة

يطوّر تشايكوفسكي في السيمفونية الخامسة التقنية نفسها التي سبق أن استعملها في الرابعة ومانفرِد؛ مثل استعمال صيغة دائرية، والتجاور الموتسارتي للألحان. تظهر تيمة المقدمة في كل حركات العمل، في توزيع أوركسترالي ومقام يختلف حسب موضعها، بحيث تمثل بذلك دعامة أساسية توحد العمل. تكمن نواة السيمفونية في ذلك الموضوع المستهل الذي يفتتح الحركة الأولى، ويظهر في كل من الحركات الأربع، يربطها بعضها ببعض بصورة توحي أن ثمة قصة أو برنامجًا خلفها، يمكن أن يخمنه المتلقي. الحركة الأولى مليئة بالتشاؤم والكآبة الباردة، والثانية الأكثر شعبية، أما  الثالثة فمرح ظاهري وحسب. في الحركة الرابعة انتصار على الشك والقدر، وعودة الموضوع الافتتاحي للحركة الأولى إلى الظهور في صورة فرحة منتشية. 

تمثل السيمفونية الخامسة رحلة خلاص، من الضباب إلى انتصار على الذات، أو على اللاشيء تقريبًا، لكنه انتصار يبلغ حد الانتشاء؛ رحلة لخّصها المؤلف في خامسته من مي الصغير إلى مي الكبير.

السيمفونية السادسة | الباتيتيك

آخر ما ألَّف تشايكوفسكي. كانت في الأصل تحمل اسم سيمفونية بروجرامية، لكن تشايكوفسكي لم يحبذ إمكانية أن يحاول البعض الكشف عن برنامجها المستتر، حتى أنه رَفَضَ إخبار كورساكوف عندما سأل عنه؛ لهذا رجع عن هذه التسمية وأسماها بالعاطفية أو المؤثرة، أو ببساطة الباتيتيك، وهي في مقام سي الصغير. تُمثل الباتيتيك ذروة النضج الفني وأعلى قمة بلغها تشايكوفسكي في التأليف. يغلب عليها طابع الموت، وفكرة النهاية. سار المؤلف على أثر الصيغة في الحركة الأولى. يبدأ القسم الأول منها بلحن جميل ورقصة روسية بديعة متهادية. هذا ما يُسمى بالهدوء الذي يسبق وقوع العاصفة أو الكارثة، أي قسم التفاعل، الذي يبدأ في حِميَة وغضب، أشبه بصدمة مشدوهٍ، تذكيرًا بأن لا شيء يسير على ما يرام. 

في القسم الثاني من الحركة يدفع المؤلف الموسيقى إلى أقصى درجات الصراع والتصدع النفسي، ليَعود مرة أخرى، عقب ختام التفاعل، إلى عرض اللحن الثاني وتنتهي الحركة نهاية وديعة. أودع تشايكوفسكي التفاعل بين قسمين هادئين حالمين، لهما طابع خفيف شبيه بالرقصة، وكأن مرور التفاعل عرضيّ، أشبه باندلاع إعصار أو عاصفة مؤكدٌ أنها سوف تمر مرور الكرام، لكن من ناحية أخرى، يُذكرنا ذلك بأن خلف كل مظاهر الهدوء والخفة والحنين يكمن صراع محتدم أكثر أصالة وجوهرية، وليس عرضيًّا، يعتمل في الباطن، ويتقدّ في قلب الحركة الأولى.

تأتي الحركة الثانية لتخفف من التفاقم الذي تركه تفاعل الحركة الأولى، والذي يستمر أثره حتى بعد زواله مع إعادة العرض المتهادية للحن الثاني من القسم الأول من هذه الحركة. أما الثالثة، فهي الحركة الأشد خداعًا، توحي بأنها حركة ختامية، تخلط الشجاعة باليأس، والهلع بالجرأة، والرقصة بالمارش، في مركب عجيب، أشبه برَكب انتصاري ديونسيّ مُشرف على الهاوية، التي هي الحركة الرابعة، وهي بالفعل هاوية بالمعنى الكامل، تغلب عليها روح الرثاء والتسليم، وظلمة النهاية. نغماتها الأخيرة أشبه بضربات المطرقة التي تسمّر النعش إلى الأبد.


المراجع

١. كريم الصياد، موسيقى الموسيقى | كيف أعاد برامز بناء بيتهوفن؟، معازف.

٢. كريم الصياد، ما وراء الموسيقى | المشروع التأليفي لـ شوستاكوڤتش، معازف.

٣. Steinberg, Michael, The Symphony (New York and Oxford: Oxford University Press, 1995).

٤. Tchaikovsky, Modest. The Life and Letters of Peter Ilich Tchaikovsky.

٥. Abraham, Gerald. Music of Tchaikovsky (New York: W.W. Norton & Company, 1945).

٦. Brown, David, Tchaikovsky: The Early Years, 1840–1874 (New York: W.W. Norton & Company, 1978).

٧. Tchaikovsky, Modeste, The Life and Letters of Peter Ilich Tchaikovsky, University Press of the Pacific, 2004.

Leave a Reply