بديش وصلّه رسالة | عن الراب اللبناني وأزماته

صور المقال مأخوذة من سايفر بيروت / الأشرفيّة (٢٠١٩) الذي ستنشره معازف قريبًا. فريق التصوير: شادي شعبان وكريم غريّب (كاميرا)، مكرم الحلبي (صوت)، نيكولاس قرداحي (تعديل)، وإنتاج جنان شعيا.


بعد ضربات متتالية بلغت ذروتها في انفجار المرفأ، انهارت و/أو اتضح انهيار العديد من الأمور في لبنان؛ من بينها مشهد الراب المحلّي. عندما اندلعت الاحتجاجات في البلاد قبل سنة، حافظ الراب على حضوره في أوساط اليساريين، إلّا أن الموسيقى الإلكترونيّة كانت أقوى حضورًا كالموسيقى السياسيّة الشعبيّة في الساحات، إلى جانب الأغاني الوطنيّة؛ وفي الوقت الذي حقق فيه مشهد الأندية الليلية تقدمات على مستوى الحياة الثقافيّة مؤخرًا، سمع جمهور الراب شائعات ومشاحنات تكاد تعادل حجم الموسيقى التي سمعها من المشهد.

حاورت معازف في ٢٠١٧ أحد الشخصيات البارزة في صناعة الموسيقى البديلة والمستقلّة في لبنان، زياد نوفل، وحمل عنوان المقابلة “في مشهد في بيروت؟” إشارةً عفويّة إلى هاجس المشهد الذي طغى، في حالة الراب تحديدًا، على هاجس المشروع الفردي؛ لهذا من المألوف أن يشير أحد الهواة إلى أنّ بعض الموسيقيين، الراس مثلًا، ضحّوا بمشروعهم الشخصي في أماكن معيّنة لصالح المشهد والمجموعة.

حمل المشهد ما بدا في الكثير من الأحيان أنّه يفوق طاقته من الطموح، في قضايا اللغة والهويّة والثقافة والخطاب والفكر الثوري والإنتاج الجمعي، فيما ظلّ التقدّم والإتقان الشكليين مهملين بالمقارنة مع مشاهد أخرى في المنطقة، ما أخّر وأضعف من الانتشار النسبي للراب اللبناني في بلاده وحولها. لهذا، وبمعزل عن كليشيهات الصعود من ركام الانفجار، قد يساهم انهيار بعض أركان الراب اللبناني اليوم في إنقاذه على المدى الطويل.

محراك معازف المسوخ الراس الدرويش فتحي سايفر الأشرفية بيروت لبنان الراب اللبناني

محراك في سايفر الأشرفيّة (٢٠١٩)

عندما تفرطعت العديد من المجموعات وسافر أعضاؤها إلى دول مختلفة، أصبح الالتفات إلى المشاريع الفرديّة وعقد تحالفات وتعاونات جديدة أمرًا حتميًا. كان بو ناصر الطفّار من أوائل مغادري المشهد، عندما انتقل إلى اسطنبول قبل بضع سنوات وشبّك مع المشهد السوري البديل هناك. لا أزال اليوم أعثر على نفس المشاكل التي كنت أعثر عليها في أغاني بو نصار قبل أعوام؛ استبداله التدفق باستخدام مثقل للّكنة وتكراره لذات سرديات الانتماء والهامش – إلّا أنه لا سبيل لإنكار ما أضافته التعاونات الإنتاجيّة، خاصةً مع هيلو سايكآلبو، إلى مشروعه خلال الأعوام الأخيرة.

إعلان

خلال الأعوام الماضية أيضًا، ركّز شينو على عمله كمدير أعمال موسيقي أكثر من مشروعه في الراب، واستنفذ مصادره بحثًا عن دعم لمشروعه في منازلات الراب، الحلبة (The Arena)، ومشاريع أخرى تطورت عنه مثل مهرجان بيروت سكم ويك. إلّا أن ما جاءت به السنة الأخيرة من انهيار اقتصادي، ثم تفشّي الوباء وإغلاق النوادي الليلية، وأخيرًا الانفجار، كان كفيلًا بقتل فرص تأسيس اقتصاد ديناميكي حول مشهد الراب في لبنان، على الأقل في المستقبل القريب، ما دفع شينو إلى العودة إلى إدارة الأعمال على مستوًى فردي مع رابرز كالسينابتك، وإلى إصدار الراب بنفسه، متمسكًا غالبًا باللغة الإنكليزيّة والأسلوب الأمريكي.

في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، تعاون الراس في أغنية علي مع صانع البيتات الأمريكي فليكس سنو، الذي عمل سابقًا مع يانج ثاج ولِل أووزي فرت. أصدر الراس بعد ذلك ألبومه الطويل العتيد، باب الدخول، الذي خلا من التعاونات مع أي رابرز أو منتجين آخرين، متابعًا التوجه الذي بدأه في بعد الهزيمة من العمل بمفرده في الألبومات. لا يصح اختزال توجّهات الراس وتقييم أعماله بناءً على عوامل أحاديّة، لكن يصعب في ذات الوقت إغفال الفارق الشاسع في الجودة بين أعماله الفرديّة، خاصّة الطويلة والمطهوة على بطء، وبين تعاوناته وظهوراته في أعمال الآخرين، كرابر أو منتج، كما في ألبوم الدرويش الأخير ملاهي.

محراك معازف المسوخ الراس الدرويش فتحي سايفر الأشرفية بيروت لبنان الراب اللبناني

الراس في سايفر الأشرفيّة (٢٠١٩)

فيما كان وداع الراس لأصحابه في المشهد (ومجموعة المسوخ) وداع الشخص المتبقي، ودّع محراك المشهد وحياته في المنطقة خلال عدّة أغاني صدرت الأشهر الماضية، قبل أن يهاجر بنفسه. الأسبوع الماضي، أصدر محراك أغنية الغريب، التي تبدأ مرحلة جديدة من مسيرته كرابر ومنتج ودي جاي خارج المشهد اللبناني / المحلّي، واختار أن يأخذ هذه الخطوة الأولى عبر التعاون مع فليكس سنو والمنتج الأمريكي الأقل شهرةً ذ44ذفلور.

يلاحظ المتابع القريب من الراب اللبناني فقره بصنّاع الإيقاعات، الأمر الذي شكّل أحد أوجه استنزاف الراس كصانع الإيقاعات الوحيد الذي أثبت نفسه على مستوًى تقني وأسلوبي متقدّم باستمرار. كان من المنطقي لسائر الرابرز إمّا أن يجرّبوا تطوير أنفسهم كمنتجين، أو يبحثوا عن شراكات إنتاجيّة مع مشاهد مختلفة، في لبنان وخارجها. استكشف محراك كلا الدربين، فعمل على نفسه كمنتج ودي جاي الفترة الماضية، زاد من وتيرة أداءاته الحيّة كدي جاي ورابر، وأصدر خلال كتابة هذه المراجعة ألبومًا قصيرًا من البيتات بعنوان ألعاب.

يقترب محراك بطموح من التحوّل إلى رابر / منتج متكامل، وحتّى ذلك الوقت، تبدو خياراته في التعاونات الإنتاجيّة أكثر وأكثر ملائمةً لأسلوبه. في أغنيته الوداعيّة الصادرة من شهر، مسافرين، سجّل محراك تعاونًا في محلّه مع المنتج السوري المختص بالـ سول / جاز راب، جندي مجهول؛ وبإمكاننا سماع فرص مماثلة يستغلّها في تعاونه الجديد مع فليكس سنو. يحمل إنتاج أغنية الغريب صوتًا قريبًا إلى أعمال محراك المعتادة، في دلالة على احتمال مساهمته في الإنتاج أو توجيهه على الأقل. يستفيد محراك من حضور المنتجَين ليخرج بأحد أفضل أداءاته الصوتيّة، بأسلوب يظهر البحّة في خامته على حساب الأوتوتيون ويتجنّب الآدليبس.

محراك معازف المسوخ الراس الدرويش فتحي سايفر الأشرفية بيروت لبنان الراب اللبناني

المسوخ (وشب جديد) في السايفر (٢٠١٩)

على التوازي، يستمر الرابرز والمنتجين في لبنان بالانبثاق من خارج إطار المشهد، وبعيدًا عن صوت الراب اللبناني / الإقليمي المنسوج من تعاونات مع موسيقيّي سوريا والأردن وفلسطين. بدأت مجموعة غرباء (عكّار) بإصدار أعمالها منذ ٢٠١٥، واستمرّ أسلوبها بالتطوّر حتى أصبح جديرًا بالانتباه العامين الأخيرين على وجه التحديد، جامعين ملامح بين التراب الأمريكي والبوب اللبناني. في أغاني وفيديوهات تتراوح بين الغرابة والسذاجة وخفّة الدم، تحمل أغاني المجموعة طابعًا لبنانيًا عفويًا في الراب، وتوجّهات مواكبة وفتيّة في الإخراج الفنّي.

في أغنيته الأخيرة، الغريب، يشتكي محراك من قسوة مألوفة لشريحة كبيرة منّا. إلا أن قسوة التغريب هذه كثيرًا ما تدفعنا إلى فهم وابتكار ذواتنا بطرق جديدة، والنمو. مشهد الراب اللبناني كما عرفناه في ٢٠١٥، جامعًا ممثلين من مناطق مختلفة ضمن تيّار جماعي فيّاض، انهار اليوم كما تنهار الموجة الأولى المثاليّة من حراكات مماثلة؛ وفي واقع هذا الانهيار، الذي يزامن انهيار الكثير من جوانب الحياة في لبنان ما بعد الانفجار، فرصة لبداية جديدة.

Leave a Reply