الصبابة ولو باندية | موسيقات مسلسل نوبة

كتابةهيكل الحزقي - أغسطس/آب 20, 2019

في إحدى مشاهد مسلسل نوبة الذي جرى بثّه خلال رمضان الفائت، تظهر مجموعة من المساجين خلال فسحتهم ويبدأ أحدهم بغناء إحدى الزنداليات المعروفة داخل السجون: “الصبابة ولو باندية ما تبكيش يا عينيا / ومن غدوة توفى الربطية نخرج ونحوزهم بيديا.” يتفاجأ الجميع بالعجوز زديق، الموقر بالبياض وراءهم وهو يشرع بالغناء مستمرًا بمقاطع من نفس النص. شيئًا فشيئًا ينخرط بقية المساجين في الغناء وينضبط أداؤهم على إيقاع زديق، المزداوي القديم (أي فنان المزود) الذي تسيد السجن منذ دخوله وأصبح الباندي الذي يهابه الجميع.

جمع مخرج المسلسل عبد الحميد بوشناق (ابن المطرب لطفي بوشناق) في ذلك المشهد بين ثلاثة ملامح قوية لعالم تونس المدينة: المزود والزندالي والفتوّة المدينية (أو الباندية في اللهجة العامية التونسية). حصد المسلسل متابعة عالية، وخلق موجة عودة كاسحة إلى تراث المزود وأيقونات الباندية. لن نغوص في تفاصيل المسلسل ومعالجته الدرامية، بقدر ما سنسلط الضوء على مثلث المزود والزندالي والفتوّة المدينية الذي قدّمه، ونسرد تاريخها وارتباطها بالموسيقات التي انتشرت في تونس المدينة وتشابكها مع ظاهرة الفتوة والصعلكة المدينية وأغاني السجون التي اصطُلح على تسميتها بالزندالي.

المزود | فحولة ملعونة

في كتابه الذاكرة الجماعية والتحولات الاجتماعية من مرآة الأغنية الشعبية، يشير عالم الاجتماع أحمد خواجة إلى المزود كظاهرة فنية ثقافية تميزت بها مدينة تونس ابتداءً من السبعينات مع تضخم القاعدة الاجتماعية للمدن المضادة (الأحياء المحيطة بقلب العاصمة التي توسعت واكتسبت طابع المدينة، وتكونت نتيجة حركات النزوح خاصة، مثل: السيجومي، حي التضامن، الزهروني، الجبل الأحمر … ) وشيوع البطالة والفقر، واستنفاذ الخطاب التنموي والتحديثي لمشروعيته. انتشر المزود مع تفاقم الحركة العمرانية خارج مركز المدينة، والتي سبقتها بداية تحطيم أسوار المدينة العتيقة وازدهار ثقافة الأرباض (الضواحي) مقابل ركود المدينة المترفة.

يُستشهد أيضًا بالأديب والمؤرخ الصادق الرزقي في حديثه عن الربوخ (حفلات المزود) في كتابه الأغاني التونسية: “وبعض القهاوي العربية المنحطة – وجلها كذلك – يستخدم الربوخ وهو أن جماعة من سوقة العامة يحسنون بعض الأغاني الدارجة – التي هي في غاية السقوط – ويحسنون نقر الدربوكة والتوقيع على المندولينة، وألحانهم مزعجة بضرب الأكف والغوغاء، فيجلسون في القهاوي حلقة ويتغنون بأغانيهم.” جدير بالذكر أن المقاهي في تونس العاصمة كانت موزعة حسب أنماط الموسيقى، روادها وجماهيرها. حيث كان يتردد أبناء طبقة البلدية، الأعيان الذين يسكنون المدينة العتيقة، على مقهى المرابط لحضور جلسات المالوف مع الشيخ أحمد الوافي وخميس الترنان الذي تلاه، فيما كانت مقاهي المحبس في باب الجزيرة وباب عليوة وباب الفلة تؤم النازحين والفقراء والبدو، أما جماعة الربوخ فقد كانوا يرتادون مقاهي الفخاخرية والزولي وعنوزة في باب الخضراء، وسيدي أولاد بوزيد في باب سويقة وسيدي الشاذلي في باب الجزيرة.

إعلان

تحول المزود إلى مرادف لثقافة الفقر المعبرة عن تحول المدينة وترييفها، مثقلًا بأنين الآلة النفخية يعتمد خواجة على أبحاث فتحي زغندة لتقديم المزود كآلة: 'يمتاز بطبقة صوتية عليا وصوت قوي يجعل منه الآلة المحبذة لدى ذوي الطرب التلقائي والاندفاعي، وهو عبارة عن جلد ينفخ وتثبت في رأسه قصبتان لهما نفس الطول وتنتهيان بقرني غنم وهنالك خمس ثقوب متوازية. ينفخ في هاتين القصبتين عن طريق جعبة من معدن الحديد أو النحاس، ويمكن بذلك إحداث صوتين متوازيين ومزدوجين، ولعل لفظ مزود استمدت من ازدواجية الصوت الذي تحدثه هذه الآلة. تستعمل هذه الآلة في الأغنية الشعبية الحضرية عند جماعات الربوخ والزندالي قديمًا وجماعة المزداوية اليوم، وتستعمل أيضًا لترقيص الثعابين.' ومواويل الوجع الطويلة، بالإضافة إلى مواضيع الحرمان والإقصاء الذي يواجهه الفرد من المدينة المتوحشة. لذا نجد أغاني المزود ترنو المستحيل في قصص الحب، وتشكي الغدر والخيانة وكأن الحبيبة المتمنعة الشامتة ليست إلا المدينة الآثمة.

نرى ذلك جليًا في مسلسل نوبة حينما بكى برينقا فقدان وصله مع حبيبة، مؤديًا إحدى أغاني المزود المعروفة: الوردة اللي نحكي عليها. في المسلسل، يتقدم برينقا الباندية (تطويع عامي لكلمة باندي بالفرنسية والتي تعني الفتيّ) الذين تركوا تاريخًا ثقيلًا امتزجت فيه الصعلكة الشريفة بقطع الطرق، الروبنهودية بالمُرُوق. يقدم برينقا شخصية المزداوي الفتى ابن المدينة، ابن شريحة حضرية شبابية تعيش على هامش المدينة المركز، وتتشبع بأخلاقيات التمرد والحنق الطبقي لتفرز أشكالًا مختلفة: “فنجد اسم الفرزيط (أي الصرصور) الذي يقضي كامل وقته في اللهو والطرب والغناء عوض العمل والكد والجد، ونجد كذلك الشاب الزهواني أو لطفي جرمانة، نجد كذلك صور الشاب المعتز بفتوّته وقوته البدنية في أسماء مثل محمد الروج أو زعطوط أو فتحي ولذ فجرة أو سمير لوصيف. تذكّر هذه الأسماء الناس بصورة رجل أو صعلوك الحي الذي يهاب الجميع قوته الجسدية.” أحمد خواجة، نفس المرجع صفحة ٢٣٠.

جمعت شخصية المزداوي كل لاءات النظام في السبعينات، وقت بروز المزود، فهو المتمرد سليط اللسان، والمارق على القانون الذي يقض مجامع السكان بصوته في حفلات الأعراس الليلية لتستمر إلى ساعات متأخرة، والذي يشتكي في نصوصه من تظلم الزمان والسلطان وكدر العيش، والمرتبط بالزنداليات وعالم السجون التي نهل منها سرديات الوجع. لذا نجد توجهات الحبيب بورقيبة أثناء بناء الدولة الحديثة قد كشفت عن عداء واضح للمزود والثقافة الشعبية في العديد من ملامحها. العداء المباشر والمقنع الذي كنته الدولة التونسية لحركات النزوح، ورفضها أوجه الثقافة الشعبية وعلى رأسها المزود، نجد له شيئًا مماثلًا في تاريخ الموسيقى في تونس والمنطقة ترجع أصوله إلى الزحفات الهلالية؛ حيث تحامل الصادق الرزقي في كتابه الأغاني التونسية على الشعبي من الموسيقى والشعر، بدعوى التهديد الذي مثله الزحف الهلالي وآثاره على الموسيقى العربية الحضرية: “أصبحت الفنون الجميلة أثرًا بعد عين، فتغلبت البداوة ومازحت العقول.” 

رغم العداء الدفين والمعلن وقتها، إلا أن أغاني المزود انتشرت بشكلٍ رهيب. سنة ١٩٨٧ حقق شريط كاسيت لعماري لـ التليلي القفصي رقمًا قياسيًا في المبيعات في تلك الفترة، رغم المنع الذي كان يفرضه بورقيبة على المزود والإمعان في تحقيره يشير خواجة في كتابه الصفحة ٢٢٧ أن أغنية يا لعماري حطمت كل الأرقام، فقد نُسخت ما يقارب ٥٠ ألف نسخة في سنة واحدة، كذلك الشأن بالنسبة لأغنية محمد الروج ياماما، وهي من نوع الزندالي الذي يؤدى بالمزود، ونُسخت ما يقارب ٢٠ ألف نسخة.. كشفت تلك الأرقام عن الحاضنة الشعبية التي تلقفت المزود وأغانيه وساهمت في انتشاره رغم المنع، تمامًا مثل الزندالي الذي جسّد نفس روح التمرد ومثّل الخزّان الأبرز للمزداوية.

الزندالي | سرديات النبذ وتاريخ من المواجع

إثر خروج ماهر من السجن محملًا بوصايا معلمه زديق، تعرف إلى الهادي، أحد فحول المزود. أراد الشاب أن يفرض نفسه أمام بابا الهادي كبير المزداوية في حيه، ما أثار فضول الأخير الذي سأله عن ربطيته (أي فترة قضائه للسجن): “مالا الزندالي وين تعلمتو؟”، بعد أن تعجب من قدرة الفتى على أداء إحدى الأغاني الشائعة لدى المساجين والمزداوية.

اتفقت عدة مراجع على الإشارة إلى جمع الأغاني المرتبطة بالسجن بلفظ الزندالي، من أصل الكلمة أي الزندالة، وهي تسمية تركية تعني السجن، وتشير تحديدًا إلى زندالة قصر باردو نسبة إلى السجن المقام هناك. فيما ينسب البعض الزندالي إلى منطقة الفزان في ليبيا حيث يعتقد أنها منبتها أحمد خواجة، الذاكرة الجماعية والتحولات الاجتماعية من مرآة الأغنية الشعبية، صفحة ٢٦.. تمتلك الكلمة حضورًا كذلك في القاموس الفلاحي وتشير إلى غرفة طويلة مظلمة لا يصلها الضوء تستعمل لخزن الزيت في الأغلب. نرى هنا تقاطعًا رمزيًا بين الحقلين، فالكتابات التاريخية التي تناولت الزندالة بالدراسة أشارت إلى معاناة المساجين من الظروف الصعبة التي انعدمت فيها التهوئة والإضاءة. أيضًا يمكن مراجعة ما كتبه الصادق الرزقي عن الزندالي في كتابه الأغاني التونسية، صفحة ٢٤٥، ومحمد المرزوقي في كتابه الأدب الشعبي، صفحة ١٢٣.

تجري عملية بناء الأغاني داخل السجن عن طريق المراكمة والتداول. فعندما يبدأ أحدهم بالغناء عبر صياغة بعض المقاطع، يستعين بإضافات لأشخاص من حوله لتتحول الأغنية التي بصدد التكون إلى مشاع إبداعي تتداخل فيه الإضافات وتتقاطع من خلالها تجارب الحياة. لا تخضع عملية الاسترجاع هذه إلى المراقبة، فهنالك هامش واسع من الحرية يتيح للفرد المبدع التصرف في النص. إلى جانب ذلك، مثّلت الكونفة (نقل سجناء من سجن إلى آخر) وسيلة لتنقل الأغاني بين السجون. خلال عملية التناقل تتعثر الذاكرة، ما يضطر الفرد الناقل إلى رتق الفجوات الحاصلة بفعل النسيان أو الضياع وابتعاد المصدر، من خلال إضافة أبيات وتغيير بعض الكلمات، وربما يكون ذلك في محاولة لترك بصمته وتوثيق تجربته الخاصة. بالنتيجة يتحول النص الغنائي السجني إلى كتاب تاريخ مفتوح على الإضافات.

تراوحت أغاني الزندالي بين المعارضة والتضمين، أي تأليف كلمات على لحن أغنية معروفة مقابل إدراج كلمات محل أخرى من أغنية سابقة. حيث يسبق التراث الشعري الغنائي وجود السجين داخل الزنزانة، ليجد مادة متوفرة يشتغل عليها ويضيف إليها ويعطيها بعدًا آخر، لهذا تكثر المشاحنات حول أصول أغلب الأغاني، إذ يتبجح كثيرون أمثال الفرزيط وغيره بنسب نصوص أغانٍ زندالية إليهم. عند الخروج من السجن، تتحول الأغنية التي ألفها السجين إلى ملحمة ذاتية يظل يتغنى بها في حيه وبين ندمائه إلى أن تنتشر. أحيانًا ما يعمد أشخاص إلى المسارعة بتقديمها إلى مزداوية بقصد تخليدها وغنائها بحرفية. يمثل الحي ساحة خصبة لتناقل القصص والأغاني بين السجين الذي غادر السجن لتوه وزمرة أصدقائه، ويعزز ثقافة الشعور بالانتماء.

إعلان

أغلب من غنى الزندالي في تونس نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانوا من اليهود، ونذكر منهم قدور بن نطران، لالو شكلي، ولد خليلف (أو ولد خليفة)، الشيخ العفريت وآخرون. إذ وجدت أغاني السجون في أوساط اليهود ساحة خصبة للترعرع والانتشار، نظرًا لارتباط السلوكيات الثقافية لليهود بالحفلات الصاخبة والمتحررة.

بعد ظهور الرشيدية كأول مؤسسة ثقافية / موسيقية مارست الرقابة والانتقاء، وتوجُّه الدولة إلى بناء ثقافة رسمية انتقائية وأخلاقوية متعالية، وتقلص أعداد اليهود في مرحلة متأخرة من تاريخ تونس، مثّل المزود الحاضنة التي تتلقف الذاكرة السجنية من الضياع والتلف، فكان بمثابة الملجأ الإبداعي لخزّان الغناء السجني. حتى مع المزود، كان البعض يتستر على أصل الأغاني السجنية حتى تجد رواجًا مقبولًا لدى شركات الإنتاج والتوزيع وداخل المجتمع الرسمي.

خلافًا لليبيا وتونس، يشير الزندالي في الجزائر (ينطق أحيانًا: زنداري) إلى طابع غنائي منتشر في مدن الشرق الجزائري، ونجده كإيقاع مصاحب لنوع موسيقي شائع في مدن سطيف وأعراسها. يطلقه آخرون على رقصة نسائية حضرية تؤدى في معظم مدن الشرق الجزائري، بالخصوص في منطقة قسنطينة وعنابة على إيقاع تصاعدي مصاحبًا لموسيقى المحجوز القسنطيني المشبع بروح المالوف، ترتدي فيها النسوة فساتين مطرزة مختلفة الألوان وتضعن على رؤوسهن حلي ذهبية.

الباندية | الفتوّة المدينية

صنع بوشناق من شخصية ماهر صورة بطل مضاد للباندي الكلاسيكي ابن الحي الشعبي مفتول العضلات، فهو من عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى ويعيش في المنزه السادس، أحد الأحياء الراقية في تونس العاصمة؛ حملته تجربته السجنية والصداقات التي حظي بها هناك إلى عالم المدينة العتيقة وأحيائها الشعبية ليجد نفسه مزاحمًا لبرينقا، الصورة النمطية لباندي الحي والمزداوي الفتيّ، وليلج عالم المزود على يد معلمه زديق الذي التقى به في السجن وعلّمه الزندالي وسرد على مسامعه ملاحمه الشخصية. علاوة على مظاهر الفتوّة الكلاسيكية تلك، قدم عبد الحميد بوشناق ملامح مغايرة للباندية في نوبة، إذ ركز على الفتوّة الناعمة في شخصية وسيلة، معلمة الرقص. كما جمع في مشهد مثير بين بوشناق الأب وبرينقا للتأكيد على أن الفتوّة ليست عضلات أو بسط نفوذ مجالي وحسب، بل أيضًا التمكن من اللغة كأداة سيادة. يظهر بوشناق في تطريز كلامي مثير أثبت من خلاله فحولة كلامية قارع بها برينقا المنتفخ زهوًا بعضلاته وهالته كباندي الحي وربح نزالًا معه في جولة ارتجالية واحدة:

“وليدي، ماني وليدك، تفذلك ولا بجدك؟ أنا اللي علمت النحلة تعملك قاوق يا عسلة. تخرجلك في ألفين رحلة، باش انت في فمك تحلى، عسلتها تتمجدق. ولدي ماني وليدك، تفذلك ولا بجدك.”

من زديق إلى برينقا وماهر، تتواتر أجيال الباندية وتنتقل المواريث من السيد إلى المريد، تمامًا كما كان يحدث في تونس من قبل. يتحدث محمد صالح فليس – أحد مساجين حركة برسبكتيف اليسارية منذ الستينات، والذي عاصر أجيالًا من الباندية في السجن – في مقابلة شخصية معه عن ثلاثة أجيال من الباندية مروا على تاريخ تونس، وعاصر بعضهم كما سمع عن البعض الآخر من قصص السجن. 

مثّل الهادي الشنوفي آخر أجيال الباندية، سبقه علي شورب الذي كان بدوره متأثرًا بلخضر الشيحاوي الذي علا صيته في الخمسينيات ويعتبر من الجيل الأول. أثناء فترة الاستقلال عن فرنسا سادت البلاد فوضى عارمة، وكان التمزق البورقيبي اليوسفي نسبة إلى صراع بورقيبة وغريمه صالح بن يوسف حول مرحلة استكمال المقاومة أو الخضوع لشروط فرنسا فيما يخص الاستقلال الداخلي وخروج فرنسا التدريجي من تونس. يمزق أوصال المجتمع، فانتشرت الفتوّة المدينية بشكل جلي. كان لخضر قد انتقم من القاضي الذي سخر منه في إحدى الجلسات، إذ قام عندما أطلق سراحه بالاعتداء على ابنته كانتقام رمزي وإعلان تمرد. ثم أخذ عنه علي شورب العياري مقاليد الفتوة المدينية في جهة الحلفاوين وباب سويقة، وطوّع الكاريزما الخشنة الخاصة به لتأسيس بطولة محلية رفعته إلى مقام نصير الضعفاء وأيقونة الربض. عاصر شورب باندية آخرين مثل ستيلا الذي يشاع أنه قتل شورب في إحدى شوارع العاصمة بعد شجار بينهما وسقوط شورب على رأسه. والطاهر غانجو وغيرهم. كان الرجل يستعرض فتوّته بشكلٍ مفرط، ما جعل العديد من الأساطير (يقدم لنا أرشيف العسة في قناته على اليوتيوب شهادات حية عن أصدقاء ومعاصري شورب من تلك الفترة الزمنية) تنسج من حوله كصراعه مع ثمانية أعوان من الشرطة لوحده، أو قصة تبوله العلني في مباراة لكرة القدم على مرأى من أحد وزراء بورقيبة.

بعد وفاة شورب، تسلم الهادي الشنوفي مقاليد الفتوة، وأطبق قبضته على باب الخضراء وحوّلها إلى مجال سيادي تحت حمايته. حوكم الشنوفي وسجن لعشرات القضايا. كان يمارس ضربًا من العدالة الشعبية ولهذا كسب تعاطفًا واسعًا. عندما يشتكي إليه أحدهم من ظلم ما، لم ينتظر الشنوفي المحاكم والبوليس، بل كان يهب برفقة زمرته لنصرة الأشخاص الذين طلبوا منه المساعدة. يروي محمد صالح فليس، السجين السابق لحركة برسبكتيف، كيف أنه جاور الشنوفي ورفاقه في سجن برج الرومي و٩ أفريل. امتدت أواصر الصداقة بين الشنوفي وسجناء برسبكتيف إلى درجة أن الشنوفي ساندهم في إضراباتهم تحت شعار: “تضامنًا مع الرجالة.”

لا يمكن اختزال معاداة الدولة للباندية آنذاك برفض كل ما هو غير قانوني، إذ تمتد هذه العداوة كاستمرارية لرفض بورقيبة لأي بطل محلي غيره المعروف عنه أنه أزاح خصومه إما عن طريق الاغتيالات أو المحاكمات والإعدامات، مثلما حدث مع لزهر الشرايطي وصالح بن يوسف وآخرون. فالباندي في حيه هو السيد الفعلي وهو الحاكم بأمره.

يشاع أن لكل باندي نشيده الخاص، كرمز سيادي مثله مثل العلم أو النشيد الرسمي لدولة ما. جرت العادة داخل السجن أن تتغنى كل زمرة بنشيد زعيمها الخاص، تكريسًا لأخلاقيات الوفاء والانتماء إلى المجموعة، تمامًا مثل ما كان يفعل صعاليك العرب الأشراف قديمًا وأتباعهم. لدى الباندية يمثل الغناء ضربًا من الانتماء.

في نوبة، نرى حبيبة تختار فتيها الجديد ماهر عوضًا عن برينقا، تذكرنا تلك المفاضلة بالعصر الجاهلي، وتحكيم أم جندب بين زوجها امرؤ القيس وعلقمة بن عبدة، عندما آلت المبارزة الشعرية إلى هذا الأخير الذي افتكها منه وأُطلق عليه علقمة الفحل. أسياد المزود يشبهون فحول الشعر العربي القديم، فالمزود ذكوري مفعم بالفحولة. نجح ماهر في خطف حبيبة من برينقا، وتحول إلى فحل فتي يهابه سكان المدينة العتيقة.

تحول المزود اليوم إلى إحياء للزمن الأسطوري ما بين الستينات والسبعينات، الذي شكل سرديات المدينة وهوامشها، بنزق فتيانها وعمالها من قسوة الحياة، فاختزل ميثولوجيا مدينية قائمة على تمجيد وإجلال الباندية كحماة لعروة الحي، وحاملي رايات شرف المجموعة. قدم عبد الحميد بوشناق سيرة متخيلة وموازية لتلك العوالم وتشابكها في مسلسل نوبة، ونجح في إقامة مصالحة بين التونسي وتراثه رغم السقوط في بعض الأحيان في حنينية مبالغة.

إعلان
 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply