كيف تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكيّة

كتبها

كريم الصياد

أخرجها

خالد بادنجكي

دققها

هيا المويل



بالرغممن توافر مصنفات عربية هامة، فضلاً عن المترجمة، فيما يتعلق بتحليل الأعمال والمدارس الموسيقية الكلاسيكية، مثل أعمال حسين فوزي، وبثينة فريد، وفؤاد زكريا، وسمحة الخولي، وغيرهم، فإن جل هذه المؤلفات يتوجه إلى قارئ ملمّ بأساسيات تذوق هذا النوع من الموسيقى، في حين يبقى مستغلَقًا أمام المستمِع المستجد. وقد عانى كاتب هذه السطور نفسه شهورًا طويلة، مليئة بالقراءة والاستماع، ثم معاودة القراءة، فمعاودة الاستماع، كي يضع نفسه على أولى درجات فهم الموسيقى الكلاسيكية، في عملية تحوّل مركزي؛ من الموسيقى اللحنية (كالعربية) إلى الاشتقاقية (أي الموسيقى التي تقوم على اشتقاق جمل جديدة من جمل سابقة، وهو مفهوم نشرحه باستفاضة أدناه )، تحتاج إلى خطوة تمهيدية حقيقية، تيسّر ذلك الانتقال على مستمعين تالين.

وهي خطوة هامة كذلك على مستوى كل من النقد والإبداع؛ فالعديد من العقليات النقدية في مجال الموسيقى لا تركز جهدها على الموسيقى الكلاسيكية؛ نظرًا لصعوبة هذه الخطوة، وطول ما تستغرقه من وقت، خاصةً أن المتلقي العربي ينشأ سمعيًا منذ نعومة أظافره في رحم موسيقى لحنية بالأساس كما سبقت الإشارة، وهو ما يتناقض مع جوهر الموسيقى الكلاسيكية. بالإضافة إلى ذلك فهناك أيضًا جهود إبداعية مهمة، لا يتوجه بعضها على الأقل إلى التأليف الكلاسيكي. وهذا الإهدار الجزئي للاستعدادات النقدية والإبداعية يجد سببه الأساسي في عدم إنجاز هذه النقلة التذوقية من الموسيقى اللحنية إلى الكلاسيكية حتى الآن.


.

أولاً

معنى الموسيقى الكلاسيكية

يحتار حتى المستمع المحنَّك في تعريف الموسيقى الكلاسيكية. بعض محاولات التعريف قد تحدد هذا النوع من الموسيقى بناءً على المعنى الاصطلاحي لكلمة "كلاسيكية"، ولكن نقطة ضعف هذا التعريف أنه يمنع ولا يجمع؛ لأن خصائص الكلاسيكية كحركة فنية لا تنطبق إلا على عدد محدود من المؤلفين في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كهايدن وموتسارت وجلوك وبيتهوفن المبكّر، فيما بين الباروك والرومانسية، حيث تلتزم أعمال هذه الفترة بجماليات التناظر والتناسب والبساطة، بالإضافة إلى قيود شكلية صارمة، بحيث يعد الالتزام بهذه القيود، مع خلق مساحة للحركة برغمها، من معايير تقييم العمل نقديًا. وقد يحاول البعض تعريف الموسيقى الكلاسيكية انطلاقًا من المعنى اللغوي غير الاصطلاحي لكلمة "كلاسيكية"، أي الموسيقى الغربية التقليدية. لكن هذا التعريف على عكس سابقه يجمع ولا يمنع؛ فالموسيقى التقليدية الغربية كلاسيكية وغير كلاسيكية، هناك الموسيقى الشعبية مثلاً، التي هي لحنية كالعربية، والتي استوحى منها أغلب المؤلفين الكلاسيكيين، خاصةً منذ انتصاف القرن التاسع عشر. من معاني "الكلاسيكية" اللغوية كذلك ما يتعلق بطبقة اجتماعية class معينة. وهذا قد ينطبق فعلاً على الموسيقى الكلاسيكية؛ نظرًا لكونها عادة مقصورة على قلّة من المتلقين، حتى في الغرب، ممن تلقوا تعليمًا موسيقيًا بحد أدنى معين، أو من تدرّبوا دون تعليم على تلقيها، ولأن طبقة النبلاء في أوروبا كانت هي الراعية لكثير من المؤلفين الكلاسيكيين كهايدن وموتسارت وبيتهوفن. لكن مشكلة هذا المعنى أنه لا يتطرق قَطّ إلى خصائص البناء الفني المشتركة بين الأعمال الكلاسيكية، كما أن هناك أعمالاً كثيرة لا يتلقاها عادة سوى القلّة، ولا يطلَق عليها "موسيقى كلاسيكية"، فالموسيقى الخفيفة مثلاً يتلقاها القلة فعلاً، وليس من الشائع أن يستمع غالبية الناس في مجتمع ما إلى موسيقى مجردة بلا كلمات ذات محتوى أدبي. وغير ذلك فمن الممكن أن يصير عمل كلاسيكي مطروقًا ومعروفًا للغالبية، كالمارش التركي لموتسارت، أو مفتتح خامسة بيتهوفن.


إذا كان اللحن في عمل ما هو بناء العمل نفسه فنحن أمام عمل غير كلاسيكي، أما إذا صار اللحن قالبًا ضمنَ قوالب أخرى عديدة، تتراكب فيما بينها لتصنع البناء، فنحن إزاء عمل كلاسيكي.


ربما كان التعريف الأكثر دقة معتمدًا على عاملَين معًا ضروريين لتصنيف عمل ما في الموسيقى تحت فئة الكلاسيكية: الاشتقاق اللحني، والصيغة. الخاصية الفارقة الأساسية للموسيقى الكلاسيكية عمّا سواها هي هذا الاشتقاق؛ فالموسيقى الكلاسيكية لا تعتمد على مجموعة من الألحان، كما أن بعض المؤلفين قد استغنوا كليةً عن اللحن، كما عرضنا في مقالنا عن شوستاكوفيتش، فاللحن ذو مكانة تالية للاشتقاق في هذا النوع من الموسيقى، بمعنى أن المتلقي المدرّب سمعيًا فقط على تتبع اللحن، كمتلقي الموسيقى العربية، لن يتمكن من تلقي أغلب العمل الكلاسيكي، حتى البسيط منه. في المقابل يقوم العمل الكلاسيكي على تفعيل لحن، أو جملة موسيقية - حين لا يتضمن ألحانًا كاملة التبلوُر كموسيقى شوستاكوفيتش الكلاسيكية - بحيث يكون هذا اللحن أو تلك الجملة مجرد لبنة أساسية في بناء أعقد بكثير. بكلمات أخرى: إذا كان اللحن في عمل ما هو بناء العمل نفسه فنحن أمام عمل غير كلاسيكي، أما إذا صار اللحن قالبًا ضمنَ قوالب أخرى عديدة، تتراكب فيما بينها لتصنع البناء، فنحن إزاء عمل كلاسيكي. هذه القوالب التي تتراكب مع اللحن أو الجملة اللذين يبدأ بهما العمل في الموسيقى الكلاسيكية مشتقات لحنية من لحن البداية أو جملتها.

الخاصية الثانية هي الصيغة؛ فالأعمال الكلاسيكية تتميز بعدد محدود من الصيغ، كصيغة الصوناتا والتنويعات والروندو والرقصة وغيرها، مما سنركّز الحديث عليه في حينه. أهمية الصيغة هي أنها تمنح المستمِع قبل أن يباشر السماع خطة عامة لتتبع المشتقات اللحنية. لكن صيغة الصوناتا هي أهم الصيغ على الإطلاق في الموسيقى الكلاسيكية، وهي التي تمنحنا كذلك فهمًا أعمق لخاصية الاشتقاق النغمي بشكل عام، ولطبيعة الاشتقاق عند كل موسيقار على حدة، حيث لكل مؤلِّف طريقته فيه.

يمكن مثلاً تتبع هاتين الخاصيتين: الاشتقاق والصيغة، بأوضح ما يكون في الحركة الأولى من خامسة بيتهوفن، فكلها مشتقة من النغمات الأربع اللاتي يبدأ بهنّ العمل: صول- صول- صول- مي بيمول، وهي في صيغة الصوناتا. بشكل عام فإنه من أسباب أهمية بيتهوفن في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية بأسره اشتقاقه الجذري في أعماله؛ أي أنه يبدأ العمل من أبسط الوحدات التي تتكون منها الألحان نفسها، لا من الألحان، وهو ما يفرقه بوضوح، كمًّا لا نوعًا، عن موتسارت مثلاً، الذي كان أقل جذرية في الاشتقاق.


ثانياً

الاستماع الممنهج



نضع هنا أمام المستمع المستجد استراتيجية ممكنة للولوج إلى عالَم الموسيقى الكلاسيكية. وربما بدت العبارة التالية منطوية على قدر من المبالغة، غير أن المستمِع الخبير يدرك مدى واقعيتها: الدخول إلى هذا العالَم محفوف بالمخاطر النفسية والعقلية، بدون مبالغة، وتجاوُز عتبة هذا النوع من الموسيقى لا يجب أن يعتبَر أقلَّ مِن تحوّل جوهري في إدراك الإنسان للذات والعالَم، هو تحوّل يتضمن الكثيرَ من المعاناة بقدر جوهريته، ورؤيةَ جمال مجرَّد قادر تمامًا على خلق فجوة عميقة من الشعور بالحرمان والضآلة، يفوق أي فنّ آخَر، بما يحدِث تبدّلاً غير محدود بالضبط في الشخصية. هذه الموسيقَى تضرّ بالعالَم، وتُسبِّب القيامة.


أ- تتبع اللحن ومشتقاته


فهم خطة الاشتقاق المطبَّقة في العمل الكلاسيكي هي أهم خطوة في الاستماع الممنهَج؛ لأن الاشتقاق أهم خاصية في التأليف الكلاسيكي كما قلنا. ويمكن التعبير عن ذلك بشكل مختلِف: فكي نفهم عملاً فنيًا ما على مستوى التلقّي أو النقد، سواء كان موسيقيًا أم لا، علينا أولاً أن نفهم خطة بنائه على مستوى الإبداع. والفارق بين المتلقي الخبير والمتلقي المبتدئ ليس فقط فارقًا كميًا، بل هو كذلك فارق كيفي؛ في إدراك الأوّل لهذه العلاقة بين التلقي والإبداع، وفي قراءته للعمل المعتمدة على تحليل هيكله ومراحل تشييده، كأنه يُعيد بناءه.

كما سبق قوله: يبدأ العمل الكلاسيكي بلحن، كالحركة الأولى من السيمفونية رقم 40 لموتسارت مثلاً، أو جملة لا تعتبَر لحنًا في حد ذاتها، كالحركة الأولى من خامسة بيتهوفن. في كلتا الحالتين يقوم المؤلِّف باشتقاق أجزاء تالية من الحركة، والحركة هي جزء من العمل الكلاسيكي، سواء السيمفونية أو غيرها، بحيث تختلف ألحانها عن ألحان بقية الحركات في العمل الواحد، سواء كانت الحركات متبوعة بفواصل صامتة، وهو الأغلب، أو بفاصل غير صامت، كما تتصل الحركتان الثالثة والرابعة في خامسة بيتهوفن مثلاً.


"وتجاوُز عتبة هذا النوع من الموسيقى لا يجب أن يعتبَر أقلَّ مِن تحوّل جوهري في إدراك الإنسان للذات والعالَم، هو تحوّل يتضمن الكثيرَ من المعاناة بقدر جوهريته، ورؤيةَ جمال مجرَّد قادر تمامًا على خلق فجوة عميقة من الشعور بالحرمان والضآلة، يفوق أي فنّ آخَر، وبما يحدِث تبدّلاً غير محدود بالضبط في الشخصية. هذه الموسيقَى تضرّ بالعالَم، وتُسبِّب القيامة."


بينما يُتبِع موتسارتُ اللحنَ الأول في حركته المذكورة بلحن ثانٍ مختلف في الطابع، فإن بيتهوفن يشتق اللحن الثاني في الحركة الأولى في خامسته من اللحن الأول، أو بالأحرى من الجملة الرئيسية الأولى، وهو مستوى الجذرية المذكور بصدد بيتهوفن أعلاه مقارنةً بموتسارت. لكننا في الحالتين سنسمع تكرارًا للألحان أو الجمل بشكل مختلف حتى نهاية الحركة. ليس هذا وحسب، بل كذلك سنجد في قسم التفاعل (انظر فيما يلي "الصيغ الكلاسيكية")، وهو القسم الأوسط من أقسام صيغة الصوناتا الثلاثة الرئيسية، إنماءً لألحان قسم العَرْض، وهو القسم الأول من أقسام صيغة الصوناتا، بحيث تتولّد ألحانٌ وجمل جديدة من ألحان البداية. لهذا يسمَّى القسم الأوسط من صيغة الصوناتا فعلاً بـ الإنماء Development، أما تسميته عربيًا باسم قسم التفاعل فهي راجعة إلى د. حسين فوزي، وقد شاع هذا الاستعمال لأنه معبّر بدرجة أكبر عن طبيعة هذا القسم الأوسط؛ إذ يهدف الموسيقار فيه إلى تحقيق فعل ورد فعل بين الألحان والجمل على مستوى المضامين، بينما تعبّر كلمة الإنماء عن مجرد علاقة شكلية.

هذا يعني أن أولى خطوات فهم العمل الكلاسيكي هي حفظ اللحن في الذاكرة؛ لأن فهم التفاعل باعتباره علاقة بين الألحان مستحيل دون معرفة أطراف هذا التفاعل. يختلف المستمعون في قدرة الحافظة الموسيقية سعةً وسرعة، لكن لا يمكن فهم عمل كلاسيكي قبل أن نحفظ ألحانه التي يبدأ بها. من الطبيعي أن يمرّ المستمع المبتدئ بفترة رمادية صعبة في البداية، حيث تعتاد أذنه تدريجيًا على موسيقى غير مألوفة، والسبيل الوحيد لتقصير هذه الفترة هي حفظه للحن، إضافةً بالطبع لبقية خطوات الاستماع الممنهج. وبرغم تعدد هذه الخطوات، وأهميتها، فإن هذه الخطوة (تتبّع اللحن ومشتقاته) هي أهمّهن جميعًا؛ فبعد إنجازها يمكن للمستمع بدءًا أن يفهم العمل، حتى وإن لم يلمّ بعد بصيغته أو شكله أو سياقه التاريخي. هذا بينما تعَدّ المعرفة بالصيغة ثانية خطوات الاستراتيجية أهمية. مع ذلك تأتي (الصيغة) في الخطوة بعد التالية؛ نظرًا لأن المستمع العربي بالذات يحتاج إلى فهم ماهية الهارموني والكونترابنط وأهميتهما بسبب غيابهما عادة عن الموسيقى العربية، ولأن الهارموني والكونترابنط يتعلقان كذلك باللحن.


ب- الهارموني والكونترابنط


هما كلمتان معرّبتان، تعبر الأولى عن الانسجام، والثانية عن التعارُض، لكن لكل منهما مجالاً مختلفًا؛ فالهارموني يتعلق مباشرة بالنغمات لا الألحان، وبشكل غير مباشر وشبه قاصر على المختصين والدارسين باللحن، بينما يتعلق الكونترابنط بالألحان فقط.

أبسط تعريف للهارموني هو عزف أكثر من نغمة بشكل متزامِن لإنتاج نغمة جديدة. وهو تعريف يسير على المبتدئ، لكنه لا يكفي مع الصعود إلى درجات أرقى في التلقي الكلاسيكي، حتى بالنسبة لغير المتخصص. يقوم الهارموني فعلاً بإنتاج صوت جديد من تآلُف عدد من النغمات، لكن هذا لا يتم عشوائيًا، بل حسب نظام محدد، ونظرية، هي نظرية الهارموني، التي هي جزء بالتبعية من نظرية الموسيقى. في أقسام الدراسات الموسيقية يتعلّم الطلاب نظرية الهارموني حسب ارتباط كل نظام من نظم التآلف بشعور معين: فالهارموني الصغير حزين، والكبير فرِح، والمتناقِص مخيف، والزائد ناشز. كان هذا بصدد الهارموني الثلاثي، وهو أحد أنواع الهارموني، التي تنقسم أول ما تنقسم طبقًا لعدد النغمات الداخلة في التآلف. يدعَى الهارموني كذلك عربيًا بـ"التآلف"، وهي ترجمة دقيقة، وهو ما يوازي تعريب "أكور" المأخوذ عن المقابل الفرنسي، أو "أكورد" عن المقابل الألماني.

هذا يعني أن للهارموني علاقة بالتعبير، ما دام يتعلق في جانب منه بالشعور المتولد عنه في نفس المستمع، لهذا يعدّ الهارموني من زاوية أخرى عِلمًا للشعور أو الوعي، من هنا أهميته الخطيرة. لكن للهارموني كذلك علاقة غير مباشرة باللحن؛ فعدد الألحان التي يمكن لأي آلة أن تُنتجها غير متناهٍ، ولكنه لا يصدُر سوى عن عدد محدود من التآلفات؛ لأن عدد التآلفات الذي تنتجه الآلة على العكس محدود. بكلمات أخرى يمكن تصنيف كل الألحان تحت فئات هارمونية محدودة العدد. وهي معلومات قد تهم المتخصص وحده، بينما يمكن للمستمع غير المتخصص الاكتفاء بحقيقة أن للهارموني مُساهَمة لا تقل عن مساهمة اللحن في استثارة الشعور.

الحقيقة الثانية في مقام الهارموني، والتي لا غنى عنها لفهم أهمية الهارموني في الأعمال الكلاسيكية، أن لكل موسيقار نسيجه الهارموني الخاصّ، كذلك كل حقبة في سياق التحقيب الغربي الحضاري بعد العصر الوسيط: النهضوي-الرُّوكُوكُوِيّ Rococo والباروكي-الكلاسيكي-الرومانسي-ما بعد الرومانسي-المدارس الحديثة كالتأثيرية والتكعيبية والسريالية في الموسيقى، وغيرها.


"فالهارموني الصغير حزين، والكبير فرِح، والمتناقِص مخيف، والزائد ناشز."


مع ذلك ليس سهلاً على من لم يحصل مطلقًا على تعليم موسيقي أن يتتبع الهارموني أو أن يشعر بأهميته. ولحسن الحظ فإن تتبع الهارموني ليس خطوة أساسية للولوج إلى عالَم الموسيقى الكلاسيكية، بل للارتقاء فيه، على عكس الكونترابنط، الذي هو يسير على غير الدارس، وضروري للوقوف على بوّابة هذا العالَم.

الكونترابنط هو عزف أكثر من لحن معًا، وغالبًا لا يتعدى التزامن لحنين فقط. وعادة ما يكون هذان اللحنان متعارضين في الطابع. وعلى المستمع المبتدئ أن يتمرن على كيفية الاستماع إلى أكثر من لحن في وقت واحد. من حسن الحظ كذلك أن الكونترابنط بدأ منذ عقود في احتلال مكانة لا بأس بها في الموسيقى العربية. موسيقى مقدمة مسلسل رأفت الهجّان مثلاً لعمّار الشريعي معتمدة في بعض أجزائها بوضوح على الكونترابنط (الفيديو التالي بدءًا من الدقيقة ۰۰:٥۸ نلاحظ أن اللحن المعزوف بصوت الكمان مختلف عما يعزفه الأورج). ليس من الصعب أن يتمرن المستمع على تذوّق الكونترابنط في فترة وجيزة، أقل بكثير مما قد يستغرقه فهم الهارموني.

تستعمِل الموسيقى الكلاسيكية، خاصة فيما قبل النصف الثاني من القرن الثامن عشر وبدءًا من بداية القرن التاسع عشر، الكونترابنط على نطاق واسع جدًا، مقارنة بالموسيقى العربية، بالتالي فهو مما لا غنى عنه في إطار الاستماع الممنهج.


ج- الصيغ الكلاسيكية


تختلف الصيغة عن الشكل في الموسيقى الكلاسيكية؛ فالشكل الموسيقي الواحد، السيمفونية مثلاً، يتضمن عادة أكثر من صيغة، إلا إذا كان العمل من حركة واحدة، ككونشرتوَي فرانز ليسْت للبيانو، فكل منهما ذو حركة واحدة، وبالتالي يتضمن كل منهما صيغة واحدة ـ كذلك أغلب أعمال القصيد السيمفوني. الصيغة هي العلاقة بين الألحان في الحركة الواحدة، أما الشكل فيتضمن نوع الأوركسترا المستعمل، وعدد الحركات، والعلاقة بين الحركات. ستلي فقرة مخصصة للشكل. ولمعرفة الصيغة أهمية كبيرة، تالية كما قلنا على الاشتقاق، عند تلقي الموسيقى الكلاسيكية؛ لأنها هيكل العمل الهندسي، بدون معرفة بها لن نلاحظ سوى مجموعة ألحان، كأننا نستمع إلى موسيقى خفيفة لا كلاسيكية، وسيبدو التفاعل بين الألحان بلا معنى تقريبًا وضوضائيًا إلى حد ما. لا غنى عن المعرفة بالصيغة لمستمع الموسيقى الكلاسيكية.

كما سبق ذكره؛ فإن صيغة الصوناتا هي أهم الصيغ في الموسيقى الكلاسيكية؛ نظرًا لما تتمتع به من قدرة أكبر نسبيًا على بيان التفاعل، الذي يظهر فيه عنصر الاشتقاق على ما له من أهمية سابقة الذكر في ماهية الموسيقى الكلاسيكية، بأوضح ما يمكن. وللصوناتا ثلاثة أقسام رئيسة: العرض-التفاعل-إعادة العرض. يجري في قسم العرض عرض الألحان الأساسية، أي الوحدات الأولى التي تشتَقّ منها ألحان قسم التفاعل. وعادةً ما يتم عرض الألحان مرتين، أي أننا نستمع عادةً إلى قسم العرض كَرّتين، كما في الحركة الأولى من خامسة بيتهوفن مثالنا السابق. قيمة هذه الإعادة هي تنبيه المستمعين إلى بداية ونهاية قسم العرض، لكن قد تعرَض الألحان مرة واحدة فقط، بالذات في حالة استطالة قسم العرض، كما في الحركة الأولى من تاسعة بيتهوفن. يلي ذلك التفاعلُ أو الإنماءُ، وفيه تشتَق ألحانٌ جديدة، تعبّر بشكل محدد عن طبيعة العلاقة بين الألحان الأساسية، كأنها قصة، يتم عرض شخوصها واحدًا بعد الآخَر في قسم العرض، ثم تحدث القصة تفاعلاً دراميًا بين الشخوص في قسم التفاعل. لهذا يقال إن صيغة الصوناتا صيغة درامية في أصلها وجوهرها. أما في قسم إعادة العرض فإنه يتم فك الاشتباك بين الألحان، لتعرَض مرة أخرى، أو مرة ثالثة بالأحرى، بالترتيب نفسه الذي للعرض، لكن بشكل مختلِف. عربيًا تستعمَل لفظة "إعادة العرض" لترجمة recapitulation الإنجليزية، لكنها ترجمة غير دقيقة، لأن اللفظة الإنجليزية تنطوي على معنى كل من الاستعادة والتلخيص. وبالفعل ففي قسم إعادة العرض لا نستمع عادة إلى ألحان العرض نفسها، بل مع اختلافات يتم بعضها عن طريق الحذف. ويتفنن كل مؤلف فيما يستبقيه مع تغييرات معينة في المقام أو التوزيع، وفيما يحذفه كليًا. وقد تمر صيغة الصوناتا ككل بتعديلات هامة مميزة لبعض الموسيقيين؛ فبيتهوفن في تاسعته مثلاً يقدم صيغة صوناتا مختلفة عن المعهود، يراها البعض صوناتا مقلوبة، وشوستاكوفيتش يعتمد شكلاً في قسم إعادة العرض هو مقلوب ومعكوس العرض، وهي طريقته في التعديل على العرض، أي تعاد الألحان بترتيب معكوس، من الأخير إلى الأول، وبتوزيع معكوس. يمكن للمستمع المدقق ملاحظة التوزيع المعكوس عند بيتهوفن أيضًا في إعادات العرض. بالإضافة إلى تلك الأقسام الثلاثة فقد يدرِج الموسيقار قسمًا خاصًا قبل العرض كمقدمة، كما في الحركة الأولى من سابعة بيتهوفن مثلاً، وقسمًا للختام يسمى الكودا، الذي يعني حرفيًا (الذيل)، وهو أكثر شيوعًا في صيغة الصوناتا من المقدمة.

تحتل صيغة الصوناتا موضع الحركة الأولى دائمًا من كل من السيمفونية والكونشرتو والرباعي الوتري والصوناتا (حيث يطلق لفظ الصوناتا تارة على صيغة معينة، وتارة على شكل معين سيرد في فقرة الأشكال الكلاسيكية). لكن أيًا من حركات العمل قد يأخذ صيغة الصوناتا؛ فمثلاً وضع موتسارت الحركتين الأولى والرابعة من سيمفونيته الأربعين في صيغة الصوناتا، كذلك فعل بيتهوفن في خامسته.

الصيغة الرياضية للتعبير عن صيغة الصوناتا بأقسامها الأساسية هي: [أ، أ، ب، أَ]، حيث (أ) هي العرض، و(ب) هي التفاعل، و(أَ، ألِف شَرطة) هي إعادة العرض. وقد يضاف (م) قبل (أ) الأولَى كمقدمة، و(ل) بعد (ألف شرطة) كتذييل، فتصبح الصيغة [م، أ، أ، ب، أَ، ل].

أهم المؤلفين فيما يتعلق بتأسيس صيغة الصوناتا هم الرعيل الأول من رواد الأشكال الكلاسيكية ككوريللي وتوريللي وفيفالدي ويوهان سيباستيان باخ وجورج فردريك هِندل. أما أهم المؤلفين من جهة تطوير صيغة الصوناتا فهو بيتهوفن؛ لأنه أحدث نقلة نوعية فيما يتعلّق بالتفاعل بحسب ما هو مستقِرّ عند الدارسين، حيث لم يكن التفاعل قبله سوى قسم صغير أقل أهمية من قسمي العرض وإعادة العرض. من أهم تفاعلات بيتهوفن تفاعل السيمفونية الثالثة، وتفاعل التاسعة، في الحركة الأولى لكل منهما. إضافةً إلى تطويره الكبير لقسم التفاعل طوّر بيتهوفن كذلك الكودا (الختام) إلى حد بعيد، كما يعرف الدارسون أيضًا، فصارت كأنها قسم تفاعل ثانٍ، أو إعادة عرض لقسم التفاعل بالأحرى، فصارت الكودا لديه من أقسام الصوناتا الأساسية، وهو ما يظهر بوضوح في كودا الحركة الأولى من ثالثته، وكودا الحركة الأولى من سابعته. لا يمكن كذلك استثناء شوستاكوفيتش من تطوير صيغة الصوناتا في الحدود المشار إليها أعلاه، لكنه كان بالطبع أقل تأثيرًا بكثير مِن بيتهوفن على الموسيقيين مِن بَعده.

تليها في الأهمية ربما صيغة الرُّونْدو (تنطَق بمدّ الواو الأخيرة). يعني لفظ الروندو الدائرة، وهو ما يعبّر عن العلاقة بين الألحان، التي تبدو كأنها تدور على حدود دائرة واحدة، مرورًا بعدة نقاط مختلفة واقعة على المحيط. تقوم صيغة الروندو على لحن رئيس، يتكرر عدة مرات، بحيث يليه كل مرة لحن مختلف. يحتل الروندو عادة الحركة الأخيرة لكل من السيمفونية والصوناتا والرباعي الوتري والكونشرتو. من أمثلته الواضحة الحركات الأخيرة من السيمفونية السابعة لبيتهوفن، والكونشرتو الثلاثي triple concerto، وكونشرتو البيانو الرابع، والخامس، لبيتهوفن أيضًا. وغالبًا ما يكون زمنه سريعًا Allegro، مع طابع مرِح، وتنوُّع أكبر نسبيًا في الألحان. يسمَّى اللحن السائد، الذي يتخلل بقية الألحان المختلفة في هذه الصيغة "لحن الروندو"، ويعني "اللحن الدائر". والصيغة الرياضية المعبرة عن هذه الصيغة هي: [أ، ب، أ، ج، أ، د، ..]، حيث (أ) هو اللحن الدائر.

بينما تحتل صيغة الصوناتا الحركة الأولى في كل من السيمفونية والرباعي الوتري، ويحتل الروندو الحركة الرابعة، فإن الرقصة عادة ما تحتل موضع الحركة الثالثة مِن كل تلك الأشكال. وللرقصات أنواع عديدة، أهمها في مجال التأليف الكلاسيكي: المينويت، والإسكرتسو، والبولونيز. ما يميّز الرقصة في الحقيقة هو الإيقاع، فلكل رقصة إيقاعها المميز. لكن الرقصة المستعمَلة في التأليف الكلاسيكي عادة ما تتكون من ثلاثة أقسام، بحيث يتكرر القسم الأول بعد القسم الثاني، أي أننا نستمع إلى القسم الأول مرتين، في البداية والنهاية، يتخللهما قسم مختلف في اللحن والسرعة. ويغلب على الرقصات أن يكون القسم الأول، الذي نسمعه مرتين، أسرع من القسم الأوسط، الذي نستمع إليه مرة واحدة فقط، في قِلّة من الرقصات يوضَع القسم الأوسط أسرع. وفي هذا السياق قد نلمح تشابهًا عامًّا بين قسم إعادة العرض في صيغة الصوناتا، والقسم الثالث من الرقصة؛ فكل منهما إعادة عرض بشكل ما، وهذا صحيح. يتفنن الموسيقار في إيقاع تغييرات بعينها حين يُستعاد لحن القسم الأول من الرقصة في القسم الثالث، بحيث تتعلق أغلب التغييرات باختلاف التوزيع أو بالحذف، كما يحدث في قسم إعادة العرض من صيغة الصوناتا.

في حقب فنية بعينها برزت رقصات محددة بشكل خاص؛ فقد سادت رقصة المينويت البطيئة في الحقبة الكلاسيكية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أما مع مطلع القرن التاسع عشر، ومع السيمفونية الثالثة لبيتهوفن (إيرويكا) فقد حلت رقصة الإسكرتسو، التي تعني بالإيطالية "سخرية أو دعابة"، محل المينويت، وهو تغيير معتبَر على بناء السيمفونية؛ حيث الإسكرتسو أكثر سرعة ونشاطًا وتعبيرًا عن الروح الثورية بعد الثورة الفرنسية في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. قد يوضع الإسكرتسو كذلك في صيغة الصوناتا، كما نجد في الحركة الثانية من تاسعة بيتهوفن، والحركة الثالثة من رابعة برامز، والحركة الثانية من خامسة شوستاكوفيتش. في هذه الحالة يتم تكرار الإسكرتسو ككل، بأقسامه الثلاثة، مرتين، بحيث يتخلل المرتين قسم يسمى التريو trio، وهو القسم الأوسط، الذي لا يُعاد، في كل من المينويت والإسكرتسو. تعني كلمة "تريو" بالإيطالية "الثُلاثي"؛ نظرًا لأن هذا القسم كان يوزَّع عادة على ثلاث آلات فقط في حقبة الباروك.

برغم أن الرقصة تحتل غالبًا الحركة الثالثة في السيمفونية والرباعي الوتري كما قلنا، فقد نجد اختلافًا في ذلك؛ بسبب تاسعة بيتهوفن، التي تم فيها استعمال الإسكرتسو في موضع الحركة الثانية. وهو تغيير قد لا يستساغ عند مستمع السيمفونية ما لم يتوافر له دافع قويّ. بيد أن المؤلفين صاروا أكثر تحررًا في شكل السيمفونية بعد بيتهوفن، لهذا نجد هذه الظاهرة في العديد من السيمفونيات الهامة، مثل خامسة شوستاكوفيتش، وعاشرته، وخامسة مندلسون، وغيرها.

بالإضافة إلى مساهمتها في بناء شكل السيمفونية، فقد استقلت الرقصة كذلك لتقدَّم مستقلةً في الحفلات السيمفونية. من أهم مجموعات الرقصات الكلاسيكية: رقصات برامز المجرية، بولونيزات شوبان البولندية، رقصات دفورجاك السلافية، رقصات جريك ورحمانينوف السيمفونية، وغيرها. وقد شاع هذا الاستقلال في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حقبة القومية في الموسيقى؛ لما للرقصة من قدرة ومرونة أكبر على تضمُّن ألحان شعبية وطابع مَحلّي. الصيغة الرياضية المعبرة عن الرقصة هي: [أ، ب، أ].

لكن ما الذي يحتل موضع الحركة الثانية عادة في كل من السيمفونية والصوناتا والرباعي الوتري والكونشرتو؟ غالبًا ما تأتي الحركة الثانية متهادية في سرعتها وطابعها العام، وفي صيغة التنويعات. تتكون صيغة التنويعات مِن لحن أساسي، يتم التنويع عليه لحنًا وتوزيعًا. ومَلِك التنويعات بلا منازِع هو بيتهوفن، الذي قام مشروعه الموسيقي على قدمَين، إحداهما الارتجال، والأخرى التنويعات. يلاحظ المستمع الخبير أو الدارس أن التنويعات داخلة في كل الصيغ الموسيقية؛ لأنها أساس الاشتقاق اللحني نفسه، الذي هو قائم في كل الصيغ الكلاسيكية، كما سبق بيانه، لكن الفرق أن صيغة التنويعات لا تقدم هذا الاشتقاق في صيغة محددة صوريًا كصيغ الصوناتا والروندو والرقصة، بل تأخذ شكلاً حُرًا، لهذا قد يقال عن الحركة الثانية في السيمفونية مثلاً إنها حرة الصياغة. من الأمثلة الواضحة على هذه الصيغة الحركة الثانية من خامسة بيتهوفن، أو الحركة الثانية من ثالثته (المارش الجنائزي). الصيغة الرياضية الممكنة للتعبير عن صيغة التنويعات هي: [أ، أَ، أً، ..]، حيث كل مِن (أَ) و(أً) تنويع على (أ)، وهكذا.

هناك صيغ أخرى أقل أهمية في الموسيقى الكلاسيكية مثل المارش والبورتمنتو والدراسة والبالاد والرابسودية، كما أن هناك تطويرات عديدة للصيغ، وأشباه الصيغ، في الموسيقى المعاصرة، غير أن المقام يضيق عنها، وليست أساسية كمدخل للموسيقى الكلاسيكية. لذلك ننتقل مباشرة إلى الأشكال الكلاسيكية.


د- الأشكال الكلاسيكية


نتناول هنا أهم الأشكال لموسيقى الآلات؛ لأنها الأكثر شيوعًا وتعبيرًا عن معنى الموسيقى الكلاسيكية. من الطبيعي أن نبدأ في ترتيب الأهمية بالسيمفونية؛ فبدون موضع راسخ للموسيقار في مجال السيمفونية لن يعتبَر عادةً مؤلفًا كلاسيكيًا كبيرًا من جهة النقاد، إلا إذا كان له باع طويل ومتميز في مجال التأليف للآلة الصولو كشوبان وليسْت ورحمانينوف وباجانيني. والآلة الصولو التي تمتعت بعدد أكبر من غيرها من المؤلفين المتخصصين فيها هي بالطبع البيانو، يليه الأرغن والهاربسيكورد، ثم الكمان. والأشكال السيمفونية عمومًا عديدة؛ فكل عمل تؤديه الأوركسترا ككل هو عمل سيمفوني، حيث تعني كلمة "سيمفوني" باليونانية "العزف-معًا"، كالسيمفونية والكونشرتو والمتتالية والافتتاحية والقصيد السيمفوني والرقصات السيمفونية وغيرها، لكن السيمفونية تحديدًا سُمّيت كذلك؛ لأنها الشكل الذي يستغرق الأوركسترا بأعلى درجة من الاستغراق ومن استغلال قدراتها غير المحدودة، توزيعًا وتلوينًا وهارمونيةً وتلحينًا؛ فالكونشرتو موضوعه العلاقة بين الآلة الصولو والأوركسترا، والمتتالية والقصيد السيمفوني يركزان على المحتوى الأدبي، الذي يعبّر عنه العمل، كأنهما تلحين لفكرة أو موسيقى تصويرية لمشهد غير مرئي، والافتتاحية تعتبَر مقدمة لعمل أوبرالي أو مسرحية موسيقية في منشئها، وبالتالي تركّز على موضوع درامي-أدبي بدورها، والرقصات السيمفونية تجد موضوعها في الطابع الموسيقي القومي-الشعبي، والإيقاع. أما السيمفونية فهي ببساطة غير مخلّة، عمل الأوركسترا وموسيقاها وذروة تفاعلها الذاتي.

استقرّ شكل السيمفونية على ثلاث حركات، ثم أربع: سريعة في صيغة الصوناتا-بطيئة في صيغة التنويعات-سريعة في صيغة الرقصة-سريعة في صيغة الروندو أو الصوناتا، من خلال تراث سيمفوني بالغ الأهمية - وتأسيس تراث في أحد المجالات هو الخطوة الأولى لتنشيط الإبداع فيه - للموسيقار النمسوي، أبي السيمفونية، جوزيف هايدن (+1809)، صاحب 104 سيمفونيات، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وهو الأستاذ الأساسي لموتسارت، وأحد الأساتذة المهمين لبيتهوفن كذلك، الذي درَس على يديه لعامٍ واحد بفيينا. مع هايدن تأسست السيمفونية في شكلها المعروف والمصطلَح عليه مِن بعده. لكن لكل من تلميذيه النجيبين، موتسارت وبيتهوفن، أثر هام كذلك على استقرار وإعادة إركاز أعمدة السيمفونية الأساسية.

لا يقتصر دور موتسارت على تنمية تراث هايدن كميًا، بل كذلك قدّم إضافة مؤثرة، هي جمله اللحنية. إن جُمَل موتسارت التي تبدأ بها مثلاً حركات السرينادا رقم 13، أو كونشرتوات البيانو من رقم 18 إلى رقم 27، أو حركات سيمفونياته 39، 40، 41، والكثير من صوناتاته وافتتاحياته، هي جُمَل برّاقة، متماسكة ميلوديًا، وحيّة نشطة، وأحيانًا متجهّمة قاطعة (كالحركة الثالثة من سيمفونيته الأربعين مثلاً)، وهو عنصر كان مستجدًا في وقته على الموسيقى الألمانية. ونعني بالألمانية هنا المدرسة الموسيقية الألمانية، كما سيلي في الحديث عن المدارس الكلاسيكية. فعلى خلاف المدرستين الإيطالية والروسية - لو انتزعنا موتسارت من تاريخ الموسيقى الألمانية - لا تكاد المدرسة الألمانية تقدّم في تاريخها ألحانًا تنافس ألحان الطليان والروس، بل قدّمت ما افتقر هؤلاء إليه غالبًا، ألا وهو التركيب. لكن بوجود موتسارت تكتسب الموسيقى الألمانية بالإضافة إلى التركيب ما يجعلها شبه منيعة على المنافسة، وهو تلك الجمل اللحنية الأخّاذة للآماديوس. هذه الجمَل - في تقديري - هي التي ألهمت بيتهوفن بروح مختلف عن طابع التحذلق الطبقي المتزلّف لشريحة نبلاء أوروبا في موسيقى هايدن وجلوك، والذي يصلح كموسيقى تصويرية لجلسة تضم هايدن مع استرهاتسي وفالدشتاين مثلاً. روح مختلف؛ لأن ألحانه تحمل مباشرة انفعالات النفس الإنسانية، في قمة شبابها، في حال الفرحة أو الجهامة. قبل موتسارت كانت المدرسة الكلاسيكية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ذات ألحان مكبوحة نجرؤ على القول بأنها فقيرة، لكنها معه صارت كائنًا حيًا.


"فبدون موضع راسخ للموسيقار في مجال السيمفونية لن يعتبَر عادةً مؤلفًا كلاسيكيًا كبيرًا من جهة النقاد، إلا إذا كان له باع طويل ومتميز في مجال التأليف للآلة الصولو كشوبان وليسْت ورحمانينوف وباجانيني"


يمكن تتبع خيط هذه الألحان في نسيج موتسارت الميلودي إلى بيتهوفن، حيث قام الأخير بتنمية هذا الخط، وبثّ المفاصل في هيكله، ليصير أكثر قابلية للفك والتركيب وإعادة البناء والتنويع. باختصار يمكن تلخيص دور موتسارت في شكل السيمفونية في ثلاث نقاط: أنه قام بمواصلة جهود هايدن التأسيسية بشكل أورثوذوكسي، يلتزم بصرامة بقواعد التأليف عند هايدن أولاً، وأنه منح السيمفونية جمله الميلودية الساحرة ثانيًا، فصارت أكثر شعبية وجذبًا للمستمع والناقد والمؤلِّف، وأنه أرسل لبيتهوفن تلك الشرارة، التي أوحت له بموسيقى تعبّر عن الفرد الإنساني في أفراحه وأتراحه.

أما دور بيتهوفن في الحقيقة فهو أهم وأوضح من دور موتسارت في تطوير شكل السيمفونية؛ فقد وجد بيتهوفن ضالته في قسم التفاعل، القسم الأوسط من صيغة الصوناتا، التي تحتل الحركة الأولى دائمًا، وحركات أخرى أحيانًا؛ لأن موهبة بيتهوفن الأساسية لم تكن في وضع الألحان، بل معالجتها، أي فكّها وإعادة تركيبها، والتنويع عليها، لتشييد بناء معقّد من وحدات تبلغ في درجة البساطة حدَّ اللا شيء تقريبًا. وبالفعل، فقد قدم بيتهوفن عددًا من أعماله كتنويعات على ألحان لموتسارت، كتنويعاته على ألحان كونشرتو رقم 20 التراجيدي لموتسارت، أو تنويعات على ألحان الناي السحري، بل والحركة الأولى من (إيرويكا) ذاتها، فكلّها، بكل ما فيها من زخم ميلودي وهارموني وتلويني وتوزيعي هائل، عبارة عن عمليات لا حصر لها من التفكيك والتركيب للحن افتتاحية باستيان وباستيين لموتسارت. وهو ما يرجّح عامل التأثر بألحان موتسارت في تأسيس بيتهوفن موسيقيًا. والمستمع إلى افتتاحية موتسارت المذكورة بعد إيرويكا قد يندهش من التفاوت الشاهق في درجة التعقيد لصالح بيتهوفن؛ فكما قلنا اقتبس بيتهوفن عددًا من هياكله من موتسارت (مع تصريحه بذلك)، وأكسبها مفاصِلَ بالغة التنوع والابتكار، لتتحرك وترقص وتنمو جدليًا بشكل لم يكن ليخطر لموتسارت على بال. وهذا هو السبب في أننا نجد الألحان المشتركة بين الاثنين، كلحن هذه الافتتاحية مثلاً، يدور في دائرة كالساعة الرتيبة عند موتسارت، لكنه ينطلق في مسار لولبي بالغ الامتداد والتشعّب عند بيتهوفن. باختصار تميز بيتهوفن من هذا الطريق عن موتسارت في تطويره عظيم الأثر لقسم التفاعل؛ فبعد أن كان قسمًا صغيرًا قليل الأهمية في أعمال أسلافه، تحول إلى الغاية الرئيسية من الحركة السيمفونية لديه.

طوّر بيتهوفن كذلك قسم الكودا، ليصير قسمَ تفاعل ثانٍ، على حد تعبير المرحومة أستاذتنا الدكتورة بثينة فريد، أو ليصير "إعادة عرض التفاعل" كما نقترح هنا، وهو تطوير بالغ الأثر بدوره؛ لأنه منح الكودا وظيفة شكلية وتعبيرية جديدة وأكثر أهمية وزخمًا، مما أذكى التفاعل في المحصلة النهائية.

مما طوّره بيتهوفن كذلك شكليًا هو التفويج، على حد تعبير د. حسين فوزي، أي معالجة اللحن على طريقة الفوجة (انظر شكل الفوجة فيما سيلي)، وهو واضح في الحركة الرابعة من ثالثته، التي هي أقرب إلى فوجة طويلة مدتها اثنتا عشرة دقيقة، ومعزوفة بالأوركسترا ككل، وهي استفادته من فوجات يوهان سيباستيان باخ، التي اشتهر كعازف بارع لها في مقتبل حياته كموسيقار، قبل أن يشتهر كمؤلف. أضف كذلك إلى الأركان الشكلية التحرر من صرامة الشكل، في سياق المدرسة الرومانسية، لحساب متطلبات المعنَى، كزيادة حركات السيمفونية، كالسيمفونية السادسة، التي هي من خمس حركات، لا أربع كما هو معهود، وهو ما امتدّ أثره ليبلغ مالر وشوستاكوفيتش وسترافنسكي وغيرهم في القرن العشرين، والحرية في استعمال الصيغ بين الحركات، كما قدم الإسكرتسو في الحركة الثانية. بل وأضاف بيتهوفن الكورال إلى الأوركسترا في تاسعته، معبّدًا هذا الطريق أمام كل من برليوز وليسْت ورحمانينوف ومالر وسترافنسكي وبريتن، وغيرهم، ممن استعملوا الكورال في السيمفونية. لكن حدود تجديد بيتهوفن للسيمفونية لا تقف عند تخوم القالب، بل تتعداه إلى أعماق القلب؛ فبيتهوفن هو الذي استعمل السيمفونية لتكون شكلاً معبرًا عن الأفكار الفلسفية والإنسانية الكبرَى، والتي كانت حديث الخاصة والعامة إبان الثورة الفرنسية وما بعدها، كفكرة البطولة الفردية (إيرويكا)، والبطولة العامة (السيمفونية التاسعة). علّم بيتهوفن الموسيقيين من بعده كذلك كيف يمكن للأوركسترا أن تحاكي أصوات الطبيعة، وتعيد خلقها، في سيمفونيته السادسة (الباستورال). هذا بينما تقتصر السيمفونية عند هايدن وموتسارت على رسم (جوّ) ما معين، أو تلاعب هندسي-شكلي بحت، قد يبلغ من الدقة والسموّ مبلغًا عظيمًا، لكنه لا يستثمر آفاقه في ريادة عوالم الطبيعة والإله والإنسان. (يمكن في ذلك مطالعة مقالاتنا على "معازف" بصدد أعمال بيتهوفن: لاهوت السيمفونية التاسعة، والفردوس المسموع) لا ريب كذلك في أن للروس مساهمة هامة في السيمفونية وشكلها؛ ريمسكي كورساكوف هو الذي قدم في شهرزاد عملاً يجمع بين المتتالية والسيمفونية، ويقوم على ألحان شرقية الطابع، جديدة على مجال السيمفونية المعهود، يجمع بين اللحن والتركيب. وقد قدّم كذلك تشايكوفسكي إضافة مختلفة، قد يختلَف في تقدير مدى أهميتها، في المزج بين الموسيقى الخفيفة اللحنية (الإيطالية) والشكل المعقد للسيمفونية. لكن في الحقبة السوفييتية حدث تحول لا مراء في كونه هائلاً ومركزيًا في مجال التأليف السيمفوني عند الروس، وعند الموسيقيين بعامة، ألا وهو بناء سيمفونية غير ذات ألحان، بل تقوم على مجرد التركيب، وذلك من خلال أكبر وأكمل مجموعة للسيمفونيات في القرن العشرين، تبلغ خمس عشرة سيمفونية، قدمها ديمتري شوستاكوفيتش. لرحمانينوف كذلك مساهمة غير ذات تراث كبير كمًا، لكنها مميزة، في تقديم عمل سيمفوني يقوم-على عكس مواطنه شوستاكوفيتش-على ألحان بالغة الجمال والثراء، فيما يكاد يتفوق من جهة النسيج الميلودي على أي سيمفونية معروفة في التاريخ، وذلك في سيمفونيتيه الثانية والثالثة.

أما دور الشماليين فيبرز فيه صاحب السبع الشوامخ سيبيليوس، الذي خصصنا له مقالاً فيما سبق، والذي وضع سبع سيمفونيات عظيمة الثراء، جميلة الألحان والألوان، وجديدة المبنى، ومتميزة في طرق استثمار اللحن. في الحقيقة وضع ثماني سيمفونيات، لكنه أحرق ثامنته، فلم يكد يبقى منها أثر، كما قصصنا في المقال المذكور.

تتركز الفكرة الأساسية لأي سيمفونية غالبًا في حركتها الأولى، وقد يتحرك هذا المركز إلى الحركة الرابعة، كما في تاسعة بيتهوفن، وبعض سيمفونيات مالر، لكن الحركة الأولى تظل ذات دور أساسي في كل الحالات؛ لأنها تقدم الطابع العام للعمل. هذا بينما تعتبَر الحركة الثانية استراحة طويلة نسبيًا لتفريغ شحنة الحركة الأولى الانفعالية، ثم تليها رقصة الحركة الثالثة ليستعيد المستمع نشاطه، ويتحفّز سمعيًا، لتأتي الحركة الرابعة كردّ قويّ على الحركة الأولى. بصفة عامة يفضل الاستماع إلى حركات السيمفونية كلها؛ لأنها تصنع عملاً متكاملاً فيما بينها، ثم يمكن للمستمع بعد ذلك أن يتخيّر الحركة التي يود سماعها بعد الإلمام بفكرة السيمفونية ككل.

ننتقل هنا إلى الشكل التالي من أشكال التأليف السيمفوني أهمية، وهو الكونشرتو. ليس من المعروف بدقة الأصل الاشتقاقي لكلمة كونشرتو، لكن المرجّح عند غالبية النقاد والمؤرخين أنها إيطالية المصدر، وتحمل معنى "المنافسة". هذا المعنى هو الأقرب فعلاً لطبيعة الكونشرتو، الذي تبلور كشكل مستقل في أعمال الإيطاليين كوريللي وتوريللي، ثم تلقفه فيفالدي، فأنتج كونشرتوات غاية في الأهمية في عصر الباروك، ليتسلم منه يوهان سيباستيان باخ الراية، ويعيد بلورة الكونشرتو في سياق التركيب الألماني. بعد باخ، ومع أعمال هايدن وموتسارت وبيتهوفن خطا المؤلفون في الكونشرتو خطوات أبعد، ليكتمل شكله كما هو عليه الآن. يقوم هذا الشكل على عقد علاقة بين آلة صولو، غالبًا ما كانت الهاربسيكورد أو الكمان في القرن السابع عشر، ثم البيانو في القرن الثامن عشر وما بعده، وبين الأوركسترا السيمفوني. قد تتعدد الآلات الصولو المستعملة كمنافس للأوركسترا، كما في sinfonia concertante لموتسارت، أو الكونشرتو الثلاثي لبيتهوفن، أو الكونشرتو المزدوج لبرامز، أو قد تتنوع الآلات لتشمل عددًا أكبر، كما في كونشرتو للأوركسترا لبيلا بارتوك، والذي استعمل فيه كل آلة تقريبًا في الأوركسترا بشكل مشابه لاستعمالها في الكونشرتو، بحيث تتبادل الآلات هذا الدور بطول العمل.

وإذا كان دور موتسارت أقل وضوحًا من دور بيتهوفن في تطوير شكل السيمفونية، فإن دوره لا ريب فيه في تطوير الكونشرتو؛ فقبل موتسارت كان الكونشرتو مجرد (منافسة) فعلاً بين الآلة المفردة وبين الأوركسترا، مع تركيز على دور الآلة المفردة، حيث تكاد الأوركسترا تلعب دور اللحن المصاحب، لكن موتسارت هو الذي حقق التوازن بين الآلة الصولو وبين الأوركسترا في الكونشرتو، بحيث لا يقل دور الأوركسترا عن دور تلك الآلة، مما صاغ الكونشرتو في هيئة عمل سيمفوني بمعنى الكلمة. وقد قدم موتسارت عددًا ضخمًا من الكونشرتوات، فيما بلغ 27 للبيانو، وخمسة للكمان، بالإضافة إلى سيمفونية في صيغة كونشرتو للكمان والفيولا والأوركسترا، إلى جانب حوالي خمسة عشر كونشرتو لآلات النفخ، مما أنجز بالفعل تراثًا في هذا التوازن سابق الذكر. هذا التوازن ساهم في تبديل معنى الكونشرتو وغايته؛ فقد تحول على يد موتسارت من (منافسة) بين العازفين إلى عمل سيمفوني، يؤسس لحوار/جدل بين الآلة الصولو والأوركسترا، ولا يقوم في المقام الأول على استعراض مهارات العازف. أما بيتهوفن فأغلب تجديداته للكونشرتو يمكن فهمها في سياق تجديده العام للتأليف السيمفوني سابق الذكر، من إثراء التفاعل والكودا، واستغلال التفويج، إلخ.

ويتكون الكونشرتو من ثلاث حركات في شكله الاصطلاحي: أولى في صيغة الصوناتا، ثانية في صيغة التنويعات، ثالثة في صيغة الروندو. في أغلب الكونشرتوات تتمتع الحركتان الأولى والثالثة بقسم قرب الختام، وقبل الكودا، يدعَى (الكادنزا) cadenza، وهي من أصل إيطالي، وتعني اصطلاحًا: قسم مخصص للآلة الصولو لبيان براعة العازف. في هذا الجزء يتم استثمار ألحان الحركة بشكل مختلف، يتطلب من العازف مهارة عالية، ويعزف عادة بالآلة الصولو فقط، وسط صمت الأوركسترا.

برغم الأهمية المذكورة لكونشرتوات موتسارت وبيتهوفن، بالإضافة إلى أسلافهما، فلا شك أن أهم الكونشرتوات في تاريخ الكونشرتو هي التي قدمها مؤلفون متخصصون كعازفين كذلك على آلة معينة. هذا التخصص الذي بدأ ينتشر منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخاصة في البيانو. ويستعاد في أعمال هؤلاء المؤلفين المتخصصين في آلات معينة معنى الكونشرتو كمنافسة في العزف، ككونشرتوات باجانيني الستة للكمان، وكل من شوبان وفرانز ليسْت ورحمانينوف للبيانو، وغيرهم. وبصفة عامة إذا أراد المستمع أن يطلع على المدى الذي يمكن لآلة معينة أن تبلغة من جهة قدراتها الميلودية والهارمونية في مجال الكونشرتو فعليه بأعمال هؤلاء المتخصصين، أما إذا كان هدفه الاستماع إلى عمل سيمفوني يتأسس في علاقة معينة بين آلة وبين مجموع آلات الأوركسترا، فلعل ما يناسبه أكثر هو كونشرتوات مؤلفين شاملين كباخ وهندل وفيفالدي وهايدن وموتسارت وبيتهوفن وبرامز وتشايكوفسكي وسيبيليوس وشوستاكوفيتش إلخ. وبشكل أكثر تبسيطًا فإن مؤلف السيمفونية المتمكن، كموتسارت أو بيتهوفن، لن يقدم غالبًا كونشرتوات تتطلب مهارات خرافية من العازف، والعكس صحيح؛ فمؤلف الكونشرتو المهاري عادة ما يتميز بعدد محدود من السيمفونيات الجيدة. السبب في ذلك هو اختلاف الملكات التأليفية التي يتطلبها التأليف لكل من الآلة الصولو والأوركسترا السيمفوني، وعادة ما يبرع المؤلف في أحد الطرفين على حساب الآخَر.

الشكل الثالث في الأهمية ربما هو الصوناتا. وكما ذكرنا أعلاه، فالصوناتا اسم مشترك لكل من شكل الصوناتا وصيغتها. وقد نشأت بدورها كشكل في النصف الثاني من القرن السابع عشر في إيطاليا، زمان تبلور أغلب أشكال الموسيقى الكلاسيكية ومكانه، مما يعزز الأطروحة التي تردّ نشأة الموسيقى الكلاسيكية إلى القرن السابع عشر الميلادي. تعني كلمة "صوناتا" لغويًا إصدار صوت، لكنها اصطلاحًا شكل موسيقي، يتكون من ثلاث حركات، غالبًا لآلة هارمونية كالبيانو، أو لآلتين إحداهما ميلودية كالكمان، والأخرى هارمونية. وبينما تتخذ الحركة الأولى صيغة الصوناتا، فإن الحركة الثانية قائمة على التنويعات، بينما تأتي الحركة الثالثة غالبًا في صيغة الروندو.

الصوناتا هي أول لقاء لنا هنا بموسيقى الحجرة، التي تتميز بطابع وجمهور مختلفين عن الموسيقى السيمفونية. فجمهور موسيقى الحجرة عادة ما يكون أكثر تخصصًا وتمكنًا من تتبع الألحان والتآلفات وتقنيات العزف وأشكال المعالجة، على عكس جمهور الحفلات السيمفونية، الذي هو أكثر عمومية. وبالتالي فإن موسيقى الحجرة عمومًا أقبَل لتقديم التجريب في التأليف والعزف. مما يدعم هذه الخاصية لموسيقى الحجرة أن بيتهوفن بدأ فعلاً في تقديم تجديداته الموسيقية وأعماله الناضجة الأكثر استقلالاً عن هايدن وموتسارت في موسيقى الحجرة، وبالذات الصوناتا، قبل أن يجرؤ على اقتحام مجال الحفلات السيمفونية بمعالجاته غير التقليدية للألحان والتلوين والتآلف بدءًا من (إيرويكا). بيتهوفن كذلك، كما هو في مجال السيمفونية، مرحلة قائمة بذاتها في سياق الصوناتا؛ والسبب وراء ذلك أنه كان أكثر تخصصًا من هايدن وموتسارت في التأليف للبيانو. المدقق في أعمال سلَفَي بيتهوفن للبيانو لن يجد بالضبط ما يمكن أن يطلَق عليه "التأليف للبيانو"، بل ما هو أقرب لأعمال الهاربسيكورد، والذي يختلف عن البيانو في أنه لا يتمتع بدرجات متفاوتة في شدة الصوت، المتناسبة طرديًا مع قوة الطرق على المفاتيح. هذا هو الفارق الأول الهام بين أعمال بيتهوفن وبين مؤلفات هايدن وموتسارت للبيانو؛ فهذان الأخيران لا يستغلّان كثيرًا ما للبيانو من إمكانية تطويع درجة ارتفاع الصوت، رغم أن كلمة بيانو نفسها، والتي هي اختصار لـ "بيانو=منخفض" و"فورتي=مرتفع" Pianoforte، دالة لغويًا على هذه الخاصية. كان عدم الاستغلال المذكور من الثمار الناضجة، التي ألقت نفسها طواعية في راحة بيتهوفن، الذي وجد مجالاً جاهزًا غير مطروق ودون منافِس للتأليف المتخصص للبيانو. الفارق الثاني هو الهارموني، الذي اقتصد فيه هايدن وموتسارت وجلوك وسالييري، في حين توسّع فيه بيتهوفن بدرجة هائلة، ليعود إلى مكانته، التي حازها في عصر الباروك.


"لكل موسيقار كلاسيكي، كما لكل قدّيس، معجزة، أو أكثر."


هذا قد يعني أن هناك ارتباطًا طرديًا بين تطور إدراك ما للبيانو من قدرات غير محدودة تقريبًا عند الموسيقيين وبين تطور الصوناتا، وهو صحيح تمامًا؛ لأن البيانو آلة أساسية في معظم تاريخ الصوناتا. وقد انتهز بيتهوفن فرصة هذه العلاقة. ولأن الصوناتا من موسيقى الحجرة، وموسيقى الحجرة موجهة في الغالب لجمهور متخصص، فإن احتمالات نجاحها أكبر. ولهذا قدم بعض الموسيقيين عددًا أكبر من الصوناتات مقارنةً بالسيمفونية؛ فبيتهوفن مثلاً، الذي قدم تسع سيمفونيات فقط، قد وضع ما بلغ كمّه ٤۷ صوناتا، وقد قدم برامز أربع سيمفونيات وثماني صوناتات. قبلهما قدم موتسارت ٤۱ سيمفونية، أما في مجال الصوناتا فقد وضع عددًا هائلاً، يحتاج إلى آلة حاسبة، ويبلغ تقريبًا ۸۲ صوناتا (كل هذه الأرقام بصدد مختلَف الصوناتات لا للبيانو فقط). لكن الملاحَظ أن عدد الأعمال في شكل الصوناتا بدأ ينحسر تدريجيًا بعد بيتهوفن في قائمة أعمال الموسيقيين، علة ذلك أن هذا الأخير قد قدم تقريبًا أغلب ما يمكن للموسيقار تقديمه في هذا المجال، مع استغلاله المُركَّز لفرصة كون قدرات البيانو الأساسية غير مستثمَرة بعدُ في عصره كما ذكرنا.

أكثر الصوناتات شعبية وقابلية للفهم من جهة المستمع غير المتخصص هي صوناتات بيتهوفن للبيانو؛ لما تتضمنه من جمل لحنية واضحة، ومعالجة درامية، كالعاطفية رقم ۸، وضوء القمر رقم ۱٤، وفالدشتاين رقم ۲۱، وأباسيوناتا رقم ۲۳. لكن بعض صوناتات موتسارت كذلك ذات شعبية واضحة. المارش التركي الشهير في الأصل هو الحركة الثالثة في صيغة الروندو من صوناتا موتسارت رقم ۱۱ للبيانو المنفرد. وموضوع الصوناتا العام هو حوار بين آلتين، إحداهما هارمونية والأخرى ميلودية كما ذكرنا، أو حوار ذاتي، مونولوج، لآلة مفردة، في جوّ من التجريب والتأمّل الهادئ. لذلك يمكن تأليف صوناتا للأوركسترا كذلك، مثل Sonata per la Grand Viola لباجانيني؛ حيث يحمل العمل (موضوع) الصوناتا أكثر من (شكلها).

اللقاء الثاني بموسيقى الحجرة يكون مع الرباعي الوتري. وهو كما يدل اسمه مقطوعة لأربع آلات وترية، غالبًا ما تكون آلتين للكمان، وواحدة لكل من الفيولا والتشيللو. وكما ذكرنا في مقال زمن الموسيقى ومكانها فإن العنصر الذي لا يغيب عادة عن ذهن المستمع للرباعي الوتري أنه حوار-جدل بين آلات من (عائلة) واحدة، وليست مجرد عائلة من عائلات الأوركسترا، بل عائلة الوتريات، التي هي العمود الفقري للأوركسترا السيمفوني. هذا يعني أننا نستمع لروح الأوركسترا ذاته ملخَّصًا في أهم آلاتها من حيث قدرتها التعبيرية. الخاصية الثانية المميزة للرباعي الوتري أنه موسيقى الوتريات، وما يشهد أكبر تفاعل مركَّز بينها. أما الخاصية الثالثة فهي مشتركة مع الصوناتا، أنه من موسيقى الحجرة، التي هي كما سبق أقبَل للتجريب.

وأهم مجموعة للرباعي الوتري بلا منازع هي رباعيات بيتهوفن، والتي تبلغ ستة عشر رباعيًا وتريًا، إضافة إلى الفوجة الكبيرة للرباعي الوتري، التي كانت في الأصل الحركة الختامية من الرباعي رقم 13 له. وأكثرها شعبية الرباعي رقم واحد مصنف 59 (مجموعة رازوموفسكي) والرباعي رقم 14. في القرن العشرين تحتل مجموعة رباعيات شوستاكوفيتش الخمسة عشر مكانة هامة كذلك، فهي أكبر وأهم مجموعة رباعيات في ذلك القرن. أكثر رباعيات شوستاكوفيتش شعبية هو الرباعي رقم 8.

من الأشكال الهامة كذلك لموسيقى الحجرة الفوجة وذلك لما تتميز به الفوجة من شكل محدد لمعالجة الألحان، فهي الشكل الوحيد ضمن الأشكال الكلاسيكية الذي يتمتع بهذه الخاصية، في حين يتم تصنيف الأشكال السابقة والتالية طبقًا لعدد الحركات وصيغها والآلات والمضامين. وتقوم الفوجة على جملة لحنية بسيطة، يتم استثمارها وفقًا للتنويع على المقامات والأوكتافات. وهذا هو سبب تسمية الفوجة، التي تعني بالإيطالية "المُطارَدة"، حيث تبدو الجمل اللحنية متنوعة المقامات والطبقات كأنها تهرب بعضها من بعض في سيل فيّاض غامِر. وقد استغلّ بيتهوفن هذا الشكل لمعالجة الكثير من ألحانه في أعماله السيمفونية كما رأينا. أهم مجموعة للفوجات هي فوجات الأرغن ليوهان سيباستيان باخ، وأشهرها مصنف 565 في مقام ري الصغير. وقد تكون الفوجة، مع بقية أعمال موسيقى الحجرة، أصعب نوعًا على المتلقي المبتدئ مقارنة بالأشكال السيمفونية؛ لأنها أقل شهرة وجاذبية، وأن الفوجة تحديدًا تتطلب قدرة أكبر نسبيًا على تتبع اللحن في عدد من المقامات.

نعود إلى الأشكال السيمفونية مع الافتتاحية. الافتتاحية في الأصل مقدمة موسيقية للأوبرا، ولم تستقل كعمل بذاته إلا مع بيتهوفن. بالرغم من ذلك فإن افتتاحيات الأوبرا تقدَّم في الحفلات السيمفونية أحيانًا بغض النظر عن منشئها. موضوع الافتتاحية هو ذلك التقديم ذاته بلا متن، فهي مجرد فاتحة لقصة درامية، لكنها لا تتضمن حدثًا كالمتتالية أو القصيد السيمفوني مثلاً، بل تلخِّص الجوّ العام لعمل درامي دون أن تكون موسيقى تصويرية لأحداثه. تتكون الافتتاحية عادة من جملة برّاقة في البداية، متبوعة بجزء غنائي الطابع، تتم استعادته بأشكال مختلفة فيما بعد. أشهر الافتتاحيات افتتاحيات الأوبرات الإيطالية، وأوبرات موتسارت، كزواج فيجارو، ودون جيوفاني، وافتتاحيات بيتهوفن، كإيجمونت، وإليانورا-۳، وفيديليو، وكوريولانوس، وافتتاحيات تشايكوفسكي الشهيرة، كروميو وجولييت، وافتتاحية ۱۸۱۲، وافتتاحيات فاجنر، حيث تبرز افتتاحية أوبرا تانهويزر بالذات كأهم عمل ميلودي ربما لفاجنر. بعد فاجنر قلَّ عمومًا التأليف للأوبرا، وانكمش الاهتمام بشكل الافتتاحية.

أما القصيد السيمفوني فقد تأسس كشكل على يد فرانز ليسْت، الذي وضع ثلاثة عشر عملاً في هذا الشكل. وقد اتخذ هذا الاسم؛ لأن ليسْت بدأ فعلاً التأليف في هذا الشكل ليصوّر مشاعره وأفكاره لدى قراءته لفكتور هوجو ولامارتين وغيرهما، فهو التعبير الموسيقيّ عن الشعر. لكن القصيد السيمفوني كذلك قد يتضمن دراما ما، كما نجد في أكثر القصائد السيمفونية شهرة وشعبية "المقدمات" Les préludes لليسْت عن شعر ألفونس دو لامارتين.

الشكل الكلاسيكي لموسيقى الآلات المعبّر عن الدراما بدرجة أكثر مباشرةً من غيره هو المتتالية Suite. وتتكون المتتالية من عدد من الحركات، كل منها تمثل فصلاً في رواية. مع ذلك قد لا تشير المتتالية إلى دراما محددة، كـ"متتالية على ألحان لباجانيني" من تأليف رحمانينيوف للبيانو والأوركسترا. ليست للمتتالية صيغة معينة، ما يميزها هو تعدد الحركات ووحدة الموضوع كمتتالية شهرزاد لكورساكوف (في صيغة سيمفونية). يطلَق لفظ المتتالية كذلك على الموسيقى المأخوذة من الموسيقى التصويرية للباليه أو السينما، كمتتاليات باليهات "بحيرة البجع"، و"كسارة البندق"، و"الجمال النائم" لتشايكوفسكي، ومتتالية "جادفلاي" لشوستاكوفيتش المأخوذة عن موسيقى فيلمية. المتتالية كذلك شكل قديم يعود إلى القرن السابع عشر، حيث لم تكن قد تبلورت بعد كعمل درامي، ولكن يجمع حركاتها وحدة الجوّ العامّ، كمتتاليات باخ الشهيرة، بالذات رقم 3، لأوركسترا الوتريات والهاربسيكورد، ومنها مقطوعة Air المعروفة.

كان هذا بصدد أهم الأشكال الكلاسيكية، التي تتنوع فوق ذلك لتشمل التوكاتا والكانتاتا والبارتيتا والأوبرا والباليه والبالاد والمقدمة والدراسة والسيرينادا والنوكتيرن وغيرها، لكن شرح كل ذلك يضيق عنه المقام الحالي، وبعضه يناسب مرحلة أبعد في التلقي الموسيقي.


هـ- الآلات


تندرج أغلب آلات الأوركسترا السيمفوني في عائلات، وأهمها: عائلة لكل من الوتريات، والهوائيات الخشبية، والنحاسيات، والآلات الإيقاعية. ليس من المبالغة القول بأن لكل آلة طابعًا خاصًا وسياقًا حضاريًا معينًا؛ فالبيانو (وهو من عائلة ذوات المفاتيح مع الأرغن والهاربيسكورد والأورج الكهربائي والأكورديون) أكثر ارتباطًا بالموسيقى الألمانية، والغربية عمومًا، مقارنة بالطابع الشرقي للعود أو القانون مثلاً. الكورنو من عائلة النحاسيات يوحي بطابع الغابات الغربية ورحلات الصيد، أما الترومبيت والترمبون والهورن فتوحي بحركة الجيوش في المعركة، حين كانت هذه الآلات بالذات؛ لارتفاع صوتها، تستعمَل لإعلان تحركات الميدان في العصور القديمة والوسطى ومطلع الحديثة.

بالتالي يمكن القول أن ما تقدمه الآلة لا يقتصر على عناصر الموسيقى البحتة، كاللحن والهارموني واللون، بل تتعدى ذلك إلى الطابع الذي يتكون ضمن سياق جغرافي-تاريخي-ثقافي. إن التوسع في استعمال النحاسيات عند بيتهوفن مثلاً بدءًا من السيمفونية الثالثة قد يكون مرتبطًا بالمناخ الثوري العنيف إبان الثورة الفرنسية. وما نراه في مقتبل قسم إعادة العرض من عزف اللحن الأساسي في الحركة الأولى بالكورنو بشكل منذِر مهدِّد قد يعبّر عن تحوّل درامي في مسار معركة ما على الأرض، ليس فقط بسبب التنويعة التي يعزفها الكورنو، بل كذلك بسبب استعمال الكورنو نفسه في هذا الموضع. يختلف الأمر مثلاً إذا كان هذا الجزء معزوفًا بالفلوت أو الأبوا. الخلاصة أن اختيار الآلات (التوزيع) لا يتم بشكل عشوائي بالتأكيد، ولا لمجرد إضفاء ألوان على المعزوفة لكسر الرتابة والرمادية، بل كذلك لتأدية وظيفة تعبيرية رمزية.

من ضمن أهم المصطلحات، التي استعملناها فيما سبق، والتي هي على جانب كبير من الأهمية حين نتحدث عن الآلات، مصطلح التلوين Coloration، الذي يتم به التعبير أحيانًا عن معنى الجرس الموسيقي Timbre. لمصطلح التلوين معاني عديدة حسب السياق المستعمَل فيه، لكنه في السياق المرتبط بالآلات يختلط فعلاً بمصطلح الجرس، أي نوع الصوت الذي تنتجه الآلة. فبواسطة مزج محسوب بعناية من أصوات آلتين أو أكثر يمكن لنا إنتاج جرس جديد. الفلوت مع مجموعة الكمان مثلاً لون مختلف عن الترومبيت مع الكمان. وربما بدا من قبيل الرتابة الإقرار بدور بيتهوفن الأساسي في هذا المضمار، لكنها الحقيقة؛ فقد مثّلت السيمفونية الثالثة لبيتهوفن فتحًا حقيقيًا في مجال التلوين بهذا المعنى. لكن اضمحلال قدراته السمعية التدريجي أقعده عن تطويره. بعد بيتهوفن خطا التلوين إلى آفاق أبعد؛ فهكتور برليوز وليسْت مثلاً يعدّان ممن مثلوا تطويرًا لهذا المجال. ومن أفضل الألوان الأوركسترالية على الإطلاق ألوان تشايكوفسكي، كما في باليهاته، وفي سيمفونياته الست. على أن رحمانينوف، تلميذ تشايكوفسكي وصديقه، قد فاقه في ألوانه، وهي من معجزات رحمانينوف.

وكما قلنا في مقال سابق: لكل موسيقار كلاسيكي، كما لكل قدّيس، معجزة، أو أكثر.

تجب الإشارة إلى أن الطابع الذي تقدمه الآلة كما سبق شرحه يعتمد على عاملين: خبرة موضوعية بالآلة، وخبرة ذاتية للمستمع. فمن جهة أولى يعرف المتلقّي من التاريخ والسينما مثلاً دور النحاسيات العسكري، لكنه من جهة ثانية قد يطوِّر خبرة خاصة بالآلة، فترتبط لديه هو بالذات ارتباطات مختلفة. لكن غالبًا ما تمتزج الخبرتان في وعي المتلقي لتصنعا مزيجًا، تشكل حصيلته النهائية ما يتلقاه المستمع من جرس الآلة. في إطار الاستماع الممنهج على المستمع المبتدئ أن يدخل في علاقة مع كل آلة من آلات الأوركسترا، وأن ينقّب في وعيه بها، ليكتشف لها شخصية معينة، كما أن لكل إنسان في محيط معارفه صوتًا يحمل جزءًا من شخصيته. في الواقع فالأمر أكثر تفصيلاً من ذلك مع مراحل أبعد في التلقي؛ حيث لكل أوكتاف على كل آلة على حدة شخصية بعينها.


و- المدراس الكلاسيكية (الاستماع المقارن)


من خطوات الاستماع الممنهج كذلك الاطلاع على أهم خصائص المدارس المختلفة في التأليف الكلاسيكي. هي عملية جدلية، أي تُنجَز عن طريق الاستماع إلى أكثر من مدرسة في الفترة التأسيسية للمستمِع؛ لأن تلك الخصائص لا تظهر إلا بالمقارنة. قيمة هذه الخطوة هي أن التلقي الفني عمومًا لا ينعزل عن سياقه الموضوعي قطّ، بل يعتمد على خبرتين: إحداهما موضوعية خارجية، وهي التي يدرسها النقد الفني وتأريخ المدارس، والأخرى ذاتية داخلية، وهي خبرة المتلقي ذاته بالأعمال الفنية. فمن الصحيح أن المستمِع قد ينفعل بسيمفونية لموتسارت أو بيتهوفن، وقد يتعلق بها، لكنه دون الخبرة الموضوعية النقدية العامة سيظل معزولاً عن سياق عام يجمع ما هو مشترَك عند التلقي بين متلقين مختلفين. من أهمية هذه الخطوة كذلك أن الوعي بالمدارس الموسيقية يضع المتلقي على العتبة الصحيحة لتلقي النقد الموسيقي كذلك وتحليل الأعمال، وهذه العتبة ضرورية لاختصار الوقت اللازم لإحداث عملية التحول المركزي من الموسيقى اللحنية إلى التركيبية، والذي هو العقبة الرئيسية، التي تحول دون الدخول إلى عالَم الموسيقى الكلاسيكية، كما سبق تصديره في تقديم هذا المقال.

المدارس الكلاسيكية كثيرة، بعضها تطوير لبعض، وبعضها نقيض له. وفي عصور بأعينها سادت مدارس محددة، كالباروك في القرن السابع عشر والنصف الأول من الثامن عشر، والكلاسيك في النصف الثاني من الثامن عشر، لكن، وفيما بعد ذلك، تزامنت غالبًا أكثر من مدرسة موسيقية. هذا يعني أن التقسيم التاريخي للمدارس ذو جدوى بالفعل في حقب معينة. إلى جانب التاريخي فالتقسيم الجغرافي كذلك ذو أهمية؛ كما تحدثنا عن الفوارق الرئيسية بين الموسيقى الألمانية وبين الموسيقى الإيطالية والروسية. في النهاية فإن لدينا ثلاثة أنواع من التقسيم: نقدي، وتاريخي، وجغرافي. وأهم المدارس الكلاسيكية: الباروك، الكلاسيك، الرومانسية البطولية، الرومانسية الشاعرية، الرومانسية الخيالية أو المتأخرة، التكعيبية، الكلاسيكية الجديدة، التأثيرية، الواقعية، الحداثية، السريالية. وليست كل هذه المدارس على القدر ذاته من الأهمية والتأثير؛ فكلما كانت المدرسة أقدم، وأطول امتدادًا تاريخيًا، وأوسع انبساطًا جغرافيًا، وأكثر ثراءً بالموسيقيين العظماء، كلما كانت أعمق في تشكيلها لتاريخ الموسيقى اللاحق. موسيقى الباروك مثلاً ذات أهمية كبرى لأن أغلب الأشكال الكلاسيكية تأسست فيها، كالكونشرتو والمتتالية والفوجة والتوكاتا والكانتاتا والأوراتوريو وغيرها. المدرسة الكلاسيكية ساهمت مساهمة بالغة الأهمية في تأسيس السيمفونية وإعادة بناء الكونشرتو.

بعض المدارس تكتسب أهميتها من التعبير عن حدث في التاريخ المعاصر، لم يزل أثره إلى اليوم، كالمدرسة الحداثية في تعبيرها عن حطام الحرب العالمية الثانية، وطغيان الآلة على الإنسان.

الكلاسيكية بصفة عامة كمدرسة في الفن تَعقد علاقة بين الفن التطبيقي والفن الجميل؛ أي أن العمل الفني في جانبه ذو وظيفة ما عامة لخدمة طبقة من النبلاء والحكّام، وفي جانبه الآخَر تجربة إبداعية-جمالية خاصة. لهذا وضع هايدن وموتسارت مئات الأعمال، بالأسلوب نفسه تقريبًا، دون تجربة ذاتية واضحة، تعبّر عن شخصية الفنان، وخبرته الفردية. وطالما انتفى عامل التجربة الشخصية فإن المعيار الرئيسي المتبقّي لتقييم العمل نقديًا هو مراعاة القواعد الشكلية، والمهارة في الحركة داخل حدود هذا التقييد. على العكس قامت المدرسة الرومانسية بالفصل الحاد بين التطبيقي والجميل في الفن، وهو ما استمر أثره إلى الآن في كليات للفن التطبيقي وأخريات للفن الجميل. صحيح أن الواقعية حاولت إعادة هذه الصلة بين الفنّين بشكل مختلف، هو افتراض وظيفة محددة اجتماعية-سياسية للفن، لكننا لم نزل برغم ذلك نفرق بين عمل تعبوي-دعائي وعمل فني ذاتي أصيل. بالتالي اكتسبت الرومانسية نقديًا معيارًا مختلفًا لتقييم العمل، وهو مدى أصالة التجربة الذاتية وراء العمل الفني، ومدى قدرة الفنان على استغلال الأداة الفنية للتعبير عنها، بشكل مجدِّد، دون أن يقع في الإسراف في استعراض الابتكارات على حساب الضرورة التعبيرية، أو أن يكرر ذاته دون ابتكار كافٍ، مما قد يعني أنه يدور في تجربة شعورية واحدة. وهذا هو السبب في أن الموسيقيين بدءًا من بيتهوفن قد قدموا عددًا أقل كثيرًا من الأعمال؛ لأن التجارب الأصيلة في حياة أي منّا محدودة العدد بطبيعة الحال. كل سيمفونية مثلاً لبيتهوفن تجربة قائمة بذاتها، وخاصة بدءًا من سيمفونيته الثالثة.

لكن الرومانسية كمدرسة موسيقية أكثر تركيبًا من الكلاسيكية؛ فهي أطول تاريخًا، وأوسع جغرافياً. وتنقسم بشكل عام إلى ثلاث مدارس فرعية: المبكرة أو البطولية، وفيها موسيقار واحد فقط، هو بيتهوفن، في فترته الإبداعية الوسطى بين ۱۸۰۰ و ۱۸۱۲ تقريبًا.

بيتهوفن هو الموسيقار الوحيد-فيما نعلم-الذي انفرد بمدرسة وحده. في سياق هذه المدرسة يقوم بيتهوفن باستغلال الرومانسية للتعبير عن فكرة البطولة من خلال تجارب متنوعة: نابليون بونابرت في إيرويكا، الحب البطولي في سيمفونيته الرابعة، الصراع مع القدر في خامسته، وغيرها. تلي البطوليةَ المدرسة الشاعرية. وهي تتضمن ثلاثة من الأعلام بشكل رئيسي: شوبرت، وشومان، وشوبان. فيها تحاول الموسيقى إنتاج خبرة شبه شعرية، كأننا نقرأ قصيدة في هدوء، وكأن الموسيقى تتكلم لا تغنِّي بالضبط. تميزت إذن ألحانها بحركة أشبه بالكلام، وبجوّ هادئ يصلح للتأمل، نقيض العواصف البيتهوفنية. وقد ازدهرت فيها تحف البيانو الصغيرة كالبالاد والدراسة والإسكرتسو والبولونيز. أما المدرسة الرومانسية الأكثر انتشارًا، والتي يعرفها أكثر المستمعين باعتبارها رومانسية، فهي الرومانسية المتأخرة أو الخيالية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد سميت بالخيالية لأن كثيرًا من موضوعاتها اشتق من أساطير محلية وأجنبية أو أعمال أدبية، وتمتعت بجوّ يثير الخيال، ويخلق عوالم بديلة. كما إنها قد تحررت أكثر في تعديل الصيغ الموسيقية، واستعمال آلات جديدة كالمثلث والدف والأجراس، وإنتاج أصوات مبتكرة. من أهم أعلامها مجموعة الموسيقيين الروس في القرن التاسع عشر ككورساكوف وتشايكوفسكي وجلينكا وبورودين وموسورسكي وبالاكيريف، ومن المجر ليسْت، ومن التشيك دفورجاك، ومن الشمال نيلسن وجريك، ومن إيطاليا روسيني وفردي وبوتشيني وباجانيني، ومن فرنسا كامي سان صانص وبول دوكا، ومن ألمانيا بالطبع برامز ومندلسون وفاجنر. ويمكن أن يعتبَر هذا الأخير المحطة النهائية في الرومانسية عمومًا.

تليها مدرسة ما بعد الرومانسية، يطلَق تعبير (ما بعد) أو (ما قبل) في العلوم الاجتماعية بعامّة للتعبير عن نزعة لم تتبلور تمامًا بعد، مقارنة بما يسبقها ويليها. وبالفعل فهذه المرحلة كانت الخروج البطيء الحذر من رداء الرومانسية، لتحسس عتبات التأثيرية بالذات. أهم أعلامها اثنان: سيبيليوس في فنلندا، ورحمانينوف في روسيا ثم أمريكا. تتميز بدرجة أقل من الإخلاص للأشكال الموسيقية، مع تجديدات أكثر تطرفًا، وروح غامضة صوفية، ومع تردد في الثبات على شكل محدد. وقد استمرت من أواخر القرن التاسع عشر إلى العقود الثلاثة الأولى من العشرين.

أما المدارس الموسيقية التالية فكانت كثيرة ومتزامنة في القرن العشرين، وقد يطلَق عليها جميعًا عنوان الموسيقى المعاصرة. فيها لم يعد الشكل ذا أهمية كبيرة، بل صار موضوعًا لتفعيل قدرات الفنان الإبداعية، فلكل عمل شكله الخاص تقريبًا. انهارت فيها سلطة النقد الموسيقي في أغلب أقطار الأرض، وصار فيها جمهور الموسيقى الكلاسيكية أكثر تنوعًا، وارتبطت فيها الموسيقى كذلك بالسينما، لا الباليه والأوبرا فحسب. أعلامها كثُر، منهم على سبيل المثال: ديبوسي ورافيل التأثيريان، وسترافنسكي، الذي يغطي منجزه الفني أكثر من مدرسة، من التكعيبية إلى الكلاسيكية الجديدة، وشونبرج النمسوي السريالي، وشوستاكوفيتش الذي لا يصنَّف غالبًا ضمن مدرسة معينة، لكن موسيقاه-في رأي البعض-كانت أصدق تعبير عن روح ما بعد الحرب الثانية المفككة والمنهزمة.

أسهل المدارس أمام المستمع المبتدئ هي مدارس الرومانسية المختلفة، بالذات البطولية والخيالية. في حين تصعب المدارس المعاصرة عادة عليه؛ لما تتضمنه من تجديدات شكلية مهولة، لأن بعضها لا يقوم أصلاً على لحن كشوستاكوفيتش، بينما تتطلب مدارس الباروك وعيًا أكبر نسبيًا بنظرية الموسيقى وتاريخها.


ثالثاً

ختام: استراتيجية السماع

هنا نعرض لكيفية الاستفادة بالمعلومات سابقة الذكر بالنسبة لمستمِع مستجد للموسيقى الكلاسيكية. يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أخيرًا فإن عالَم الموسيقى الكلاسيكية يستحق هذا التعب، الذي سيؤتي ثماره سريعًا، ولكن بالتدريج؛ فهو عالَم خارق الجَمال. وعلى المتلقي أن يحاوِل السفَر إليه وفيه، ولكنّ أحدًا لا يعِده بالعودة.