الخوارج | الأغنية مدخلًا إلى ثقافة الشباب

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات لفيروز كراوية حول الموسيقى المصرية المعاصرة وثقافة الشباب.


في سن الثالثة عشرة، انتظمت في دبلومة للدراسة الحرة لمدة ثلاث سنوات في معهد الموسيقى العربية. كنت أنزعج وقتها أثناء درس الموشحات من مطالبات أساتذتي بطريقة محددة في الأداء، وأشعر بضجر كبير من اضطراري للاستجابة ومحاكاة عرب وعفقات وقفلات غنائية، بأسلوب ينفر منه سمعي ويبدو كوميديًا بالنسبة لي – ألم يكن يكفي الاضطرار لغناء كلمات مثل آمان وجانم عمرم أفندم في سن كهذه؟  (فيما بعد فهمت أن التدريب حتى لو انتهج أكثر الأساليب التقليدية ينمي قدرات الصوت ويفتح أفقًا لأساليب أخرى في الأداء).

أثناء بروفات حفل للمعهد كنت أغني أهو ده اللي صار مع الفرقة الموسيقية. أوقف الأستاذ / قائد الفرقة العزف وتوجه إلي بنظرة محقق: 

– إنتي بتسمعي فيروز؟

– أيوه.

– عشان كده. ده ربع افرنجي اللي انتي بتقوليه ده. بطلي تسمعيها هتبوظلك صوتك.

كان هذا العالم كله جديدًا. لم أغن قبله سوى على مسرح المدرسة بالفرنسية، ولم أدرس الموسيقى إلا في حدود تمارين الفوكاليز التي كانت تدربني عليها مديرة مدرستي، وكذلك تحفظني ترانيم كنسية فرنسية وعربية. كنت أسمع فيروز في سيارة أبي، ونشأت ألفة بيني وبين صوتها الذي يهمس لي وأنا في الكنبة الخلفية، يداعب كدر الطفولة غير المفهوم، ويغري بالسعي لفهم مفردات العامية اللبنانية التي طاوعتني مبكرًا وأحببتها. كانت الغناء العربي الوحيد الذي أقترب منه ويقترب مني حتى بلغت العاشرة. وقتها كنت ربما أدندن معها بصوت خفيض يتوه بين نبرات صوتها، فلا أعرف إن كان غناءً أم لا، صحيحًا أم لا، لكنها بشكلٍ ما كلما غنت أحببت أن أغني معها.

لذلك لم أستطع أن أفهم توبيخ الأستاذ، ولا العرب الأفرنجي، ولا الرغبة العنيفة في تجريح صورة تملأ فضاء مشاعري بهذا العمق. لم أفهم وقتها صراع مدارس الموسيقى العربية، وآرائها المتشعبة، وأحزابها التي يعتد كل منها باتجاه، ويقذف الاتجاه الآخر باتهامات تصل حد الخروج عن الملة.

في مكانٍ آخر، بيتنا وشارعنا، اللذان ينتميان إلى حي شعبي في مدينة بورسعيد، كان عمري حوالي سبع سنوات حين عرّفني ابن عم لي على أشرطة الكاسيت. كنا رفقاء في حبنا للعب كرة القدم ومشاهدة أفلام بروس لي وأميتاب باتشان، وكان يسرب لي ألبومات لـ عمرو دياب وحميد الشاعري ومحمد فؤاد. كنت أحب أن أختلي بجهاز كاسيت صغير خلف باب حجرتي، أسمعها وأنا محرجة أن يكتشفني أبي مستمع فيروز، التي عرّفتها على أنها نموذج للفن الراقي. كنت أرفع الكاسيت حتى ينكتم الصوت الخارج ويتجمع في أذني، وتدغدغني فرحة طاغية كلما أعجبتني أغنية لأحدهم، أظل أستعيدها، ولا أريد أبدًا أن ينتهي هذا الوقت، أو يقطعه نداء أمي أو دخول أختي. 

في ١٩٨٨ ظهرت لولاكي لـ علي حميدة. أنذرت الشهرة الرهيبة للأغنية الجميعَ بأن هناك شيئًا كبيرًا يتغير. حتى الذين هاجموا أجيال الأغنية الشابة الجديدة اعتبروا ما قبلها نموذجًا لغناء رصين نسبيًا، مقارنةً بكل ملامح لولاكي: سرعتها، الصوت البدوي الرفيع لمغنيها، لحن من جملتين وردود عليهما – أغنية بلا كلمات كما أطلق عليها. قيل وقتها إن علي حميدة أرغم النجوم مثل عمرو دياب على إعادة التفكير فيما يقدمون، وأشعرهم بتهديد سرعان ما قضى عليه هو نفسه، إذ فشلت كل محاولاته التالية في تحقيق أي نجاحٍ مماثل.

على ذلك، لفتتني الأغنية وشهرتها، ولفتني أكثر الالتحاق بمن حولي. الأغنية الضاربة علامة زمنية، نعرف بها وقتها وأجيال مستمعيها. الانعزال عنها بمثابة انفصال عن الزمن، ولو بالسماع العابر يبقى تعرفك على الأغنية الضاربة في وقتٍ ما مقياسًا لمعاصرتك لما يحدث حولك.

https://youtu.be/-pOEM8edzBc

تيقظت داخلي رغبة قوية في الخروج من دائرة السرية التي كنت أستمع بها لأغنيات مطربين جيلي. رغبةٌ في الحقيقة، في كسر حصار فرضته على نفسي، وخجل افتراضي من انكشاف سر تلذذي بما يوصم بأنه ذوق هابط.

يصعب وقتها تفسير تلك الرغبة كما أتحدث عنها الآن. كانت ببساطة إحدى أوائل الرغبات في الإفصاح عن نفسي، عما تحبه، أيًا كان، عن قبولي لها على أية حال، هابط أو راقٍ. خرجت لأبي أطالبه أن يعود الليلة إلى المنزل ومعه شريط لولاكي. لمدة أسبوعين تقريبًا يعود أبي إلى المنزل يوميًا وأنا في انتظاره على أحر من الجمر، ليخبرني أنه لم يجده. حتى الآن لا أعرف إن كان تعمّد ألا يشتري الألبوم أم كان صادقًا، لكني غضبت جدًا، كنت أسمع الأغنية في كل مكانٍ حولي، كيف يصبح الشريط نادر الوجود هكذا؟

كنت قد بدأت أركب دراجة صغيرة وأدور بها في مربع محدود من الشوارع حول البيت. في يوم، وقد فرغ صبري، قررت أن أمضي أبعد قليلًا بالدراجة لأبحث عن محل قريب يبيع أشرطة الكاسيت. أخبرني ابن عمي أن هناك واحدًا على ناصية بعيدة لشارعنا. خرجت بالدراجة إلى الشارع الرئيسي، وخمنت من بوسترات معلقة أن هذا هو محل الكاسيت. قلت للرجل: 

– عندك شريط لولاكي؟

– أصلي ولا مضروب

– إيه؟

– أصلي ب ٦ جنيه ومضروب بـ ٣ جنيه.

أسرعت إلى البيت، صعدت لآخذ ثلاثة جنيهات من أمي وعدت سريعًا إلى المحل، أعطاني كاسيت لونه بمبي فاقع، بلا كلام مطبوع أو أي شيء يدل على محتواه. عدت إلى البيت وقلبي يدق بقوة، لا أطيق الانتظار حتى أصل إلى الكاسيت الصغير، ولدي شك أن الشريط سيكون بالفعل لولاكي. عندما انطلق الصوت “لولاكي لولا لولا لولا”، كنت أسترجع مغامرة بدت وقتها صاخبة جدًا؛ خروج إلى الشارع الرئيسي، شراء أول شريط كاسيت، وانتصاري على أبي.

قصدت برواية هذه الحكاية الشخصية، وهي ربما حكاية عامة مر بها كل منا بشكل مختلف، إيضاح هذا الارتباط بين موجات الغناء والأبعاد الجيلية. تحمل التغيرات السنية معها العديد من التغيرات الشخصية، ومعها تغيرات الذوق. كما نرى من الحكاية، الذوق أيضًا ليس موسيقيًا خالصًا، ولا غنائيًا فقط. يتدخل في صناعة الذوق موقعنا الجغرافي، تربيتنا في بيئة معينة، نمونا الشخصي والعاطفي، وما يفرضه السياق المحيط. بين الأنواع الفنية المختلفة، ربما تكون الأغنية في مسيرة حياتها أكثر السطوح شفافية وحساسية لمكونات الذوق هذه.

ليست الأغنية فيلمًا نقتطع من وقتنا لنجلس ونشاهده، ولا متحفًا أو معرضًا نقطع مشوارًا لنقف أمام لوحاته ومقتنياته، ولا عملًا موسيقيًا متطلبًا يمتص تركيزنا وإنصاتنا. الأغنية أبسط، ومن هنا أعقد فيما تأخذه من أبعاد اجتماعية وذاتية. نافذة ومراوِغة وتلبس أثوابًا تجعل تعقبها مستحيلًا، وبأثوابها المتنوعة تُعرفنا على أبسط ذواتنا وأغربها، وأكثرها إثارة ربما لجزعنا. لماذا نجزع كلما وجدنا أنفسنا ندندن الأغنية التي قلنا بثقة أننا كرهناها عند الاستماع الأول؟ أو تداهمنا من الذاكرة أغنية لم نحمل لها تقديرًا خاصًا بعد سنوات من تخيلنا أننا نسيناها؟ نجزع من رقص أجسادنا وفضولنا نحو أغنية مبتذلة / هابطة كما تعلمنا، ونجزع من اختراق أغانٍ لا ندركها أصلًا لأسماع أجيال تسبقنا أو تلينا.

هنا يختلط الاجتماعي والفني كثيرًا حتى لا نعود نميزهما. من حيث تذوق الفنون هما دومًا مختلطان، وفي حالة الأغنية العربية بالذات، اختلاطهما أقوى دلالة. ببساطة لأن الغناء في بلاد الممنوعات اللا نهائية كان نافذةً للمسموح. بقدر ما استطعنا أن نسمح، بقدر ما استطعنا أن نحلم. كان الغناء الفن الشريك، ولنقل إنه الفن الذي عرّفنا على الموسيقى وليس العكس. يوم اكتسبنا القدرة على صناعة التسجيلات، وخرج الغناء من نطاق المسارح والملاهي التي تستلزم حضورًا حيًا، واجه التحريم والحرب، ككل فن سريع الانتشار وواسع التأثير الاجتماعي، وككل فن حسي يقارب الجسد وخلجاته وتطلعاته، كالرقص. واجه الغناء كارهيه بنزق فنانيه، وبولع جماهيره. تربى الغناء بين معاركنا الثقافية والسياسية والاجتماعية، وبدوره ربّانا.

اليوم أيضًا يشهد الغناء العربي نقطة صراع جديدة، مع موجات موسيقية شابة بدأت بسحب البساط من تحت موجات سبقتها وعاشت طويلًا عبر أجيال متعددة. المهرجانات، الراب، التراب، المزيج بين هذا وذاك وتقاليد الغناء الشعبي (فلكلوري أو مديني)؛ أغنيات تنهال عليها المشاهدات على يوتيوب، وتجتاح الأفراح والحفلات الحية، وتثير ثائرة مجموعات مختلفة بدوافع مختلفة.

كانت واحدة من أبرز الموجات التي أحدثت مثل هذا الجدل الكبير، ومحاولات التقدم لقمعها وإعاقة مسارها، في عقد الثمانينات، وارتبطت أساسًا بظهور وسيط مادي واختراع جديد في السبعينات: أشرطة الكاسيت.

استغرق الكاسيت نحو عقدٍ كامل ليبدأ في إحداث تغيير كبير وحقيقي على الساحة الغنائية، وكانت وجوه الماضي في الإعلام والثقافة حاضرة، تتساءل عما تبقى من ذاكرتها، عن التغريب عبر التوزيعات الموسيقية التي لا يستسيغونها، وعن الفرقة الموسيقية الصغيرة (‬الباند)‬ التي تصاحب فرقًا جماعية تغني مزيجًا من بلوز وروك، وتضع كلمات عربية على موسيقى بدت كإشارة إلى موجة جديدة تخاطب اليومي، وتتعاطى بسخرية مع الكليشيهات المستقرة، تمامًا كما تبدو ملابس هؤلاء، وجيتاراتهم، وشعرهم الرجالي المنساب على الأكتاف.

https://youtu.be/sfMoD2XnUOM

بينما تزداد محاولات الخروج عن عباءة الماضي، وتزداد الأسئلة عن أصالة موسيقانا أو ضياعها، قاربت الثمانينات على نهايتها بمفاجأة اسمها حميد الشاعري.‬ ‬‬بدا الغناء على يد حميد الشاعري لا يحتاج لكل هذا الحذر الذي شغل أدمغة نقاد وإعلاميي وفناني ومنتجي الماضي.‬ لم يهتم حميد وجيله أصلًا بمفهوم “‬اللي مالوش كبير يشتريله كبير”‬ إلا في شقه الأول، الرسالة كانت “‬نعم … إحنا اللي مالوش كبير”.‬ اشتد الهجوم ضراوة، وانهال المخضرمون سبًا ولعنًا، صارت معه أغنيات الماضي ملاكًا يقارن بشيطان.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

في هذه المفارق تقول الصناعة كلمتها، سأصنع هذا الذوق لأني أرى جمهورًا يطلبه، وسيحتار المثقف والناقد: أهي دمقرطة كما أطالب عادة (أم أني لست ديمقراطيًا بما يكفي؟)، أم إفساد وهدر لذوق صنع على يدي وأمام عيني – لعمري؟ لن نعرف الإجابة الموضوعية عن هكذا سؤال أبدًا: أهي قسوة آلة الصناعة عندما تتوخى أن يموت شيء ليحيا شيء؟ أهو حكم نخبة النقاد على ما يطلبه الجمهور وبالتالي هم دعاة الماضي المستبدون؟ أهو محض شعور جارف باندثار ركن من أركان الذاكرة، يخلق هذه الأحكام من جيل إلى جيل، ومن موجة إلى موجة؛ دورة دائرة؟

منذ نحو عقدٍ أيضًا اتسع في عالمنا العربي انتشار وسيط آخر، وها هو ينتج ويترك بصمته على ساحة الغناء: الإنترنت. لكن ليس الإنترنت وحده الذي غيّرنا ويغيرنا من حيث الذوق. لقد اختلفت مدننا وشوارعنا وحال دولنا أيضًا. قامت انتفاضات شبابية الطابع ولا زالت حراكاتها تخترق مساحات بينية كثيرة، جيلية واجتماعية ودينية وجنسية. تتحطّم قوالب وأنماط شكّلت معتقداتنا ويبرز غيرها، وتجري مراجعة تأثيرات شخصيات عامة سياسية ودينية وفنية، وهدم تاريخها بعد فحصه. تصبح أساطير شكّلت عالمنا وأحلامنا وخيالنا محطًا لسخرية يضج بها الفضاء الإلكتروني. وسط كل هذا أكبر تكتلات سكانية شابة تقع بين مجتمعات العالم العربي وتمثل أغلبياتها.

لقد آن الأوان ربما لتناول اصطلاح ظهر منذ السبعينات في الثقافة العالمية: ثقافة الشباب (Youth Culture). من زاوية الغناء، سنتتبع علاقات اجتماعية عديدة يداهمها التغيير، لتغيّر بدورها الغناء، منتجيه ومستقبِليه.

Leave a Reply