يبزغ غناء الريف في العراق من بين أحجار النعي والنواح كما تشير غالبية الدراسات المعنية بالغناء العراقي ؛ ولفهم هذا الغناء علينا ابتداءً الوقوف على طبيعة النسيج الاجتماعي المهمش الذي خرج منه في الريف الجنوبي. لهذا النسيج أنساق متعددة مثل القبلية السائدة غالبًا وارتباط طبيعة الفرد الجنوبي بالماء والأرض، بل ويمكن أن نمرّر أيدينا على تراكمات التاريخ والسياسة.
تبدأ السيدة نازك الملائكة مقالتها العطش والتعطّش في الأغنية العراقية بتصور لافت، حيث تقول إن شيئًا من الإنسان البدائي بقي في طبيعة العراقي بشكل عام والعراقي الريفي بشكل أخص، وإن من هذه البقايا وقوفه أمام الطبيعة موقف المتأثر فيتجاوب معها، وطريقته في الغناء أولى تجاوباته. يغنّي العراقيّ لحاجة ملحّة للقول المنغوم ولإضفاء الجأش المتطرف لعواطفه الدافقة. أما على الضفة الأخرى وعلى مستوى تسلّل مرض السياسة عبر الزمن توضح دراسات في الأنثربولوجيا الإهمال الحاد والتهميش الذي تعرّض له ريف العراق الجنوبي.
يمكن قراءة الغناء الريفي من زوايا كثيرة، منها قراءة مهمة في تقديري هي المساءلة أو المعارضة، بوصفها لحظة يحتك فيها الغناء بالنسق الذي خرج منه، فيعيد إنتاجه أحيانًا أو يكشف تناقضاته أو يتجاوزه أو يعترض على بعض ما استقر فيه من قيم وتصورات. ليس كل وصف للمعاناة مساءلةً بالضرورة؛ فقد تكون الأغنية عن الفقر أو الفقد أو المرأة أو العشيرة دون جعل البنية التي أنتجت هذه المعاناة موضوعًا لها، ولا نفترض هنا أن الفنان كان يمتلك بالضرورة وعيًا نظريًا بهذه المعارضة.
المرأة وعليمن يا گلب تعتب عليمن
بغض النظر عن مدى إمكان حسم مسألة الجذور الأولى للغناء الريفي، فإن حضور النساء في تاريخ التعبير الغنائي والنعي في جنوب العراق يمنحنا مدخلًا لقراءة موقع المرأة داخل هذا النسيج.
قدم الباحث سعدون محسن ضمد قراءة أنثروبولوجية تأويلية لِشعر النعي النسائي في جنوب العراق، تضع إشارة حول شكل نظرة الجنوب إلى النساء، وارتباطها ببنية جغرافية واجتماعية تتسم بأبعادها الخاصة.
بحسب ضمد تحرك عالم المرأة جنوبًا داخل شبكة العائلة والقبيلة، وإن كانت هذه الصورة تختلف من منطقة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر. إذ يرسم ضمد عالم المرأة من خلال أبيات نعي مثل “إلعدها ولي تحچي إمعلّگ، تحچي البُطل ويصير حگ، المامش ولي اتّم اتّملّگ” و”هنيالها الخوانها ثنين، يطلعونها من الوحل والطين، إيردّون عنها العايلين.” من هذا المنطلق يمكننا أخذ لمحة عن النساء في تلك الجغرافيا، ونفهم بشكل بدئي لماذا عُني الغناء الريفي بالحزن العميق والألم والمناجاة أكثر من أي اتجاه آخر داخل الأغنية.
من هذه العيّنة يمكننا تخيّل ما معنى دخول امرأة إلى ميدان الغناء الريفي، نفس الميدان الذي يطلق السكّان على الرجال ممن التحقوا به لقب الكاولية انتقاصًا . مثلًا، سنجد مجرّد غناء زهور حسين ولميعة توفيق يعد حدثًا وتحديًا سافرًا للعرف، وعندما تغني وحيدة خليل أنا وخلي فإنها توسّع دائرة هذا الاحتدام أكثر.
تتجاوز أهمية الصورة السرد العاطفي المجرد؛ إذ تتكلم المرأة هنا من موقع الفاعل في العلاقة، بدل موقع الموضوع الذي يتحدث عنه الرجل.
عندما نمد النظر أبعد قليلًا إلى سيرة مغنية مثل مسعودة (أو مسعود) العمارتلي ، نجد في إحدى الروايات المتداولة عن سيرتها أنها كانت في كنف الشيخ محمد العريبي أو من الخدم في مضيفه وهو أحد أكبر شيوخ قبيلة أبو محمد. يُقال إنها كانت تصاحب ابنه علاوي وتغني معه، ما أثار غضب زوجة الشيخ فتنة التي خططت لتزويج مسعودة قسرًا من أحد الخدم للتخلص منها. كان هذا القرار بمثابة الصدمة لمسعودة، فهربت ليلًا إلى مدينة المجر الكبير لتبدأ حياة جديدة بهيئة رجل تحت اسم مسعود، هربًا من هذا المصير.
يمحمد بوية محمد
بكتلي ليش تتعمّد؟
الآن نحن أمام شقين، الأول كسر واحد من الأنساق القبلية للنسيج الاجتماعي المتمثل بصورة النساء في الريف الجنوبي العراقي، ولبس الزي الرجالي (العقال) والدخول إلى الغناء كرجل، عابرة بذلك كل التعريفات النمطية في بيئتها. الشق الثاني متمثل بالرد على السيد (الشيخ) وكسر خيط الامتثال لأوامره الظالمة. هذا ما يجعلنا نقف عند هذه التجربة الاستثنائية التي تفتح المجال لفهم النسيج الاجتماعي وكيفية تحرك الفنان داخله.
ذبي العباية، سوي عليّ إحسان، ذبّي العباية
حد للنهاية، سمرة وسيعة عين، حد للنهاية
في أغنية ذبي العباية لمسعود العمارتلي، تكشف الأغنية أن العباية كانت علامة تحدد كيف تظهر المرأة وكيف تتحرك وكيف تُرى؛ وحين تتحول هذه العلامة إلى موضوع للغناء نشهد احتكاك الرغبة الفردية بالقواعد. يذهب الطلب في الأغنية إلى سلب العباية سلطتها بوصفها أداة حجبٍ وإخفاء يفرضها النسق الاجتماعي، في محاولة غير مؤطرة أيديولوجيًا لإعادة ترسيم حدود الظهور والعلنية للمرأة، يصوغها لسان البيئة ذاتها.
اليطيح الطير من السما
إلى جانب أوصاف كثيرة شاعت عن عبادي العماري مثل “اليطيِّح الطير من السما” مدحًا بصوته القوي، و”أضبط من عبادي العماري” الذي يستخدمه الزبائن مع الباعة الذي يرفعون سعر السلع، فقد عُرف العماري بوصف المدافع عن حقوق المرأة. جاء هذا اللقب بعد إصدار عدّة أغانٍ تحتك بما هو سائد في مجتمعات تلك الجغرافيا إزاء المرأة وحياتها.
مثل واحدة من أشهر أغانيه على صعيد العراق لا في الريف فقط، سامحيني، وهي من أيقونات الغناء الريفي:
چا نسيتي افلان انه؟
ذاك الاجي ولو جو هلج
حدر العباية اتلبديني
في عتابه لحبيبته يذكّرها أنه هو ذاته الذي كان عندما يدخل بالخفية إلى غرفتها تخبئه تحت عبايتها.
ينقل رحيم رزاق الجبوري ما يرويه الراحل فالح حسن، الذي رافق العماري عازفًا لأكثر من عشرين عامًا، أن عبادي كان يغني في الحفلات الخاصة ورأسه منكّس وعيناه إلى الأرض. حين سُئل عبادي عن السبب أجاب: “حينما أغني، تصعد البنات إلى السطوح ليستمعن ويشاهدن، فأخشى أن أرفع رأسي فأراهن، وهذا عيب … هذه أعراض الناس”، في دلالة واضحة على تواضعه وحسّه الأخلاقي. بناءً على ذلك، تبدو قراءة أسماء محمد مصطفى للأغنية، في مقالها المنشور في مجلة الموروث، مقنعة؛ باعتبارها صورة لرجل من مدينة العمارة يتنازل عن كبريائه واعتداده ليقف موقف المتوسل المستجدي للمغفرة من امرأة.
سامحيني بعد ما بياش اكَلج سامحيني
واخجل لنفسي وسمعتي
لني واكَف بين اديج اتوسلج وتحاسبيني
الأهمية النقدية هنا في كسر مركزية الذكورية العشائرية، فللعماري انفلاتاته داخل الممارسات الاجتماعية؛ وهذا ما يحيلنا إلى أن نراجع أغنيته فصلية ونسقطها ضمن نفس النسق لكن بطريقة مختلفة قليلًا.
جابوها دفع للدار / لا ديرم ولا حنه ولا صفگه / ولا دف النعر بالسلف / لا هلهوله لا ملكه / نشدت الناس عن قصة هالبنية / اشعجب جاروا عليها بغير حنية / وردیت بگلب حزنان من گالولي فصلية / لعنت ظلم التقاليد بألف حركة / عمنها الأخضر الهرفي بسعر اليابس تحركه
كثرت الروايات حول هوية كاتب هذه الأغنية، أرجحها أنه الشاعر جودت التميمي. تناولت الأغنية واحدة من أخطر الممارسات العشائرية، حين تُقدَّم المرأة كـ “ديّة” لإنهاء نزاع، في انتهاك صارخ لإنسانيتها وحقوقها. كانت أغنية فصليّة بمثابة إعلان موقف أخلاقي واضح، عرّى عرفًا اجتماعيًا قاسيًا، ودافع عن إنسانية المرأة. يقول في ختام الأغنية:
يا ديوان السلف بسّك فحطنهْ
من الفصل والثار والنهوة
تعرّض العماري بسبب هذه الأغنية إلى مضايقات من بعض وجهاء العشائر آنذاك، بحسب ما يذكر مهتمون بالشأن الغنائي الريفي، بينما بقي العماري من أوائل الرافضين لهذا العرف والمناداة بإيقافه، وتحقق مراده بعد زمن.
أبو التموين وأغان أخرى
احتك الغناء الريفي بسلطات أخرى وقفت داخل الحياة اليومية نفسها، من المختار إلى موظف التموين، ومن شحّ الخدمات إلى الفارق بين الريف والمدينة. هنا انتقل الغناء من مساءلة ما يفعله المجتمع بأفراده إلى مساءلة بعض المؤسسات التي تدير هذا المجتمع.
فاذا عُنيَ داخل حسن وناصر حكيم وسلمان المنكوب بالغناء العاطفي والندب، فإن خضيري أبو عزيز بقدر ما غنى عاطفيات مهمة مثل عمي يا بياع الورد وهلي يا ظلام يا هلي وعلى درب اليمرون وحرامات التعب بيهم، غنى أيضًا ساخرًا من أبو التموين:
عمي يا بو التموين / مشي العريضة
السمرة على الچاي / طاحت مريضة
سرت الأغنية بين العراقيين كالنار في الهشيم، بحسب عدنان الظاهر.
في أربعينات القرن الماضي عندما كان نظام التموين مفعّلًا داخل العراق، كانت المواد الغذائية تُوزّع بالبطاقة المقننة، وكانت هناك مهازل ومآسٍ بسبب سوء التوزيع والتلاعب بأقوات الناس وغش الأغذية المدعّمة من قبل الحكومات الملكية. يعدّ البعض هذه الأغنية وثيقة لذلك الزمن.
في لحظة أخرى احتدّ قليلًا خضيري أبو عزيز في ألبوم عيني السمرة:
يا عمي يا لمختار ابعد ليغادي
يابا واجب عليّ عاد اخدم بلادي
شيريد مني المختار جايبلي شرطي
بهذه اللغة البسيطة يوجّه أبو عزيز سخريته من المختار، الرجل المكلّف حكوميًا بإدارة شؤون محددة تخصّ سكّان قرية ما، ومن ضمن ما كلّف به الوشاية عمّن امتنعوا عن الامتثال للتجنيد الإلزامي العسكري. بالإضافة إلى الاحتكاك مع أبو التموين والمختار، ذهب أبو عزيز بأغنية احنا بنات البلد، من ألحان صالح الكويتي، إلى الطبقية المغروسة جيدًا بين المدينة والريف والتي إلى الآن يمكن ملاحظتها إذا كنت تعيش في العراق، وهنا يظهر الريف بوصفه هامشًا واعيًا بالفارق بينه وبين المركز الذي ينعم بالخدمة و الامتياز.
إحنا بنات البلد والكهربا عدنا
يا ريفي لا تبتلي و لا توصل لحدنا
يا محمّد والأسئلة الكبرى
إذا كان بعض الغناء الريفي قد احتك بسلطات يمكن تسميتها، من الشيخ إلى المختار وموظف التموين، فإن ثمة لحظات يتجاوز فيها العتاب حدود السلطة البشرية نفسها. في أغنية أحميّد لنسيم عودة مثلًا ينشد:
اظن يوم الجسم ظلمة ولا شاف
كون بنور جا سواك اليّه
الجسم هنا، بحسب ما استقر عليه معنى الأغنية، هو يوم القسمة والنصيب، ويأتي العتاب لأن من كان ينبغي أن يرى ويقسم بالعدل لم يَرَ، ولو أنه رأى لاختار حميّد نصيبًا للمتكلم. ينتقل الحرمان إذًا من واقعة عاطفية إلى مساءلة للقسمة التي رتبت هذا الحرمان، ويصبح الخصم هو القَدَر. حميّد على أيّة حال هو متلازمة الفنان الريفي، اسمٌ بنيت عليه أغانيَ عديدة عنيت بالفقد والغياب والمحبة، ويقال إن حميّد شاب وجد مقتولًا في مشحوف في أحد أهوار الجنوب.
في نفس السياق نعود إلى عبادي العماري في أغنية والله يا زهراء، حيث يظهر الحب بوصفه قوة تعيد ترتيب الولاءات نفسها. يقول:
والله يا زهراء لو إن قبلتي عكسًا لدينكِ
وانتي لست لأحمدي لتبعت دينكِ
أما إسلام نصير أنا وياها
وأما كفر وهناك نتحاسب سويه
ليضع نفسه أمام احتمالات الإسلام والشرك والكفر والإلحاد، وكأن العلاقة العاطفية قد دفعت حدود الانتماء إلى أقصاها. تكشف الأغنية عن لحظة يصبح فيها النسق المذهبي نفسه قابلًا للمساومة داخل خطاب الغناء.
من هذا الباب يمكن طرق أغنية يا محمد التي كتبها عبد الإله المنشد بعد استشهاد ابنه لرثاءه، وغناها كريم منصور، وقد مُنع بيع كاسيتاتها بسبب انتقادها الصريح للنظام السابق أيام حرب الثمانينات. احتوت الأغنية أيضًا مقطعًا جرى حذفه بسبب الاحتكاك بالذات الإلهية:
عمي اعذرنا يا الله
مجبور أكفّر بيك يا الله
حتى أن ختام الأغنية ذاتها مفارقة في منتهى العجب حيث يحدّث ابنه ويقول:
يمحمد وحگ الناس والعباس
إنت اول صبي يهز العرش موته
يتّسع العتاب أكثر ولا يعود محمد ابنًا يخص أبًا واحدًا. لعل قوة هذه الصورة أنها تتنقل في الاستجابة للموت بين الاحتجاج والمرثية، بين التسليم الذي تفرضه عبارة “بيد الله” والرغبة في مساءلة ما حدث.
من عليمن يا گلب تعتب عليمن إلى ذبي العباية، ومن سامحيني إلى فصلية، ومن المختار وموظف التموين إلى القسمة والموت، ظلّ الغناء يعود في كل مرة إلى شيء يقع فوقه أو حوله أو داخله، ليقول له شيئًا. ليس بالضرورة أن يكون هذا القول رفضًا صريحًا؛ فقد يكون سخرية، أو عتابًا، أو قلبًا لدور اجتماعي، أو مجرد جملة تبدو عابرة، لكنها حين توضع داخل السياق تكشف ما كان يحاول النسق إخفاءه.
ربما سيكون من المبالغة أن نمنح هذه الأغاني وعيًا لم يكن أصحابها يدّعونه أصلًا. إذ لم تكن هذه المعارضة يومًا مشروعًا فكريًا مخططًا له، بقدر ما كانت انفلاتاتٍ جمالية وتصدعاتٍ عفوية تحدث داخل الجدار الصلب. إنه صوت الهامش وهو يشاكس مركزه في لحظة تجلٍّ عفوي. لكن ما يمكن ملاحظته هو شيء آخر: قدرة الغناء في لحظات متفرقة على الالتفات إلى البيئة التي أنجبته، وأن يخرج منها دون التنكّر لها؛ يستخدم لغتها وموسيقاها وذاكرتها، ثم يضع واحدة من قيمها أو سلطاتها أو مسلّماتها موضع السؤال.
ربما لهذا السبب تحديدًا تستحق الأغنية الريفية أن تُقرأ مرة أخرى: بوصفها سجلًا لما قاله الريف عن الحب والفقد والموت، وبوصفها أيضًا سجلًا للحظات التي بدأ فيها الريف، وهو يغني، يسأل نفسه عن نفسه.
