اتهام الاتهام | عن توصيف وتصنيف الشعبي المصري

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات لفيروز كراوية حول الموسيقى المصرية المعاصرة وثقافة الشباب.


لا نرى في أدبيات ما قبل ثورة يوليو (١٩٥٢) تعيينًا لنوعٍ بعينه تحت اسم شعبي، حيث يُعرّف الغناء الذي تبثه الإذاعة المصرية أو يُطرح عبر الأسطوانات أو في المسارح والصالات حسب النوع، فنجد أوصافًا مثل طربي أو غناء خفيف (طقطوقة) أو موال أو دور أو مونولوج غنائي. أوصافٌ تشابه الأسلوب الذي بدأت الصناعة الموسيقية بعد استقرار مؤسساتها في الغرب بتصنيف الإنتاج الموسيقي وفقه، سواء في كتالوجات شركات الإنتاج أو على أغلفة الأسطوانات المطبوعة؛ وهي أوصاف تراعي حركة التطور والتخصص، ولا تسعى بدورها لتصنيف الجمهور، أو تحديده مسبقًا حسب عوامل طبقية أو سياسية. كان الطابع الشعبي للأشعار أو الموسيقى مميزًا لبعض المطربين والملحنين، دون أن يؤدي إلى تحيزٍ أو إقصاء، بل على العكس كان طابعًا فنيًا مطروحًا للتذوق العام، مثلما تميّز محمد عبد الوهاب بمقاربته للألحان الغربية كسمة فنية في ألحانه. لفهم الشعبي اليوم، سنبدأ بتتبع مخاض المصطلح في تاريخ الغناء المصري الحديث، بدءًا من أبرز الأصوات الشعبية مطلع القرن الماضي.

المشهد المتعدد في أعقاب الحرب العالمية الأولى

تبدو القاهرة في وثائقيات تلك الفترة مدينة تنبعث من أركانها الأصوات بكل أنواعها، أولها أصوات التلاوة القرآنية والابتهالات الدينية لـ علي محمود ومحمد رفعت وغيرهم. كان التغني بالقرآن وتوظيف المقامات الموسيقية المتنوعة في تلاوته، إلى جانب إعمال أحكام النحو وصوتيات الحرف العربي، أساسين اتكأ عليهما الموسيقيون المصريون والعرب في التحرر من القوالب الغنائية التي سادت في القرن التاسع عشر: الدور والموّال والموّشح. تذكر بعض الأدبيات أن الإقبال الجماهيري الأوسع على استهلاك الفنون ما بعد ١٩١٨ أظهر تباعدًا بين الجمهور وتلك القوالب، ونفورًا زاده وضوحًا الانتشار الكاسح لثاني أصوات المدينة، الطقطوقةنوع من الأغاني الخفيفة التي خرجت عن مكونات الوصلة الكلاسيكية من موال وموشح ودور. اتسمت بوجود مذهب وأربع كوبليهات (أغصان) تنتهي بعودة إلى المذهب. في البداية كانت الكوبليهات تتشابه في لحنها، ثم أدخل بعض الملحنين مثل سيد درويش وداود حسني وزكريا أحمد تعديلات بحيث يتنوع لحن كل غصن على حدة. امتازت بالخفة التي تجعلها مناسبة للمصاحبة الإيقاعية وبالتالي للرقص والاحتفال..

سرت الطقطوقة كالنار في الهشيم، واعتُبرت كابوسًا حذرت منه الصحافة ونقاد الموسيقى.‬ في البداية أنتج شارع محمد علي وعوالم الأفراح الطقطوقة الخليعة (وصفًا لا تقييمًا) الملائمة لاحتفالات الزواج ومجالس النساء، ثم تسربت تدريجيًا إلى الشوارع. بانتشارها الكبير، دُفع مشاهير الفنانين مثل سيد درويش وداود حسني وزكريا أحمد لإنتاج الطقطوقة وتضمينها في تسجيلاتهم التجارية. 

كتب اسكندر شلفون، المطرب والموسيقي المصري ومؤسس مجلة ‬روضة البلابل‬ الشهرية وقتها:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ “‬الطقطوقة تمثل الدرجة الأكثر احتقارًا لما وصل إليه الغناء في مصر.‬ حيث أنه مستحيل أن يصل مستوى الفن الشعري الغنائي إلى ما هو أكثر انحطاطًا وسوقية من تلك النصوص.‬ بالرغم من ذلك، نلاحظ أنها أكثر الأنواع انتشارًا، وكنا نتمنى أن يستفيد المؤلفون من نجاح هذا النوع لينهمكوا في عملية تنقيح للتعبيرات المستخدمة؛ لكن على العكس، ما أُنتج كان على النقيض تمامًا، ورأينا تكاثر التعبيرات الأكثر انحدارًا.‬ بالكاد ينتهي الملحن من الطقطوقة حتى نجدها على كل شفاه، بداية من البيوت سيئة السمعة وحتى المنازل المحترمة والقصور.‬ الجميع يغنيها، الرجال كما النساء، العذارى كما الأطفال ذوي النفوس البريئة.”‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬  المقطع من تقرير عن حالة الموسيقى المصرية في ١٩٢٢. إسكندر شلفون، موسيقي وملحن ومطرب وعازف وباحث موسيقي مصري، قدم العديد من الأعمال الموسيقية وأسس مجلة روضة البلابل في القاهرة، التي حفلت بالدراسات والتحليل الموسيقي، وترأس تحريرها من ١٩٢٠ - ١٩٢٧. الترجمة عن الفرنسية باختصار وتصرّف.

نستطيع من هنا اعتبار الطقطوقة إنتاجًا معبرًا في الأساس عن تيار المؤدين والموسيقيين غير المنتمين إلى المؤسسة الأكاديمية (معهد فؤاد الأول ونادي الموسيقى الشرقي في ذلك الوقت). لذا ارتبطت الطقطوقة الخليعة تاريخيًا بشارع محمد علي وعوالم الأفراح، وكان هذا الشارع ومقاهيه أيضًا الرئة التي تنفّس عبرها الملحنون والعازفون، في سعيهم لابتداع أسلوبهم بعيدًا عن التصلب الأكاديمي المتأثر بالأساليب التركية. كان مساحة مفتوحة للموهوبين القادمين من أقاليم مصر، وللتجريب بتطويع العامية المصرية للأغراض الغنائية المختلفة، وتبنّي لغة الشارع (وبعضها بذيء لغويًا ومنحط مهاريًا) بعيدًا عن غناء صار مفارقًا له.

أما الفئة الثالثة من الأصوات فهي طبقة الفنانين الاحترافيين التي بدأ تشكلها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث انتشرت الملاهي والمسارح بعد افتتاح قناة السويس بدعم من الخديوي اسماعيل. كان ظهور فرقة سلامة حجازي المسرحية، أحد أبرز أصوات عصره الغنائية، بداية لمسيرة المسرح الغنائي القصيرة، التي لعبت دورًا في إعادة توظيف الأغنية والطقطوقة في الأغراض الاجتماعية، واستحداث التعبيرات العامية الجديدة، ومخاطبة القاعدة الجماهيرية التي كانت تتسع في ذلك الوقت للتلقي.

احتفى المسرح الغنائي بموسيقى سيد درويش الذي ساهم في إنتاج الموشح والدور والطقطوقة على حد سواء، كذلك بالشيخ يونس القاضي (الأكثر إنتاجًا للطقطوقة الخليعة بين معاصريه) ثم بديع خيري وبيرم التونسي. وجد كل هؤلاء في العمل الاحترافي عائدًا ماديًا ومكانة رمزية، دفعتهم للاستثمار في رفع قيمة المحتوى بما يناسب مهارتهم اللغوية وخبرتهم بثقافة أبناء بلدهم. ساهمت ثورة ١٩١٩ في توجه الفنانين إلى التفاعل مع الطبقة الوسطى الناشئة بتقديم الأغنية الاحتجاجية الساخرة من الحكم العثماني والتتريك، والأوبريتات الوطنية والداعية لتحرير المرأة والمجتمع من سيطرة المحافظين، في قالب فني جذاب. أخيرًا قدّم المسرح الغنائي محمد عبد الوهاب، النجم الصاعد الذي لم يتعلم في المعاهد، تمامًا مثل أم كلثوم، ممن جاهدوا ليحصلوا على الإعداد المطلوب عبر جلسات التدريب والتحفيظ، ممن حازوا المعرفة بالـ النغم  – الكلمة التي عبرت عن مجموع الخبرات الأدائية والموسيقية التي تهم المطرب الشرقي، من العرب والانتقال بين المقامات المختلفة والقفلات الغنائية وفتح المساحات الصوتية وإحكام مخارج الألفاظ.

التحديث الشعري والموسيقي

خارج المسرح الغنائي وبالتزامن مع اقتراب نهايته، استشرف الشاعران التاريخيان أحمد شوقي وأحمد رامي، عبر وعي سبّاق اكتسباه من احتكاكهما بالعالم الغربي، متغيراتٍ كبرى في المشهد الغنائي، منها التوسع في الإنتاج السينمائي واتساع قاعدة المتلقين. أوجد الاثنان لنفسيهما، وهما من شعراء الفصحى، دورًا مركزيًا في تأسيس فنٍّ غنائي جديد عبر المواهب الاستثنائية لمحمد عبد الوهاب وأم كلثوم على الترتيب. انتبه الشاعران اللذان ربيا المطرب والمطربة ثقافيًا، إلى أن الغناء لابد وأن يخضع لعملية تحديث. التحديث عملية انتقائية وإجبارية في آن، بمعنى أنها تخضع لرؤية أحد الأقطاب الفنية التي تتمتع بمكانة / سلطة، وكذلك برؤية شاملة لمختلف التيارات وإنتاجها والجمهور المتلقي، ثم تشرع تلك الأقطاب في تحديد الجدير بالاستمرار والاستثمار في تحسينه، وما يتعيّن إهماله أو إقصاؤه.

صاغ شوقي مع عبد الوهاب ورامي مع أم كلثوم الروح الجديدة للعامية الغنائية شكلًا ومضمونًا، والتي انصهرت فيها منتجات الفترة السابقة من ابتهال ديني وموّال وطقطوقةLagrange, Frédéric. « L’Arabe Dialectale dans les Chansons d’Um Kulthum » (apperçu sur la langue des chansons). Pp 27- 45. Université Paris iii. Sorbonne Nouvelle. UFR Orient Monde Arabe.. تكفّلت مجموعة الملحنين المؤسسة، محمد القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب، بصياغة المعادل الموسيقي (النيوكلاسيكي) لتلك الرؤية: المونولوج الغنائي الذي يستوعب التراث الشرقي، ويطبعه بروح مصرية وبتقاليد التلاوة القرآنية المغناة. 

من هنا استوعب المشهد الغنائي، بطاقته الصاعدة، مختلف تيارات الفترة السابقة ووجوهها، وانطلق في الثلاثينات والأربعينات في رحلة حفلت بالتجديد واستدخال الآلات والأشكال والتوزيعات الموسيقية المتنوعة. أغنى محمد عبد الوهاب تحديدًا هذا المشهد، مع ظهور الحاجة إلى الأغنية السينمائية القصيرة، بمداخل متعددة تستعير من فنون حوض البحر المتوسط، كما فنون الشام، وتنظر إلى التوزيع على الطريقة الغربية كما تحترم روافد موسيقاها المحلية. عندما أصبح محمد عبد الوهاب مؤسسًا أول للغناء الجماهيري العربي (البوب العربي)، فتح أبواب هذا الغناء لاستلهام موسيقى العالم وهضمها واعتبارها جزءًا فاعلًا في تكوين الشخصية الغنائية، والاستجابة للاحتياجات الجماهيرية المعاصرة متفاعلًا معها لا متعاليًا عليها، بل مسبغًا عليها المعاني الرمزية والجمالية؛ وهي العملية الفنية المعروفة بالاستيعاب (Assimilation) والتسامي (Sublimation). هذا تحديدًا ما أنتج الشعبية الجماهيرية العابرة للطبقات لإنتاج محمد عبد الوهاب، والتي ساندته دومًا في مواجهة عتاة الأصوليين الذين قاوموه بكل الوسائل المتاحة.

تكريس الثقافة الرسمية والتباس مفهوم الشعبي

تسلّمت حركة الضباط الأحرار حكم مصر وقد قطع فنانو مصر ونظراؤهم العرب شوطًا جيدًا في صياغة هوية حضارية حديثة، لغتها العربية. في ذلك الوقت، كانت الإذاعة المصرية قد تمصّرت تمامًا في١٩٤٧بدأ البث الإذاعي في مصر في عشرينيات القرن العشرين وكانت عبارة عن إذاعات أهلية، ثم بدأ بث الإذاعة الحكومية المصرية في ٣١ مايو ١٩٣٤ بالاتفاق مع شركة ماركوني، وقد مُصِّرَت في عام ١٩٤٧ وألغي العقد مع شركة ماركوني.، إلى جانبها نقابة الموسيقيين التي تأسست في ١٩٤٢ ورأستها أم كلثوم، وجمعت بين أعضائها كافة أطياف الموسيقيين الأكاديميين وغير الأكاديميين؛ بالإضافة إلى مشهد يحفل بعدد من الفرق المسرحية ذات الشعبية، وشركات الإنتاج الموسيقي والسينمائي الأجنبية والمحلية، ونجوم باتت شهرتهم الجماهيرية علامة واضحة على ذوق مستمعيهم وتجاوبهم مع القوالب الحديثة. ظلت الفرق الموسيقية لشارع محمد علي تؤدي دورها وتقدم فنها في الموالد والأفراح، ويندمج عازفوها المهرة ضمن الفرق الموسعة التي ساندت التجديد على يد عبد الوهاب والسنباطي وغيرهم.

ارتأت الحركة الحاكمة مع الوقت تحديد معنى الثقافة الوطنية، أو وضع بصمتها الخاصة على عملية التحديث الجارية. أصبحت السلطة الجديدة الوصي الفعلي على حركة الإنتاج الفني وتوجهاتها وروادها، بفضل تحكمها الكامل ببرنامج ومنتج الإذاعة المصرية، ثم مصادرتها للنقابات وإصدارها لقانون الرقابة على المصنفات الفنية عام ١٩٥٥، ثم عملية التأميم الواسعة التي أنهت حياة الفرق المسرحية وشركات الإنتاج الخاصة. كانت قيم الخطاب السياسي والاجتماعي لحركة يوليو تتخذ المجال الفني ونجومه معبَرًا لانتشارها وتسيّدها الخطابي، في وقت أُقصيت فيه جميع التيارات السياسية والثقافية الأخرى عن التعبير عن قيم مضادة أو مختلفة. 

من ضمن المعاني والمفاهيم التي أرادت حركة يوليو صياغتها وإعادة تعريفها هي كلمة الشعبي ذاتها: ما هو الشعبي؟ وما الذي لا يليق أن يكون شعبيًا؟ في خطوة تتفق مع خطابها العام الذي تعتبر فيه نفسها سلطة ممثلة للشعب، تحكم باسمه في أول مرة لا تتنازع فيها سلطات متعددة على حكم مصر. هنا، اتضح الانقسام في رؤية هذه السلطة للفنون؛ فنون جاءت من الشعب (شعبية / أصلية)، وفنون تصنع للشعب (احترافية/ حديثة).

تدخلت السلطة ممثلةً في وزارة الثقافة في تأطير ما هو شعبي تحت عنوان عريض أسمته الفنون الشعبية، وبناءً عليه نظّمت فناني التيار غير الأكاديمي في فرق متعددة للرقص والغناء والمسرح. أصبح انتخاب أعضاء هذه الفرق، ومضمون ما تقدمه شعريًا وغنائيًا بل وملابسيًا يخضع لاختيارات هيئة الثقافة الجماهيرية. في هذا الإطار أعيدت صياغة الفنون الشعبية في إطار متحفي أو فلكلوري أقرب إلى التعريفات الإثنوميوزيكولوجية الأوروبية، يحيلها إلى ماضٍ ولا يمنحها المجال للإنتاج المعاصر Puig, Nicolas. 2006. Sha’abî, « populaire » : usages et significations d’une notion ambiguë dans le monde de la musique en Egypte. CIVILISATIONS (Revue internationale d’anthropologie et de sciences humaines). Vol. LIII : MUSIQUES “POPULAIRES” : Catégorisations et usages sociaux.. فنانون يؤدون عروضهم بملابس تحمل ملامحها المناطقية (فلاحي / بدوي / سواحلي / صعيدي / نوبي)، ويقدمون الصور الغنائية في الإذاعة بلهجات محلية تسعى لتكون مفهومة على المعيار القاهري، أي تتحول للهجات بيضاء، ويحتفون بالقيم التقليدية عن احترام التراتبية في المجتمع، والمكانة الأبوية والعائلية والتسلية المهذبة، ما استدعى عملية رقابة وحذف وتبديل واسعة في المحتوى الشعري. 

تصلح فرقة رضا للفنون الشعبية مثالًا مركزيًا على تلك الرؤية، حيث تذوب الموسيقى الريفية وتراثها مع موسيقى علي اسماعيل الأكاديمي المحترف، وخطوات الرقصات الغربية مع ملابس الفلاحات ومناديل الرأس، والزجل الفلّاحي بلهجته البيضاء المهذبة، ينفض عن نفسه إرث الطقطوقة الخليعة وأغنيات الأفراح المنتشرة في ربوع مصر. هكذا تعززت الصورة الجديدة للفنون الشعبية: صورة من الماضي تصلح للتصدير كمنتج فلكلوري، الخط الفاصل بينها وبين الفنانين المعاصرين واضح، منتجوها موظفون في وزارة الثقافة، أما خارج جدرانها فالسيادة الثقافية للفن الحديث الذي استوت أعمدته مثلثًا رؤوسه محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، والذي صنّفته المؤسسة لاحقًا في قالب متحفي آخر تحت اسم الموسيقى العربية.

على الرغم من ذلك، ظهر الطابع الشعبي في إنتاج ملحنين مثل عبد العظيم عبد الحق ومحمود الشريف وبليغ حمدي بعد استقرار شكل الأغنية الجديدة، وجاء استحضاره في إنتاجهم محدودًا بمعايير الكلمة المناسبة للإذاعة المصرية المركزية ولجانها. مع تصدّر مطربين شعبيين مثل محمد قنديل ومحمد رشدي وعبد العزيز محمود ومحمد العزبي لقوائم الأغنيات الناجحة في بداية الستينات، بدأ مطربو الأغنية الحديثة باستيعاب الشعبي والتسابق على تقديم أغنيات تتمثّل أسلوبه الشعري والتلحيني. مع هذا الاستيعاب بدأت كلمة شعبي تميّز بين المطربين المعتمدين لهذا النوع، ومطربين يستعيرونه مع إدماجه ضمن توزيع موسيقي أكثر كثافة وهجنة. هذا ما حرص عليه عبد الحليم حافظ وشادية في تقديمهما لألحان بليغ حمدي ذات الطابع الشعبي، أن يظهر في أعمالهم الانتماء إلى خط بدأه محمد عبد الوهاب، مؤمنًا بتجاوز الأسلوب الدارج للفرق الموسيقية المصرية، إلى أساليب أكثر تعقيدًا من ناحية التوزيع الموسيقي. مثلما ظهرت تلك الرؤية في تناول الأخوين رحباني لألحان مستوحاة من تراث الدبكة اللبنانية.

الكاسيت وعصر الثقافات الفرعية

منح الانفتاح الاقتصادي وظهور الكاسيت قبلة الحياة للتيار الموسيقي الحر، لينبعث من جديد خارج إطار المؤسسة الرسمية. 

هذه المرة، كانت فترة التحكم السلطوي قد أنتجت بالفعل نظرة تميّز بين الموسيقي المحترف، والآلاتي الذي لم يدرس أكاديميًا، وكانت ظاهرة الصحوة الإسلامية قد دعمت انتشار خطابات التحريم ضد الموسيقى وفنانيها، ما تسبب تدريجيًا بإقصاء واسع للراقصات وفرقهم الموسيقية من مجال الرزق البسيط، المتاح في إحياء الأفراح والعمل في الكباريهات، التي أغلقت غالبيتها وتحولت إلى أنشطة تجارية أخرى بدءًا من نهاية السبعينات. توسّع هذا الخطاب فيما بعد خلال التسعينات وأوائل الألفية، ليشمل فناني الطبقة الوسطى والمجال الرسمي، الذين صاروا يتنصلون من مهنتهم ويعتزلونها. صار الموسيقي سواء في شارع محمد علي أو بين جدران الأوبرا يعرّف مهنته على أنها “حرام بس صنعة باكل منها عيش.” Nicolas Puig. Farah. Musiciens de noces et scènes urbaines au Caire. Arles, Actes Sud-Sindbad, coll. « La Bibliothèque arabe », 2010, 218 p. Revue: https://journals.openedition.org/gradhiva/2534

جاءت الظاهرة الغنائية الأوسع انتشارًا في ذلك الوقت من الصفوف الخلفية: أحمد عدوية. فنان قاهري استطاع بالاستعانة بموسيقيين مهرة (Virtuoso) وبتراث الموال الريفي (الذي حفظه عن مواويل أنور العسكري وعبده الاسكندراني) أن ينتج ما صنّفه بعض الباحثين بـ الموّال الجديد (Néo-Mawal) Puig, Nicolas. 2006. Sha’abî, « populaire » : usages et significations d’une notion ambiguë dans le monde de la musique en Egypte. CIVILISATIONS (Revue internationale d’anthropologie et de sciences humaines). Vol. LIII : MUSIQUES “POPULAIRES” : Catégorisations et usages sociaux.، القالب الذي أعاد الحيوية إلى الموّال الريفي بإضافة الإيقاع والقياس (المازورة)، وبتضفيره مع الأغنية ذات المذهب والكوبليهات. احتوت فرقة عدوية عازف الكمان الفذ عبده داغر، وعازف الترومبيت الكبير سامي البابلي، وساحر الأكورديون والملحن حسن أبو السعود (الذي صار فيما بعد نقيبًا للموسيقيين المصريين في ٢٠٠٤، معبرًا عن العلاقة المتصلة عبر الزمن بين تيارات الموسيقى الحرة والأكاديمية).

نعرف أن ظاهرة عدوية مع النجاح الكبير اتسعت لتشمل الفنان هاني شنودة والشاعر الكبير صلاح جاهين، اللذان كانا بصدد السعي لغناء جديد عبر فرقتهم، المصريين. كانت السبعينات والثمانينات بداية لظهور الثقافات الفرعية وثقافة الشباب، معبّرةً عن نفسها في أثواب موسيقية، سواء برمزية جيلية (موسيقى الجيل لحميد الشاعري) أو مناطقية (أحياء القاهرة الشعبية) أو حضرية (فرق الشباب الجماعية: الأصدقاء والفور إم والمصريين) أو احتجاجية (مشروع الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم).

انضمت الطبقة الوسطى الآخذة في الاتساع إلى جمهور عدوية، بفضل الانفتاح الاقتصادي الذي غيّر طبيعة الأنشطة الاقتصادية وضم غير المهنيين لفئات الدخول المرتفعة. كذلك مثّل أبناء الهجرات الداخلية من الريف إلى المدن قطاعًا من هذا الجمهور، وهم نتاج حركة واسعة سبقت الانفتاح عبر الستينات، وغيّرت التركيبة السكانية للأحياء الشعبية التقليدية في القاهرة شهدت مدينة القاهرة والمدن المصرية في الفترة بين ١٩٦٠ و١٩٦٦ أكبر معدل للهجرة الداخلية من الريف المصري إلى المدن، بسبب الزيادة السكانية وضيق الحال في الريف، والتنمية الحضرية المركزية في العاصمة. ضمت القاهرة وحدها ٨٠٪ من المهاجرين داخليًا في مصر كلها، وأصبح ثلث سكن القاهرة بالفعل من المولودين خارجها.. وجد هؤلاء الأبناء صدًى للموروث الريفي في صوت عدوية، الذي ترافق صعوده مع اغترابهم عن قيم المدينة من حيث الانفتاح والترابط العائلي. 

احتفى آخرون تدريجيًا بفن عدوية بفضل استقرار وتجديد عناصر النغم بين يديه ومن صاحبه من موسيقيين. أسس عدوية لمسار غنائي تمددت فروعه لاحقًا في غناء العديد من المطربين الذين لم يخرجوا من أحياء القاهرة الشعبية، مثل جورج وسوف وحكيم وبهاء سلطان وشيرين عبد الوهاب ومحمود الليثي وبوسي، في مقابل طيف واسع من المطربين الذين اعتمدوا على توزيعات غربية سريعة وقدرات محدودة في السلطنة. هنا يعرّف عدوية عن مكانته بنفسه:”أنا سلطنجي. السلطنة لعبتي. أقدر أغني واتنقل بين المقامات: من الراست أروح على النهاوند والحجاز. ألعب بالسيكا واروح منه على البياتي والصبا. هي دي السلطنة، كلها في المقام. أنا وصلت لكدا بعد عيشة صعبة وابتديت من أسفل السلّم. أحمد عدوية حفر في الصخر بإيده. غنايا في المولد والصِّوان هو اللي عملني. موهبتي وعيشتي الصعبة ادتني اللي يساوي دكتوراه في المزيكا. فنانين كتير أخدوا شهادات عالية في المزيكا، بس ما عندهمش سلطنة، بيدوروا على واحد زيي ويسمعوها مني. هي دي الحكاية، أنا حكاية بتاعتي لوحدي.”

حظى عدوية بالنصيب الأكبر من الهجوم من مراكز قوى تشعر بالتهديد داخل المؤسسة الرسمية، خصوصًا وهي تعاني من إفقار أنتجه غياب المواهب الاستثنائية التي اعتمدت عليها طويلًا، وتراجع مستوى التعليم الرسمي وقدرة خريجيه على التفاعل مع متغيرات سوق الموسيقى. ظهر الاستخدام التحقيري لكلمة شعبي في وسائل الإعلام والصحف، وكأنها تعويذة سحرية تكفي لينفر الذوق العام من عدوية، ويرتد صاغرًا إلى الفنون الشعبية الفلكلورية التي هُذبت بفعل فاعل. لكن الشعبي الذي سقط من التصنيف، احتفظ بسيادته ووثّقها بفضل وجود الكاسيت، وأصّل لأول انفصال واضح بين تعريفات المؤسسة الرسمية ولغة الحقيقة. تظل الأولى تقصيه من دوائرها، ويظل هو يعزز انتماءه للشعب، بالانتشار والاعتزاز بالاسم.

Leave a Reply