تعال | علي جاسم ومحمود التركي ومصطفى العبد الله

كتابةهلا مصطفى - أكتوبر/تشرين الأول 7, 2018

الحديث عن نجاح أغنية تعال لا بد أن يمر أولًا على النجاح السابق لتعاون علي الجاسم ومحمود التركي في أغنية راحتي النفسية، الصادرة بداية هذا العام والتي تجاوزت مائة وخمسين مليون مشاهدة منذ إصدارها. كان المغنيان قد اجتمعا وتوثقت صداقتهما نتيجة عملهما مع تسجيلات نجوم الدار البيضاء في بغداد، وفيما يلي نجاح تعاونهما الأول بدأت تنتشر بشكل شبه منتظم فيديوهات لأغنيات مشتركة تجمع المخرج والمنتج وصاحب الشركة مصطفى العبد لله مع محمود التركي مرةً، وعلي الجاسم مرةً أخرى، ليجتمعوا نهايةً كثلاثي في تعال. في هذه التعاونات، تخلى العبد الله عن موقعه كمخرج وراء الكاميرا ليشارك رفاقه الغناء أمامها بما يفترض أنه فيديو عفوي بسيط مصور بكاميرة الموبايل وهم يستمتعون بوقتهم في الاستديو، وعلى عكس ما يدعيه العبد الله بأنها محاولة منه لجعل الناس يصرفون النظر عن الجانب البصري والتركيز على الصوتي والموسيقي في الأغنية، إلا أنها بدت كمحاولات خجولة منه للاستفادة من نجاح الثنائي وإقحام نفسه في عالم الغناء، فإن صابت كان بها، وإن خابت فهو لم يطرح نفسه بجدية بل كان فقط يتسلى مع أصدقائه الذين دفعوا به دفعًا أمام الكاميرا.

يدرك مصطفى العبد الله بالطبع أن لا مكان له في منافسة صوت محمود التركي أو إمكانيات علي الجاسم كملحن، لكنه يدرك أيضًا أنه لا يحتاج الصوت ولا الألحان ليقدم أغنية عراقية شعبية ناجحة. الإغراق بالأتوتيون والتوزيعات الإيقاعية الجذابة أصبحت السمة المميزة لهذا اللون مع رواجه المتزايد في السنوات العشر الأخيرة. وبالفعل، جاء استخدام الأتوتيون في غناء الثلاثي كثيفًا إلى درجة يصعب معها التمييز بين أصواتهم بين المقطع والآخر. في الفواصل الموسيقية بين المقاطع الكلامية في منتصف ونهاية الأغنية، يستورد التوزيع أسطرًا إيقاعية جذابة تتشابه بخبث مع أخرى لحنها الكويتي عبد الله القعود قبل سنوات لميريام فارس في أغنية مكانه وين التي أدخلتها عالم الأغنية الخليجية من أوسع أبوابه.

العنصر الإضافي الجدير بالذكر والمميز للأغنية العراقية الشعبية في مشوار انتشارها إلى دول الجوار هو اللهجة العراقية بحد ذاتها، فهي كالمنشار يأكل على الطالعة والنازلة، لتستفيد مرةً من ألفتها بالنسبة للمستمع الخليجي وقربها من لهجته، وتستفيد ثانيةً من غرابتها المثيرة للفضول بالنسبة للمستمع الشامي أو المصري. تكسب من صورتها النمطية كلهجة حزينة حين يكون اللحن رومنسيًا، ومن مرونتها ومرحها حين تتزاحم الإيقاعات. تسهل في تعال ملاحظة تبني كلمات معينة كان من الممكن استبدالها بأخرى أبسط، لكن خبرة الثلاثي بلونهم الغنائي جعلتهم يكررون مفردات مثل “قافل عليك / أجرد بيك / متخبل” ويشددون على ثقل لفظها. أدرك فنانون كثيرون خارج العراق الجاذبية المكتسبة لهذه اللهجة وحاولوا الاستفادة منها، كملحم زين وميريام فارس وديانا حداد، بل ومؤخرًا فريق المهرجانات شارع ٣، الذي يظهر أنهم حاولوا الاستفادة من نجاح أغنية تعال وقدموا ما يبدو كنسخة مهرجانات مزعجة من الأغنية، حيث غنوا اللازمة ذاتها مضيفين إليها مقاطع باللهجة المصرية.

في هذه المرحلة، لم يعد من الممكن الاستمرار باعتبار النجاحات المماثلة لـ تعال على أنها مجرد ضربة حظ، كما لم تعد المحاولات المتعالية لفصل الأغنية العراقية عن مشهد البوب العربي المرتبط بفناني روتانا مهمةً حقًا. المزيد من شركات التسجيل العراقية المستقلة التي بدأت مشوارها بخطواتٍ صغيرة قبل عشر سنوات تقريبًا، باتت تستفيد اليوم من المنصات الإلكترونية المختلفة للوصول إلى قاعدة جماهيرية أوسع، كما في حالة نجوم الدار البيضاء، أو شركة الرماس ميوزك التي قدمت فنانين مثل نور الزين ومحمد الفارس وسيف نبيل، ووصل معهم مجموع متابعاتها عبر يوتيوب وحده إلى حوالي الخمسة مليارات متابعة.

إعلان
 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply