جنوب أفريقيا | أولويّة النضال أم الموسيقى؟

كتابةشادي لويس - أغسطس/آب 4, 2015

في مشهد من الفيلم التسجيلي أمانديلا عن دور الموسيقى في النضال ضد نظام الأبارتهايد، يناقش عدد من الموسيقيين الجنوب أفريقيين عمّا جاء أولًا: النضال أم موسيقى المقاومة؟ وفيما لم يتوصل طرفي النقاش لجواب مرضٍ، يبدو أن السؤال لا يزال معلّقًا وبلا إجابة، ليس فقط على النقطة التاريخيّة التي يبدأ عندها حساب بداية التدوين سواءً للموسيقى أو للنضال، بل أيضًا عن أولويتهما. فالسؤال الجدير بالطرح هنا: لأيهما الأولويّة في موسيقى النضال؟ الموسيقى أم النضال؟

احترس يا هيرفوورد

في العام ١٩٤٨، مرّر رئيس الوزراء الجنوب أفريقي هيندريك هيرفوررد، والملقب بمهندس الأبارتهايد، حزمة من القوانين المؤسّسة لنظام الفصل العنصري، متوّجًا ثلاثة قرون من الاستعمار الأوروبي بنظام لطالما وصفه بأنه تقنين لحسن الجوار، أو التطوّر المنفصل للأعراق. في الشوارع، كانت المواجهة ما تزال في أطوارها الأولى، لكن أغنية لـفيوسلي ميني بعنوان احترس يا هيرفوورد، والتي أصبحت واحدة من أشهر أغاني جنوب أفريقيا على الأطلاق، كانت تشي باحتدام الصدام.

في عام ١٩٦٤، نُفّذ حكم الأعدام في الموسيقي والشاعر فيوسلي ميني بناءً على إدانته بتهم تتعلّق بالانخراط في الأنشطة المسلحة لحزب المؤتمر الجنوب أفريقي. ومع تحول ميني لأحد أساطير مقاومة الأبارتهايد، تُوّج أيضًا بوصفه الأب الروحي لموسيقى النضال هناك. وهكذا اتخذت الروايات المعتمدة لتاريخ الموسيقى النضاليّة في جنوب أفريقيا أغنيته احترس يا هيرفوورد كنقطة البدء لها. لكن هل حقًا بدأت موسيقى النضال مع ميني وأغانيه المباشرة سياسيًا؟

الموسيقى اللاسياسيّة والتهجير

في العشرينيّات والثلاثينيّات من القرن الماضي، كان للموسيقى الأميركيّة التأثير الأكثر وضوحًا على تشكيل الموسيقى السوداء في جنوب أفريقيا. إذ سعى الموسيقيون لمحاكاة القوالب الفنيّة وأساليب الأداء الصوتي لموسيقى الجاز وموسيقى الجوقة الكنسيّة (gospel) في الجنوب الأمريكي على وجه الخصوص. لدى حلول منتصف الثلاثينيّات، كان قد بدأ دمج تقاليد الموسيقى الإفريقيّة المحليّة داخل القوالب الأميركيّة، ربما استجابة لاتساع جماهيريّة فكرة الهويّة الأفريقية. وفي الأربعينيّات والنصف الأول من الخمسينيّات، لم تكن الموسيقى معنيّة بالمواجهة، فأغاني الاعتراض على قوانين حظر التجوال الليليّة في المناطق السوداء على سبيل المثال لم تكن وبأي شكل موجّهة بغرض النضال السياسي، بل كانت تعبيرًا عن تبرّم مغنّي وموسيقي الحانات من تحرّشات الشرطة المتكررة بهم وهم في طريق عودتهم لمنازلهم في وقت متأخّر بعد مواعيد بداية الحظر. أما أغاني معاناة المرأة الأفريقيّة، والتي أضحت لاحقا أيقونات نضاليّة نسويّة ووطنيّة، كانت فقط بالنسبة لصاحباتها في ذلك الحين تعبيرًا عن معاناة مغنيات الحانات اللاتي عملن في مرحلة في حياتهن في الخدمة المنزليّة لدى الأسر البيضاء، أو إعادة تدوير لأغاني الأمهات والجدّات عن معاناة العمل في المزارع والمنازل.

إعلان

بحلول النصف الثاني من الخمسينيّات، كان من الصعب أن يعزل الموسيقيون أنفسهم بعيدًا عن تفاقم الوضع السياسي، ومع هذا كان تمييز تيار معيّن لموسيقى المقاومة أمر شديد الصعوبة. فالفواصل بين التجاري والسياسي كانت شديدة الالتباس، وكان يُعاد تفسير الأغاني التي سُجّلت في الماضي تجاريًا لتناسب المواقف السياسيّة لاحقًا، ولتوظيف جماهيريتها التجاريّة في الفعاليّات الاحتجاجيّة. العكس صحيح أيضًا، فالأغاني التي كانت تُرتجل في المظاهرات كان يُسجّل بعضها في الاستديوهات لاستغلال جماهيريتها السياسية في التسويق لها تجاريًا.

كان إقرار قوانين التهجير القسري عام ١٩٥٤، وترحيل ملايين من الجنوب أفريقيين السود لمستوطنات معزولة بعيدًا عن المدن والأراضي الخصبة دافعًا لتشكيل تيار موسيقي مشتبك مع واقع التهجير وتبعاته، وإن كان معنيًا بالخبرة اليوميّة لأصحابه، لا بالسياسة. فعلى سبيل المثال، لم تكن واحدة من أشهر أغنيات المقاومة، والتي تتحدّث عن التهجير وإعادة التوطين في منطقة مدولاندز، تتحدّث حتى عن الاغتراب والعزل والترحيل، بل ببساطة كانت تقول بسخرية: نحن نسافر ليل نهار لمدولاندز، نحن نحب ميدولاندز. كان خلو نص الأغنية من أيّة مرارة، وموسيقاها الخفيفة والاحتفاليّة كفيلًا بتمرير سلطات الأبارتهايد للأغنية بوصفها دليلًا على نجاح برنامجها وإسعاد مواطنيها السود، فيما تحولت الأغنية لاحقًا لنشيد بهيج لمقاومة الأبارتهايد تردّد لسنوات.

ماسيكلا وأغاني القطارات

مع فرض سلطات الأبارتهايد لواقع المستعمرات السوداء في أقل من عقد، كانت تتشكّل أساليب لحياة جديدة: فقطارات الفحم كانت تحمل مئات الألوف من العمالة السوداء الرخيصة من مستعمراتهم المعزولة والبعيدة لجوهانسبرغ والمدن الكبرى والمناجم والمزارع. أيضًا كانت الرحلات اليوميّة الطويلة والشاقة التي تمتد لساعات ذهابًا وإيابًا حاضنة لطقس جديد: غناء القطارات الجماعي الذي استعان به الركاب لتمرير الوقت والتشكّي من معاناتهم اليوميّة.

تعد أغنية قطار الفحم لـهيو ماسكيلا واحدة من أشهر الأغنيات التي يجري التعامل معها اليوم بوصفها سياسيّة ومقاومة. مع خلو نص الأغنية من الإشارات السياسيّة المباشرة، وكشف موسيقاها عن مدى التطوّر الفني الذي وصلت له الموسيقى السوداء في جنوب أفريقيا، يؤكّد ماسكيلا موقفه من السياسة عندما يقول في أحد لقاءاته الصحافيّة: يقولون أنني أغني عن السياسة، لا. أنا فقط أغنّي عن الواقع.

يروي ماسكيلا أيضًا أن إلهام كتابة أغنية أرجعوا نيلسون مانديلا، والتي أضحت، برغم لحنها الطفولي، النشيد الوطني غير الرسمي لحركة المقاومة ضد الأبارتهايد، لم يكن سوى بدافع شخصي محض. إذ نجح نيلسون مانديلا المحتجز في السجن بتهريب خطاب له العام ١٩٨٤ ليهنئه بعيد ميلاده وهو في المنفى، وليعبّر له عن إعجابه الشديد بموسيقاه، لتدفعه الحادثة لكتابة أغنيته عن مانديلا، ليس بوصفه قائد النضال التحرري، بل الرجل الذي يريد أن يراه يمشي في الشوارع ويعود إلى بيته ويمشي ويده في يد ويني مانديلا.

موسيقى النحيب والعائدين بالتويا تويا

في الستينيّات، نجح نظام الأبارتهايد بسحق حركة المقاومة إلى حين، وانتهى معظم قادة الحراك التحرري إلى السجون أو المنافي، ومارست السلطات رقابة شديدة على الأعمال الموسيقيّة، حملت إثرها الكثير من الموسيقيين إلى المنافي أو الصمت الكامل. طُبعت أغاني ذلك العقد المفقود بحس جنائزي غير معني بالمواجهة أو السياسة المباشرة. تعد أغنية ماذا فعلنا؟ عنوانًا لموسيقى الستينيّات، والتي لم تعتمد في فاعليتها على نصها، بل على التكرار. إذ كان تكرار “ماذا فعلنا؟ لا ذنب لنا سوى أننا سود” كفيل بمراكمة الغضب وتكثيفه لينفجر لاحقًا.

مثّل انطلاق انتفاضة سويتو في النصف الثاني من السبعينيّات نقطة تحوّل لعسكرة حركة النضال ضد سلطات الأبارتهايد، وتزامنًا مع عودة معظم المقاتلين الذين كان يتدربون في معسكرات أنجولا وموزمبيق وزيمبابوي بغرض شن هجمات على الحدود الجنوب أفريقيّة. كانت فكرة القتال من الداخل والحرب الشعبيّة اعتمدت داخل حزب المؤتمر كبديل عن شن حرب التحرير من الخارج. ليعود المقاتلين الذين تدربوا في زيمبابوي بتقليد موسيقى جديد: التويا تويا. فسرعان ما اندمجت رقصة الحرب التي استخدمها جيش التحرير الزيمبابوي كجزء من فعاليّات التدريب العسكري والبدني أثناء حرب الاستقلال، ولاحقًا لتدريب المقاتلين الجنوب أفريقيين، في الفعاليّات الاحتجاجية في جنوب أفريقيا، إلى الحد الذي أصبح فيه هتاف أمانديلا، أي القوّة، ورد الجموع لنا على خلفية رقصة التويا تويا وغنائها أثناء المواجهات العنيقة مع الشرطة وقوات الجيش، هو الصورة الذهنية الأكثر حضورًا لحركة النضال ضد الأبارتهايد في عقد الثمانينيّات، وحتى سقوطه.

إعلان

تهجين الموسيقى كمقاومة

طوّرت سلطات الأبارتهايد نظامًا دقيقًا للفصل بين الأعراق في جنوب أفريقيا، لم يقتصر فقط على المناطق السكنيّة ووسائل المواصلات ومؤسسات التعليم ومناهجها وأماكن الخدمات العامة والترفيه وغيرها، بل امتد ليشمل الفصل الكلي للتطور الثقافي للأعراق. فخصّصت الإذاعة المملوكة للدولة محطات منفصلة لكل عرق ولغة، وبثّت في كل منها أنماطًا وقوالب موسيقيّة بعينها كان تراها مناسبة لكل عرق وتطوّره الثقافي. كما اعتمدت الإدارات التعليميّة للأبارتهايد نظامًا دقيقًا للمواءمة يربط أعراقًا بعينها بما يقابلها من قوالب موسيقيّة. وبالتوازي: فرضت رقابة شديدة على محتوى المنتج الموسيقي ومحتواه الآيديولجي.

في نفس الوقت، غضّت السلطات الطرف عن الفرق الموسيقية مختلطة الأعراق، وأماكن العرض التي تسمح بجمهور متنوع عرقيًا أحيانًا كثيرة. لكن مع تأزم الوضع السياسي في السبعينيّات والثمانينيّات، بدأت السلطات بالتضييق على ممارسات الاختلاط العرقي الموسيقي بعنف متزايد. كان على أعضاء الفرق المختلطة عرقيًا من السود اللعب والغناء من وراء الستار، وفي بعض الأحيان كان يحتفظ أعضاء فرقة جوليوكا من السود بمقشات وأوعية مياه إلى جانبهم على المسرح للتظاهر بأنهم يقومون بتنظيف المسرح، لا الغناء في حال مداهمة الشرطة للقاعة. لكن قمع السلطات دفع إلى مزيد من المقاومة، ليس فقط في صورة الفرق والجمهور المختلطين عرقيًا، بل في تهجين القوالب الموسيقيّة الأفريكانيّة والأفريقيّة بعضها مع بعض، والتهجين اللغوي للنصوص المغناة. كانت الموسيقى ربما واحدة من أهم نقط الالتقاء النادرة جدًا بين الأعراق التي لم تنجح سلطات الأبارتهايد في محوِها أو محاصرتها بالكامل، وكانت أيضًا نموذجًا فريدًا لإمكانيّة التعايش بين أعراق جنوب أفريقيا جنبًا إلى جنب.

عودة للتساؤل: ما الذي أتى أوّلًا؟

يبدو تراث موسيقى المقاومة في جنوب أفريقيا ثريًا ومتنوعًا إلى الحد الذي يبدو معه من الصعب جدًا الإلمام به واستيعابه بشكل كامل بهدف تقسيمه لمراحل تاريخيّة أو تصنيف قوالبه المتداخلة. لكن رغم ذلك، يمكن الاستخلاص من هذا العرض الموجز بأن موسيقى المقاومة الجنوب أفريقيّة طرحت نفسها عبر تاريخها الطويل كانعكاس لواقع منتجيها وجماهيرها، ومعاناتهم تحديدًا. كان السياسي والنضالي بالطبع ركنًا محوريًا من هذا الواقع ومن عملية تغييره. بالرغم من حصار سلطات الأبارتهايد والتوظيف السياسي المكثف للموسيقى بواسطة حركة النضال السياسية للترويج والتعبئة، احتفظت موسيقى المقاومة بمسافة مريحة على مبعدة من السياسي، حتى ومع انخراطها هي وفنانيها وجمهورها في خضم الصراع، مخلصة لتجاربها الذاتية والجماعيّة في خدمة المنازل والتهجير ومستعمرات العزل البعيدة ومعسكرات التدريب في المنافي ورحلات قطارات الفحم وتبادل الخطابات المهربة من السجون وإليها.

لعبت موسيقى المقاومة دورًا حاسمًا وبلا شك في هدم نظام الفصل العنصري، بل وطرحت، عبر تهجينها إمكانيّة التعايش بين أعراقها مستقبلًا. في نفس الوقت احتفظت هذه الموسيقى باستقلاليّتها عن الصراع السياسي وقيمتها بالرغم منه. لذلك، يبقى سؤال أولويّة الموسيقي أو النضالي بلا إجابة، فالفصل بين الفني عن السياسي يبدو هنا عسيرًا كما هو دائمًا، حتى ولو أغرتنا موسيقى جنوب أفريقيا لمحاباتها بمنحها الأولويّة على حساب نضالها.

المراجع

The Beat that Beat Apartheid: The Role of Music in the Resistance against Apartheid in South Africa

The Sounds of Resistance: The Role of Music in South Africa’s Anti-Apartheid Movement Michela E. Vershbow

فيلم وثائقي: A Revolution in Four-Part Harmony 

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply