داري يا قلبي، داري يا موسيقاي | عن أغنية حمزة نمرة

كتابةمعازف - فبراير/شباط 26, 2018

حرَّم الإسلام المراهنة، وتعسَّفت تسجيلات أوايكنِنج – ذات الطابع الإسلامي المعاصر – بتطبيق هذا الحكم فحرَّمت المغامرة أيضًا. عند إلقاء نظرة على قائمة فنانيها التي تضم حمزة نمرة وماهر زين، وسابقًا سامي يوسف، نعرف أنها تقدِّم متعلقات شخصية تعبِّر عن أسلوب حياة وعن إفادة سياسية / دينية معينة قبل أن تقدِّم الموسيقى. نجومها هم ترجمات إسلامية معاصرة لظاهرة السوبرستار، يضعون شخصياتهم وصورتهم في الواجهة وموسيقاهم في الخلف. لكن هل يكفي هذا لرمي أغنية حمزة نمرة الجديدة واسعة الانتشار في هذا الصندوق المشبوه، خصوصًا كونه أحد المشتبهين بهم المعتادين نظرًا لإصداره سابقًا أغانيَ باسم: يا إسرائيل وأنا المصري والميدان؟ أم أن هذا التحيز المسبق يعمينا عن بعض المكاسب التي قد تكون ساهمت في انتشار الأغنية الاستثنائي؟

في الاستماعات الأولى تشابهت علينا الأغنية وموسيقات إعلانات المشاريع العقارية في الخليج. موسيقى عامة، بلا ملامح، يراد بها عدم إثارة أي نوع من المشاعر أكثر مما يفترض أن يثيره فيك كوب قهوة من ستار بكس. توزيع الأغنية منسوخ عن أغانٍ صدرت في مطلع الألفينات مثل قصاد عيني لـ عمرو دياب الصادرة في ٢٠٠٤ بتأليفٍ وإنتاجٍ أفضل بمراحل. أما العود فيبدو أنه دخل الأغنية من أبواب إيديولوجية / ثقافية أكثر منها موسيقية، يتضح هذا عند تولي حمزة عزف مقطع منفرد على العود لا تزيد أهميته عن أهمية عبارة “شعب مصر العظيم” في مطلع خطاب للسيسي. لو كانت الأعمال بالنيات، من الواضح في الحالتين غياب النيَّة باحترام المستمع.

تتحسن الأمور بشكل ملحوظ عندما نصل إلى كلمات الأغنية، والتي كتبها محمود فاروق. لا تلعب الكلمات بشكلٍ ذكي على منظور المتحدث وحسب، بل توظف هذه الحيلة لتحسين تلقينا للأغنية بالمجمل. تأخذ الأغنية مشاكلَ بدأت على مستوى سياسي جمعي، وأخذت خلال السنوات الأخيرة في العالم العربي بالانعكاس على أكثر مستويات الحياة شخصيةً. هُجِّرَ الناس – لأسباب سياسية مباشرة وغير مباشرة – بأعداد كبيرة حتى عانى منها من بقي بقدر ما عانى منها من رحل. تلاحظ كلمات الأغنية هذه الظاهرة وتجلياتها بلغة سهلة ولمَّاحة في آن، من ظواهر الكآبة والاغتراب: “مابتديش حاجة اهتمام / أهلاً أهلاً … سلام سلام / بقى طبعك قِلة الكلام”، إلى استخدام مجازات شعبية للتعبير عن الظاهرة بعمومها: “شايف في عينيك نظرة حنين / بتحن لمين ولا مين / طول عمرها ماشية السنين / والناس ركاب.”

خلال رصدها لهذا الانعكاس من العام السياسي إلى الشخصي، تخلق الأغنية انعكاسًا مقابلًا ذكيًا من كون هذه المشاكل مشاكل أفراد لكونها مشكلة مجتمع. صحيح أن معظم الأسطر مكتوبة باستخدام الـ أنا، إلا أننا نسمع الـ أنت والـ نحن أيضًا، ما يخلق الانطباع بأن حمزة يتحدث عن نفسه وبالنيابة عن مستمعه وبالنيابة عن الجماعة، وما يوحي بأن ما يقاسيه هو لا يختلف عمَّا يقاسيه مستمعه وسائر المجتمع. يخلق هذا نوعًا من الألفة الأسرية، ويبرر إلى حدٍ ما وجود العود الذي يساهم بخلق هذا الشعور المطمئن بوحدة المصاب، والذي يبدأ بدوره بتفسير شعبية الأغنية الاستثنائية، لمعرفتها كيف تضع الملح على الجرح ثم تستبدله بالدواء.

إعلان

قد يفسِّر هذا التحليل سبب نجاح داري يا قلبي، لكن هل يخرجها عن دائرة الخوف من المغامرة واسترضاء الجمهور المضمون؟ عندما نتخيل الأغنية بكلماتٍ أخرى نجدها تتداعى على نفسها. حينها نكتشف أن القليل الجيِّد الذي تقدمه داري يا قلبي ليس هو إلا الحد الأدنى الذي يتيح لبعض الفنانين تقديم العمل ذاته مرة تلو الأخرى للجمهور.

Leave a Reply