راب زاب (ثروت)

الاعتقاد بأن الشعر العامي هو نفسه الراب أحد أسباب الأزمة التى يمر بها مشهد الراب المصري. بدلاً من اختيار أحدهما وإتقانه، اختير الاستسهال وخلط اللونين ببعضهما ليخرج شيء ما مشوّه. هذه الفكرة عن الراب كخليط مع الشعر العامي المتفائل الذي يعطي المستمع نصائح في الحياة ويحثه على كل ما هو جيد، كالدين – هي مفهوم زاب ثروت عن الراب. من خلال رابزاب، يتضح أن زاب لا يعرف الشيء الكثير عن الراب.

ما حصل هو أن زاب لجأ للراب. زاب وجد أن قول أبيات شعرية عامية بأسلوب راب يُغنيه عن الحاجة إلى صوت غنائي جميل. هو قرر أن يقول أبياته، معتقداً أنه هكذا يؤدي الراب. هي معادلة بسيطة وسطحية لا تحتاج إلى جهد أو مهارة. ما يقدمه هو موسيقى يمكن أن نطلق عليها اسم موسيقى سهلة تماماً مثل كايروكي لسهولة تقبلها من المستمع ومرورها عليه مرور الكرام. أي أنه ليس عليك أن تحب الموسيقى لتحب هذه الموسيقى.

مشكلة زاب ثروت الأساسية هي اعتقاده أنه يصنع راب. ما يقدمه زاب ليس راب، وليس أيضاً بوب صريح، هو بوب (من النوع السيء، فهناك بوب جيد وبوب ممتاز) لكنه متنكر فى صورة راب. بمعنى آخر، للفنان اسماعيل ياسين وثلاثي أضواء المسرح أغان قد تشبه الراب لمجرد التشابه الالقائي ما بين الراب والمونولوج في بعض النواحي.

فكيف إذاً حقق زاب ثروت هذا المستوى من النجاح المضلل؟ فى ظل الثورة ظهرت فرق كثيرة تنادي بالحرية وتتحدث عن الحقوق والعدل وما شابه. في تلك الظروف كان هذا مطلوباً ومقبولاً مهما كان النوع الموسيقي المطروح على المستمع، واستفاد الفنانون من ما يشبه رخصة ظروف استثنائية، تعفيهم من معايير الجودة. عبارات مثل حق المظلوم وحرية الرأي وغيرها جعلت كل من يقولها بطلاً، وأنحت تماماً أي اهتمام بجماليات ما يقال. ظهور زاب كان فى تلك هذه الفترة ولا أتذكره قبل ذلك أول ظهور لزاب كان ضمن فريق اسفلت. الشعر العامي كان الوسيلة الطبيعية للتعبير عن القهر السياسي والظلم. عمنا نجم كان رائد هذا النوع هو والشيخ إمام.

الشعر العامي الذي ظهر خلال الثورة المصرية كان الرفّاص الذي قفز عنه زاب في بركة الراب ولوّثها. كان ذلك بعد أن انتهت موجة الشعر وقرر زاب أن يتحول الى الراب بما في ذلك من تركيب جمل واستخدام القوافي والسجع والعَروض وغيره من مكونات الجملة الشعرية. لكن زاب تناسى تماما أموراًِ أساسية في الراب مثل الإلقاء والتدفق Flow والإيقاعات، وكيف يُحكم إيقاع النص. الراب يحكمه الإيقاع الموسيقي، بينما الشعر يحكمه إيقاعه الداخلي.

أمثلة على فقر زاب

لكتابة هذا المقال قررت أن أسمع زاب لفترة طويلة ومتواصلة ومتقطعة ايضاً، لأجرّد نفسي من الأحكام المسبقة والابتضانات النفسية وأتمكن من إعطاء كل ذي حق حقه. كانت الصدمة فى الآتي:

الخوف لو جبل بيخبي عني إني أشوف، حلمي ومعنى حياتي يبقى ملعون الخوف
أكسره وأكمل وابني بالصخر سور، صاحبي وكتفك في كتفي لو الطريق يطول
من غيرك مش هتكمل دايما خليك معايا، عمرك سمعت عن حكاية من غير نهاية
نفرض أنا البداية وانت حلو النهاية، نفرض أنا النهاية وانت كل البداية
يا صاحبي لو تغيب يبقى مين اللي باقي، بص في مرايتك وابتسم وقولي ايه هتلاقي
صورة بملامحي في المراية مرسومة فيك، صاحبك واخوك وضهرك واللي باقي ليك

لم أصدق أن هناك رابر يستخدم مثل هذه الكلمات في عام ٢٠١٥. كلمات كهذه تعني أن الرابر غير مطلع بتاتاً على أي تطور حصل محلياً أو عالمياً، خصوصا منذ بداية ٢٠١٤. هذا فقرٌ لغوي وفني مدقع. من الطبيعي أن تكون الكلمات بسيطة لأنه إعلان من شركة، ولكن كان من الممكن اختيار كلمات غير مستهلكة تماماً. أشوف خوف، سور يطول، باقي هتلاقي! من لا يستطيع الاتيان بقوافي كهذه؟

أنا بطل حياتي

حياتي طول عمرها زحمة مليانه بالناس، كلام كتير في راسي مش من راسي في الاساس

محدش ليه مصدق إن انا بطل حياتي، اختياراتي حركاتي أو تصرفاتي

فى الراب المعقول أغنية عنوانها أنا بطل حياتي قد تكون سرداً واقعياً عن الحياة اليومية أو تصوّراً مقنِعاً عن حياة شخص آخر محكي بفنيات عالية. عند زاب، من الواضح أن القافية بأبسط أشكالها (السجع) غلبت كل المعايير الأخرى. القافية تحكمت فى زاب منذ مطلع الاغنية! يلتزم زاب بقافية مملة متوقعة تكاد تتوقع كلماتها منذ السماع الأول لاموني جنوني لوني عيوني ناس أساس.

لو مهما الناس لاموني، مهما كان جنوني مهما كان اختلافي مبسوط بأصل لوني

شايف حياتي من عيوني مش عيون الناس، كاسر حدود خيالي و ده لنجاحي كان أساس

ويثابر زاب ويصر على القافية دون أن محاولة للكسر أو التنويه أو العمل الجاد، ليختتم الأغنية بأسوأ ما قد ينتج عن كلمات تقال فوق إيقاع:

شايف في بكرا فكرة يمكن بيكوا تبقى اجمل، عايز تشارك أهلًا واياك تفارق ابدًا

جرب معانا تحلم حاول في بكرا ترسم، فكر وعيدها تاني انت عايز تبقى ايه، زعق باعلى صوتك انت مين وفين وليه

لو كنت صاحب شركة تسويق مشروبات غازية للمراهقين لا أستطيع استخدام تلك الأبيات كإعلان عن الشركة بسبب فقرها لغوياً وانعدام المخيلة في إنشائها وخلوها من أي ما يقترب من جملة جيدة. يذكر أن أغنية أنا بطل حياتي عمرها ١١ شهر يعنى أنها صدرت فى عام ٢٠١٥، وقت كان فيه مشهد الراب المصري فى قمة إبداعه، لكن من الواضح أن البعض فى غيبوبة في ذلك الوقت ظهرت أعمال ممتازة ل لأدهم ودامَ وأبيوسف وكثيرين غيرهم .

فى أغنية احنا جيل وانتوا جيل يلجأ زاب إلى تعقيد كلماته من خلال تركيب الجملة بشكل يعطي نفحة ثقافية مربكة تضفي على الأغنية عمقاً مخادعاً، وتشعر المستمع بأنها لأهل الثقافة وعلية القوم، فهل هي الطبقية التى تحكم كلمات هذه الأغنية الفقيرة؟

إذا افترضنا أن زاب رابر وهو ما ارفضه بشكل شديد – فهو إذاً رابر يفتقر إلى أي نوع من المهارات. زاب أيضاً غير مهتم أبداً بالجودة أو الابتكار. هو يؤدي بطريقة تقليدية تكاد تكون كأنه شخص يقرأ علينا الجريدة. زاب لا يحاول تنويع طريقة القائه من خلال تقطيع البارات وتكسيرها ليتيح لنفسه فرصاً فنية وليخفف علينا عناء سماعه. هو أيضاً لا يعبّر بصوته، أي أنه لا يغير صوته أو طريقة إلقائه بما يتناسب والكلمات التي يقولها، تماماً كمن يقرأ جريدة لأبيه الذي لم يعد بصره يساعده على القراءة بنفسه. فهل نحن عميان إذاً؟

سر نجاح زاب

يتخطى جمهور زاب ثروت المليون فى بعض أغنياته. وجهه في كل مكان وحفلاته تكتظ بالجماهير. عدد المعجبين بزاب في مصر يفوق عدد المعجبين بـ بيجي وتوباك معاً، وهم مدخل أي من هو مهتم بالراب. هذا يدل على أن جمهور زاب ليسوا سميعة راب – وهذا ليس ذماً – وإن كانوا ميالين للراب، فإن ذائقتهم لم تصقل بعد. وهذا هو سر نجاح زاب. هو يغني راب لجمهور قد يكون ميالاً للراب ولكن ذائقته ما زالت في طور التكوين، وبالتالي فكل هذا لا بأس به إن استمر هذا الجمهور في تطوير ذائقته وسمع ما هو أفضل. الكارثة تكون لو توقفوا عند زاب.