دون كيشوت العود | مقابلة مع رومان بونكا

كتابةياسر عبد الله - أغسطس/آب 13, 2018

يرى الموسيقي اﻷلماني رومان بونكا (المولود عام ١٩٥١) نفسه متوسط المراكز التي يحمل تأثيرها. طوال مسيرة بدأت منذ سبعينات القرن الماضي عزف خلالها الجيتار والعود، استطاع أن يقدم لمسة خاصة في الجاز والروك اﻷوروبي، تصهر بخبرة شخصية بين تأثيرات الشرق والغرب، وعبر تعاونه مع محمد منير منح العود صوتًا مختلفًا في اﻷغنية المصرية المعاصرة.

في مقابلته مع معازف، يتحدث عن اكتشافه للتقاسيم والعود، وخوفه من تعثر خطواته في دروب السيكاه ومطاردته ﻷشباح المقام.


كنت أقرأ كتيّب  Color Me Cairo ورأيت صورتك طفلًا على خريطة القاهرة. خطر ببالي أن القاهرة ربما كانت قدرك بشكل ما، كانت مثل السيرينا أو النداهة بالنسبة لك منذ البداية، هل تعتقد ذلك؟

من الصعب جدًا القول (يضحك) فكرة الغلاف كانت عبارة عن كولاج من صورتي طفلًا في جنوب أسبانيا حيث استمعت للمرة اﻷولى للموسيقى العربية عبر الراديو ووضعت الصورة على خريطة للقاهرة، جُمعت الصورتان معًا على الغلاف. الفكرة أني عندما كنت طفلًا كانت تلك فرصتي للاستماع للموسيقى العربية، لم يكن هناك من يستمع لها في ألمانيا في ذلك الوقت، بينما في إسبانيا يمكنك الاستماع إلى الإذاعات المغربية أو الجزائرية فاستمعت بالطبع إلى الموسيقى العربية هناك ﻷني كنت أمتلك راديو ترانزستور صغير، ربما كان لهذا تأثير علي، كان هناك أيضًا تأثير آخر من موسيقى الفلامنكو التي ترتبط بشكل ما بالموسيقى الشرقية، ﻻ أعني الموسيقى المصرية فقط لكن الموسيقى الشرقية ككل، كذلك اﻷندلس كانت مهمة جدًا بالنسبة لمصر فيما يخص تطور الموسيقى، كل تلك اﻷشياء مترابطة.

إذًا لم يكن الاستماع اﻷول للموسيقى العربية في القاهرة بل في أوروبا.

كان في أوروبا وكان في اﻷندلس.

ثم بدأت عزف الجيتار بسبب التأثير الأندلسي؟

لا، بل بدأت عزف الجيتار ﻷن والدي امتلك جيتارًا ومارس العزف كهاوي، هكذا عزفت الجيتار في البداية ثم تعرفت على الموسيقى الشرقية ﻻحقًا حين كنت مراهقًا. العود قصة أخرى فقد جاء بعد ذلك بكثير.

إعلان

ثم بعد تعلمك العزف على الجيتار اشتركت في فرق موسيقية أم أتى ذلك لاحقًا؟

في البداية درست الموسيقى في الكونسرفتوار وتعلمت عزف البيانو، وفي سن ١٨ التحقت بفرق موسيقية وأصبحت عازفًا محترفًا في مجال الروك والبوب والموسيقى الشعبية، درست الفن في مدرسة الفنون ومن خلالها أصبحت عازفًا محترفًا في فرق ألمانية هنا وقمت بأول تسجيل لي مع إحدى تلك الفرق حين كنت في الـ ١٩-٢٠.

تعني إمبريو؟

بلى Embryo، في هذه الفرقة استخدمت للمرة اﻷولى آلة شرقية، كانت الباغلاما التركية ﻷن هناك كثير من الموسيقيين اﻷتراك هنا في ألمانيا. أظن أني أخبرتك سابقًا أني وجدت عودي اﻷول في اسطنبول في بازار هناك، كان عمري ٢٠ تقريبًا، كان العود مصنوعًا في اﻷسكندرية ولم يكن عودًا تركيًا، كان عودًا قديمًا من الأسكندرية ولم أكن أعرف بالضبط ما هو العود، اشتريته بمبلغ زهيد من المال وعدت به إلى ألمانيا وبدأت العزف عليه. في الوقت نفسه كنت أستمع لتسجيلات عازفين على العود، منير بشير وحمزة علاء الدين، لكني لم أكن أعرف ما الذي أفعله بالعود، ضبطته حسب دوزان الجيتار وعزفت عليه كل شيء، حينها أيضًا بدأت الاستماع إلى أم كلثوم وأصبحت مهتمًا أكثر بغنائها.

بعدها كنا نعزف في إسبانيا، في اﻷندلس مرة أخرى، كان ذلك حوالي ١٩٧٦ كما أذكر، واستمعت في الليل في السيارة إلى تقسيم على العود، فُتنت بالعزف جدًا، كان التسجيل لرياض السنباطي. عزف رياض السنباطي مسّني تمامًا وقلت لنفسي علي الذهاب إلى هذا البلد لتعلم العود، في تلك الليلة لم أكن أعرف موطن رياض السنباطي بالمناسبة ثم اكتشفت أنه ملحن أم كلثوم وأنه مصري من القاهرة، هكذا أصبحت مهتمًا أكثر بالذهاب إلى القاهرة ومصر لأتعلم أكثر عن الموسيقى المصرية وعن العود المصري وكيفية عزفه.

لكن قبل ذلك ذهبت إلى الهند وأفغانستان كما شاهدت في فيلم Vagabunden Karawane.

ذهبت إلى الهند وأفغانستان، كنت أستخدم العود وقتها لكني قبل السفر إلى القاهرة كنت أعزف ألحانًا هندية أو أفغانية ولم أكن على معرفة كبيرة بالموسيقى العربية، هكذا سافرت أولًا في تلك الرحلة إلى الهند وكانت خبرتي الموسيقية قادمة من تركيا وإيران وباكستان والهند ثم سافرت إلى القاهرة، كانت رحلتنا إلى الهند في ١٩٧٨-١٩٧٩ أما الزيارة اﻷولى للقاهرة كانت في ١٩٨٢، في تلك السنة حدثت أشياء كثيرة، وجدت الرحلة شيقة جدًا وقابلت موسيقيين كثيرين وبدأت التعاون مع فتحي سلامة ومحمد منير مما وفر لي فرص العودة للقاهرة ﻷنهما ساعداني في ذلك فيما يخص التأشيرات والعمل كما تعرف، كنت أعمل في الاستوديو في نفس الوقت الذي بحثت فيه عن أستاذ للعود أدرس معه.

ولدتُ في نفس العام بالمناسبة لكن الآن تبدو الثمانينات بعيدة، حتى الستينات تبدو أقرب منها، تعرف أنها مرحلة ضبابية نوعًا ما، يمكننا استرجاع بعض الذكريات لكنها فترة لم تكتب بعد، كيف وجدت المشهد الموسيقي وقتها في مصر؟

أظن في هذا الوقت كان هناك تغير كبير في المشهد ﻷن الملحنين والمطربين الكبار كانوا كبروا في السن أو توفوا، وأتى جيل جديد تأثر بالجاز والموسيقى الغربية أكثر وأدخل الكيبورد والدرامز وكل تلك اﻵﻻت اتسع استخدامها في ذلك الوقت، كان هناك تغير. أذكر أن أم كلثوم كان صوتها حاضرًا في كل شارع طوال ٢٤ ساعة، وكنت إذا سافرت إلى مصر تسمع أم كلثوم في كل راديو وكل مكان وهذا لم يعد موجودًا اﻵن، ﻻ زال صوتها حاضرًا لكن وقتها كان اﻷمر أشبه بديكتاتورية، أشبه بالصوت الكبير، كان انطباعي أنه لم تزل هناك الموسيقى القديمة لكن كان هناك تغير ﻷن جيل أصغر يستمع إلى الموسيقى العالمية وأراد شيئًا جديدًا.

كيف تصف هذا الجديد أو هذه الجدة في ذلك الوقت؟ ولماذا كان يعد جديدًا بالنسبة لما سبقه؟

وقتها بدأ الموسيقيون يعزفون إيقاعات مختلفة، ولم يعزفوا فقط الإيقاعات المصرية لكن بدؤوا عزف إيقاعات من الجاز والروك، وبدؤوا كذلك استخدام إيقاعات أفريقية بصورة أكبر، بحثوا عن الأرتام النوبية والموسيقى الفولكلورية. كان هناك بحث عن شيء جديد في ذلك الوقت، ولعدم وجود شبكة الإنترنت كان اﻷمر شخصيًا بصورة أكبر، فحين سافرت لمصر أخذت معي شرائط كاسيت لموسيقيين من هنا ظننت إنها مثيرة ﻻهتمام الموسيقيين هناك، وكان ذلك تبادل كبير للمعلومات، كنت أحضر معي موسيقى ﻻ يعرفونها وآخذ معي موسيقى ﻻ أعرفها يعزفونها لي، اﻷمر ﻻ يشبه الحاضر حيث يمكنك العثور على كل شيء على الإنترنت.

إذًا هل يمكنك وصف هذه المرحلة بأنها بداية موسيقى العالم world music  في مصر؟

موسيقى العالم في مصر بدأت قبل ذلك حسبما أظن، أول موسيقى عالم حقيقية كانت أسطوانة هندو عربي التي سجلها بليغ حمدي مع موسيقيين هنود. أعتقد أن ذلك كان أول تسجيل مصري يمكن تصنيفه موسيقى عالم، خاصة أن بليغ حمدي كان مبدعًا جدًا، أظن أن التسجيل كان في السبعينات.

كان ذلك في نهاية السبعينات وصدرت اﻷسطوانة في ١٩٨١ حسبما أذكر لكنها صدرت في باريس وليس القاهرة.

أعتقد في القاهرة لم يكن يعلم عنها الكثيرون لكن بعض الموسيقيين استمعوا لها، كذلك في الثمانينات اختلف عمل الاستوديو، أذكر أني مع منير ومع فتحي سلامة بدأنا العمل بنظام التراكات لذا كان هناك كثير من التجربة في الاستوديو وأمضينا وقتًا طويلًا فيه لتسجيل شيء جديد ومزج الجيتار الكهربي بطريقة مختلفة والسنثسايزر والإيقاعات وأحضرنا عازف الدرامز التركي أوكاي تيمس، كانت تلك فترة تجربة.

هل كانت التجربة متأثرة بالموسيقى الكلاسيكية المصرية أم كانت بعيدة تمامًا عنها؟

أظن أنه كان هناك فارق كبير بين الموسيقى الكلاسيكية المصرية وهذه الطريقة التي اعتمدت صهر جديد للروك والبوب أشبه بما كان يحدث في ألمانيا، كان هناك فارق كبير لم يعد موجودًا، حيث يستمع الموسيقيون الكلاسيكيون اﻵن لكل الموسيقات وحتى يعزفون أنماطًا مختلفة من الموسيقى، أظن في التمانينات كان هناك تطرف في الابتعاد عن الكلاسيكية، أذكر كيف سمعت من البعض أنهم يكرهون أم كلثوم ﻷنهم مضطرين للاستماع لها طوال الوقت ويريدون شيئًا جديدًا، وبعد ذلك قالوا نحب أم كلثوم واكتشفنا اﻵن جمال غنائها وكلاسيكيته، لكن في ذلك الوقت كان هناك بحث كبير.

هل تظن أن البحث وقتها كان أغنى عن اﻵن حتى ونحن نمتلك الإنترنت حاليًا، لكن التجربة كانت أغنى ﻷنها كانت شخصية جدًا؟

أظن أن البحث كان مختلفًا، كان هناك عدد محدود من الموسيقيين والناس وكان اﻷمر شخصيًا بصورة أكبر لكن اﻵن هناك ناس أكثر وفرص أكبر، ليس من السهل القول أي اﻷزمان أفضل وﻻ أريد القول أن اﻷسبق أجمل، هل تفهم ما أعنيه؟

إعلان

أفهمك تمامًا لكن أعني أنه كان أصيلًا بصورة أكبر أو شيء من هذا القبيل.

أظن أنه كان اتصالًا شخصيًا بصورة أكبر مع الموسيقيين وقتها بالنسبة لي وأصيل بصورة أكبر ربما.

إذًا أتيت للبحث عن السنباطي فقابلت منير كما قلت في حفل الأسكندرية.

اﻷمر طريف جدًا (يضحك) كنت دائب البحث عن الموسيقى الكلاسيكية فالتقيت بمغني بوب، لكن ﻻ تنسَ أني كنت أحب الموسيقى النوبية وكنت متأثرًا بحمزة علاء الدين والعود النوبي واﻷفريقي، كنت كذلك دائم الاستماع لعازفي العود السودانيين والموسيقى ذات الجذور اﻷفريقية ﻷنها كانت أقرب إلى الموسيقى التي عزفتها من قبل مثل الجاز والبلوز والروك، كلها أتت من أفريقيا. اﻷمر أشبه بدائرة، عندما اكتشفت أن النوبيين يملكون نفس الإيقاعات مثل البيتلز الذين استمعت لهم حين كنت مراهقًا، بدت كما لو كان هناك دائرة تكتمل. بعض إيقاعات الدف النوبي تشبه أغاني ضاربة للبيتلز فقلت لنفسي: آه كل هذه الموسيقى جاءت من النيل إذًا (يضحك).

هل درست العود مع أحمد منيب؟

قابلت أحمد منيب لكني لم أدرس معه ﻷنه كان ملحنًا ولم يكن عازفًا حاذقًا على العود، كان عزفه بسيطًا جدًا فلم تكن هناك مشاكل تكنيك بالنسبة لي للعزف معه أو لعزف هذا النوع من الموسيقى ﻷني كنت على معرفة بالإيقاعات، وكانت قريبة كذلك من الموسيقى اﻷفروأمريكية التي عزفتها من قبل، كانت لي تجربة سابقة مع موسيقيين سود في ألمانيا وأوروبا وأمريكا، عزفت مع عازفي جاز وهكذا كانت مألوفة بالنسبة لي. لكني أحببت الألحان النوبية ﻷنها مينيمالية وقديمة جدًا، لدي إحساس أن هذه اﻷلحان، بعضها على اﻷقل، قديمة مثل الأهرامات.

ما الذي تعنيه بقديمة مثل الأهرامات.

أقصد أني أحس بأن اﻷلحان الفولكلورية، ليست النوبية فقط بل المصرية كذلك، هي ألحان قديمة جدًا تشعر أنها قادمة من حضارة قديمة.

هل تعتقد أن هذا بسبب العود أم بسبب طبيعتها المينيمالية؟

يمكن بسبب طبيعتها المينميالية، قصدت أن اﻷلحان نفسها قوية جدًا، لو استمعت لبعض تسجيلات أحمد منيب أو ألحان من الفولكلور النوبي أو من الدلتا أيضًا ستعرف كم هي قوية، اﻷلحان الفولكلورية دائمًا ما تكون قديمة جدًا وتحمل كثيرًا من القوة، هذا ما عنيته، في خيالي أنها قديمة جدًا وهذا ما يكسبها قوة كبيرة شعرت بها في ذلك الوقت. وكما تعرف، مصر حضارة قديمة جدًا ونحن الألمان صغار في السن (يضحك) كما قال يوسف شاهين في حديثه عن الحضارة المصرية.

في Vagabunden Karawane هناك اقتباس أعجبني كثيرًا، “الموسيقى حياة إن لم تعشها فلن تخرج أبدًا من آلتك”، تشارلي باركر قال ذلك، إذًا كيف تعيش موسيقاك؟

اﻷمر يعتمد كثيرًا على السن كما تعرف، حين سافرنا إلى الهند كان عمري أقل من الثلاثين، وأنا اﻵن أقترب من السبعين، اﻷشياء تتغير وأنا أعيش اﻵن بشكل أكثر هدوءًا عما كنته في الثلاثين أو اﻷربعين، لكن العلاقة مع اﻵلة أو الموسيقى لم تزل موجودة لكنها تغيرت، اﻵن ﻻ أستمع كثيرًا إلى الموسيقى مثلما سبق، أستمتع أكثر بصوت الطبيعة أو البحر لكني لا زلت أكافح لاكتشاف أفكار وإلهام لتأليف ألحان، كما تعرف أحاول كتابة موسيقى ﻷن طريقتي خاصة بعض الشيء وعلي إظهار خصوصية طريقتي عبر الألحان التي أكتبها فهذه فرصتي الوحيدة.

ما الشيء الأكثر خصوصية في تجربتك؟

أعتقد أن الشيء الخاص بي أني لم أدرس الموسيقى العربية بنسبة ١٠٠٪ ولم أدرس الموسيقى الكلاسيكية اﻷوربية بنسبة ١٠٠٪ ولم أكن موسيقي جاز بنسبة ١٠٠٪، وهكذا فأنا متوسط نوعًا ما بين المراكز، في الواقع علي أن أعزف الشيء الخاص بي، هذا يبدو في بعض اﻷحيان مثل لوحة ساذجة أو طفولية، لكن علي أن أركز بشكل كبير على تاريخي الشخصي، ﻷني أحمل بعضًا من عبده داغر وبعضًا من أحمد منيب وبعضًا من تشارلي باركر كما أتمنى، أجزاء صغيرة من كل هؤلاء ومن الصعب العثور على صوتك المنفرد لكن هذه لمستك أيضًا. بالنسبة لي العود آلة أستخدمها كثيرًا بأسلوب الجيتار، إذا سمعتني ستدرك أن العزف يحمل سمات عزف الجيتار أكثر من سمات عزف العود.

وتعزف الجيتار الكهربي مثل العود أحيانًا.

حين أعزف الجيتار الكهربي أحيانًا يكون في بالي إلهام من عزف العود والباغلاما وكذلك البزق، هذا اﻷثر موجود أيضًا. أحيانًا أمضي أكثر باتجاه محاولة عزف الربع تون أو السيكاه لكني ﻻ أعزف المقام على الجيتار بسبب وجود الدساتين المعدنية.

إذًا هل تعتقد أن هذه السذاجة التي أتت من عدم الدراسة بشكل وافٍ تكسب موسيقاك شيئًا أشبه بالجمال الطفولي؟

أتمنى ذلك (يضحك) هذه طريقتي الخاصة بشكل ما ﻷن علي الجمع بين كل هذه التأثيرات وأظن أن هذه إحدى الطرق للمضي مع الموسيقى ومعرفة تاريخك الشخصي نفسه كما ذكرت سابقًا، محاولة أن تبتكر مع هذه المعرفة لكنها ﻻ زالت مثل لوحة ساذجة أو منتج فني في غاية البساطة، أنا أحب اﻷلحان البسيطة وﻻ أرغب في تأليف شيء معقد جدًا ﻷني أؤمن بعض الشيء بالبساطة، وأحب البساطة في الموسيقى.

وهذا يجعل الآلات تعزفك كما قال حمزة علاء الدين ذات مرة، حين كان يتحدث عن الدف قائلًا أنك تحتاج ترك نفسك للآلة لكي تعزفك.

كما تعرف أنا أعزف الدف أيضًا، الدف ليس آلة إيقاعية معقدة أبدًا لكن موسيقاه في نفس الوقت موسيقى لطيفة جدًا وهو آلة ترانس أيضًا يتم استخدامه في موسيقى الترانس ويعطي هذا الإحساس. بالطبع عليك الاستماع إلى آلتك، آلتك هي معلمك اﻷفضل لو أمكنك الإنصات لها، إذا عزفت نغمتين على عودي وأنصتُ جيدًا فالعود يعلمني أكثر مما يمكنني عبر استخدام أشياء أخرى. أظن أن الشيء الرئيسي أن تنصت إلى آلتك لذا يمكنني فهم ما يعنيه حمزة علاء الدين. أظن أن الموسيقى أيضًا نوعٌ من التأمل، خاصة الموسيقى الشرقية والتقاسيم، تعزف نغمة أو اثنتين فقط لتدرك جيدًا مبدأ السماع، أعتقد أن هذا هو ما جذبني للموسيقى الشرقية، فالتقسيم يبدأ بنغمة ثم ينتقل إلى نغمة أخرى وهكذا، كما تعرف ﻻ نملك شيئًا مشابهًا في الموسيقى اﻷوروبية الكلاسيكية، ليس مثل ذلك، هذا كان أيضًا جذابًا جدًا لي، كان أشبه بتأمل صوتي، تمضي فيه مع الصوت نفسه.

لنرجع قليلًا إلى الثمانينات، بعد ٣٥ عامًا هل تعتقد أنك ساهمت في تشكيل الموسيقى المصرية النيوكلاسيكية؟ فمنير اﻵن يعد كلاسيكيًا في مصر.

(يضحك) ﻻ يمكنني مقارنة نفسي بمنير ﻷنه مصري ومغني ويمتلك لغته، من الصعب جدًا أن تقول لنفسك ما هو الإسهام الذي ساهمته في الموسيقى المصرية، أتمنى أن أستطيع المساهمة في موسيقى المصريين، أحس دائمًا أنهم قبلوني واستقبلوني بترحاب، لكن أن أقول بالضبط مدى مساهمتي أو ما هي خصوصيتي أظن من اﻷفضل أن يقول هذا شخص غيري ﻷنه من الصعب جدًا أن تنقد نفسك،  تعرف أن الموسيقيين غير راضين دائمًا عن موسيقاهم، دائمًا هناك كثير من النقد الذاتي، بعد الحفل تقول لنفسك “ياه أنا لعبت زي الخرا”، كنت أتمنى أن أعزف أفضل ولم يحدث، دائمًا هناك تلك العملية من النقد والرغبة في التحسن، اﻷمر صعب جدًا لكني أتمنى أن أكون قد ساهمت عبر تجربة حياتي في عزف العود عبر رحلاتي وعبر عزفي للجيتار قبل ذلك وعبر قصة حياتي كلها. لو كان هذا سيعطي شيئًا للناس سيكون ذلك عظيمًا.

أعتقد بالنسبة لي أنك منحت العود صوتًا جديدًا في موسيقى البوب المصرية، ليست مجاملة، بالنسبة لي وأنا عشت في الثمانينات طفلًا وبدأت الاستماع لمنير في مراهقتي، أعتقد أنك قدمت صوتًا جديدًا للعود في موسيقى البوب في مصر.

أعتقد أني أعطيت العود لمسة جديدة ربما لم أكن حتى على وعي بها ﻷني خجول أيضًا كما تعرف، أنا سعيد بسماع ذلك بالطبع، لو كان بإمكاني استحضار لون آخر في هذه الموسيقى الغنية باﻷلوان فهذا يسعدني، لكن نيتي كانت فقط تعلم اﻵلة وإلى اﻵن ﻻ زلت أتعلم. في بعض اﻷحيان أفكر أني لم أتعلم هذا القدر الكافي في مصر عبر كل تلك السنوات ﻷن الحياة أيضًا معقدة، ولم أقم فترة أطول للدراسة مع عبده داغر وتعلم فن التقاسيم لذلك هناك كثير من اﻷشياء التي يمكن فعلها.

لنتحدث قليلًا عن عبده داغر، أعرف أن له أثر كبير عليك، التقيتُ به وهو إنسان فريد من نوعه ومعلم فريد من نوعه، كيف التقيتَ به؟

التقيتُ به ﻷنه كان يصنع اﻷعواد ويبيعها، لكن في نفس الوقت كنت قد استمعتُ له على شريط كاسيت يعزف مع عمار الشريعي، فتنتُ جدًا بالدويتو بينهما، لم أكن قد استمعت لعمار يعزف بهذه الصورة من قبل، كنت أعرف عمار الشريعي، عازف العود الكفيف والملحن، وحين سمعت التقسيم الثنائي بينهما ذهلت، لكني لم أكن أعرف أن هذا عبده داغر، ثم ذهبت إلى منزل عبده وجربت عودًا وعزفت عليه بعضًا من مؤلفاته، كان الموضوع طريفًا فقال “دي مؤلفاتي” فقلت له “آه تبقى إنت عازف الكمان”، كانت لحظة سحرية جدًا. هو شخص فريد جدًا وﻻ أعرف أناسًا مثله.

إعلان

درست معه بعد ذلك.

ذهبتُ إليه بقدر ما أمكنني، خاصة في التسعينات، كانت مشكلة دائمة أني كنت في الاستوديو مع منير ومعنا أشخاص كثيرون وعلينا الذهاب من مكان إلى مكان، وفي الليل علي الذهاب إلى منزل عبده، في بعض اﻷحيان كان حملًا كبيرًا علي ولم أنم بشكلٍ كافٍ ما بين التسجيل في الاستوديو مع منير وفتحي سلامة وغيرهما من الموسيقيين. كنت أذهب إليه كثيرًا وصورنا فيلمًا، أحضرت فريق العمل وصنعنا فيلم العود الذي كان أحد أوائل اﻷفلام عن عبده داغر، كذلك قمت بتنظيم أول جولة ألمانية له هنا، أتى إلى ألمانيا ﻷني دعوته على سبيل الشكر ﻷنه لم يحصل أبدًا على أجر مقابل دراستي، درسني مجانًا فظننت أن بإمكاني منحه شيء في المقابل، فصنعنا الفيلم ونظمت الجولة وكان أمرًا لطيفًا جدًا وحين استمع له الجمهور في ألمانيا أحسوا على الفور بسحر وقوة الموسيقى المصرية من خلاله، كنت سعيدًا جدًا بانبهار الجمهور لما سمعوه.

وسجلت معه أسطوانة ملك التقاسيم.

سجلنا اﻷسطوانة وقمنا بعدة حفلات حية كانت في الواقع أفضل من اﻷسطوانة، لكنها كانت الإصدار الوحيد في ذلك الوقت، سجلوها من أحد المهرجانات لطرحها مباشرة، لكن ﻻ زال عندي كثير من التسجيلات الحية لحفلات عبده داغر، قمنا كذلك بالعزف في ثلاثي مكون من كمانين وعود فقط ولدي عدة تسجيلات لحفلات في ألمانيا للثلاثي، عبده داغر ورياض جواد وأنا على العود، كان اﻷمر شاقًا جدًا وصعبًا بالنسبة لي لكنه لم يضربني (يضحك).

أعتقد أن طريقته في التقاسيم مختلفة تمامًا عن أي أحد.

طبعًا، لكني في الوقت نفسه أشعر بأنه أحد تلك اﻷرواح القديمة، ﻻ أعرف كيف أقولها، أظن في الماضي كان هناك الكثيرون مثل عبده داغر، هل تفهم قصدي؟

أفهمك تمامًا.

اﻵن هو واحد من النوادر الباقين، ليس فيما يخص التأليف، في التأليف هو يصنع مزيجًا مختلفًا تمامًا، من الشرق والغرب وكل أنواع التأثيرات، حتى ولو كان لم يدرس الموسيقى أبدًا. دائمًا لدي الإحساس أنه واحد من أواخر العازفين بهذه الطريقة وربما قبل ١٠٠ سنة كان هناك الكثيرون مثله، وربما كنت مخطئًا ﻷني ﻻ أعرف كل شيء عن الثقافة الموسيقية المصرية وتاريخها لكن هذا كان إحساسي، كثير من الموسيقى القديمة يحملها بداخله، وموسيقى مختلفة. سمعت أنه عزف في الموالد وهو طفل صغير كما تعرف. إذًا ربما التقط كل هذه الموسيقى الفولكلورية والروحية التي لم تعد موجودة بالقدر الكافي في أيامنا، والتي تغيرت كثيرًا، اﻵن لدينا المهرجانات، حتى الشعبي تغير جدًا.

الشعبي تغير جدًا فعلًا، لكن كيف ترى هذا التغير في الموسيقى الشعبية المصرية؟

اﻷمر مثير للاهتمام، حين سمعت المهرجانات في فرح ﻷول مرة أحسست بقوة أكثر من التسجيل، أحسست أنه حقيقي وأنه شعبي مثلما كان الشعبي دائمًا لكن بطريقة مختلفة، فهم لديهم التكرارات loops والدرامز، لكن الإحساس والتلقي السهل بدون مشاكل هو نفسه. أنا ﻻ أفهم العربية فلا أعرف محتوى الأغنية وﻻ الرسالة التي توجهها لكني أشعر أنه ﻻ زال شيء مصري جدًا. بالطبع أحب الشعبي اﻷقدم مثل سامي البابلي الذي عزف مع أحمد عدوية، تعرف سيد أبو شفة؟ عزفت معه أيضًا بصحبة عبده داغر في ألمانيا، كانت تلك فرقة أحمد عدوية القديمة، وكانوا موسيقيين عظماء بشكل ﻻ يُصدق، ﻻ أنسى أبدًا عزف سامي البابلي في ليلة فوق السطوح في القاهرة تقسيم عذب جدًا ولم أسمع أبدًا عزف ترومبيت بهذا الشكل وأظن أنه لم يعد هناك عازفو ترومبيت مثله.

هل قابلت أحمد عدوية وعزفت معه؟

ﻻ، لكن قابلت ابنه. عبده داغر عنده نكتة عندما يكون هناك شيء غير جيد يقول “كله عدوية”، كأن كله شعبي أو ما يشبه ذلك، لكن حينما نستعيد أغانيه نرى أنه موسيقي جيد جدًا وفنان عظيم، لكني لم أستمع كثيرًا لغنائه مثلما استمعت لفرقته والصولوهات والتقاسيم، اهتممت بالجزء اﻵلاتي أكثر.

كيف تجد التقسيم مختلفًا عن الارتجال في الروك أو الجاز؟

ﻷن التقسيم التقليدي مبني أكثر على السلم ومبني أكثر على المقام وليس مبنيًا على الهارموني، في الجاز حين تبدأ بالارتجال عليك أن ترتجل بناءً على الهارموني، ثم لاحقًا تنتقل إلى الارتجال في السلم حين تصبح خبيرًا أكثر بهذا اﻷسلوب، لكن اﻷمر مرتبط دائمًا بالهارموني. في التقسيم أنت تبدأ بالسلم، ليس حتى بالسلم، أنت تبدأ بالجنس، تتراكورد أو نصف سلم، في البدء ثلاث أو أربع نغمات، اﻷمر شيق جدًا ويمنح كثيرًا من الطرق، وأنا ﻻ زلت أكافح للعزف بهذا اﻷسلوب (يضحك) ﻷني ﻻ زلت أوروبيًا جدًا في تفكيري وﻻ زلت أفكر كما لو كان بيانو أو جيتار، اﻷمر انفصامي جدًا وليس سهل التعامل معه.

حين استمعت إليك تعزف الهارمونيوم في Vagabunden Karawane ظننت أنك تحاول عزف راجا أو شيء شبيه.

(يضحك) كان الموضوع أشبه بنكتة، لكن الموسيقى الهندية لها أثر كبير علي بالتأكيد، على عزفي للجيتار أكثر من الهارمونيوم، عزفت الهارمونيوم فقط ﻷنه كان موجودًا أمامي. في هذا الجزء من الفيلم الكلمات مهمة جدًا، النص الألماني كتبه برتولت بريشت المسرحي اﻷلماني العظيم، والقصيدة تناسب جدًا الرجل الجالس بجواري، السادو، رجل بلا نقود ومقدس ويجلس هناك. النص مهم جدًا لكن الموسيقى الهندية كانت مهمة جدًا بالنسبة لي في لقاءاتي اﻷولى مع موسيقيين هنود، تريلوك جورتو ورامين تشوترام، أحدهما من شمال الهند واﻵخر من جنوبها، عزفا مع جون ماكلوفلن، في أوركسترا ماهافيشنو، وكان هذا له أثره الكبير علي.

أحيانًا أفكر أن الراجا في الموسيقى الهندية تشبه كثيرًا المقام في الموسيقى الشرقية.

هناك رابط ما لكن الفارق الكبير بالنسبة لي، وبالنسبة للناس الذين على معرفة بتلك الموسيقى، أن الموسيقى الهندية لدينا دائمًا نغمة نمر بها بوصفها نغمة أساسية أو طنين أساسي، وهذا غير موجود في الموسيقى العربية، الموسيقى العربية وسط بين الهندية واﻷوروبية، ﻷنك تغير نغماتك اﻷساسية بشكل أكبر، بالنسبة لي كان هذا شيء فاتن جدًا، هذا أشبه بالرابط ما بين التفكير الهارموني والتفكير الميلودي الخالص في الهند، في الموسيقى الهندية لديك السلم نفسه للنغمة وليس اﻷمر هكذا في مصر، أنت تبدأ بسلم على نغمة ثم سلم آخر على نغمة أخرى، حتى بالنسبة لغير الموسيقيين لو استمعت للموسيقى الهندية فإن أول ما تسمعه هو الشروتي، نغمة واحدة وأساسية، وكل شيء مبني عليها.

في أوروبا في السبعينات كان هناك الكثير من التأثر بالموسيقى الهندية، مثل رافي شنكار والسيتار وكل ذلك، الغريب بالنسبة لي أنك اخترت العود ولم تختر السيتار أو آلة هندية أو الرُباب الأفغاني مثلًا.

جربت كل هذه اﻵﻻت لكني اخترت العود ﻷنه أكثر قربًا ربما للجيتار الأسباني، وصوته دافئ وعال بينما صوت السيتار ليس عاليًا، العود آلة قوية لو كان لديك عود جيد وعزفت مع الإيقاع، بينما السيتار ناعم جدًا. أحب نغم العود. كانت هناك فرصة لعزف السارود المشابه قليلًا للعود لكن مشكلته أن عليك العزف بأظافر أصابعك اليسرى وهذا مؤلم جدًا، وهو آلة صعبة جدًا للعزف عليها، بينما يمكنك عزف العود لساعات دون أن تصاب بالتعب في يدك اليسرى فهو آلة مريحة عذبة وﻻ تعذبك، هو آلة جميلة وبالنسبة لي هو ملك اﻵﻻت مثلما يسمى في الثقافة العربية.

إذًا أنت تعتبر نفسك دون كيشوت العود مثلما سألت أستاذ محمود كامل في فيلم العود؟

(يضحك) كان هذا تعبيرًا جيدًا، أنت تعرف فكرة دون كيشوت أنه في الحقيقة يطارد اﻷشباح، هذه كانت فكرتي بعض الشيء، أنا أطارد الأشباح. رياض السنباطي بالنسبة لي شبح ﻷني ﻻ أملك الخلفية المناسبة، اﻷمر أشبه برؤية منام نوعًا ما، كانت هذه فكرة دون كيشوت.

أظن أن أي عازف عود حاذق هو دون كيشوت لأنه يبحث عن أشباح وأرواح المقام أو شيء شبيه.

أظن ذلك أيضًا، هذا جزء من اﻵلة لكن في نفس الوقت بإمكانك أن تجد طرقًا كما قلت، المقام ليس سهلًا دائمًا بالنسبة لي، وخاصة ثلاثة أرباع النغمة، الموضوع لازال ليس في دمي.

حتى بعد كل تلك السنوات؟

ﻻ، أظن أنه شيء تلتقطه وأنت طفل، حتى بعد كل تلك السنوات بالنسبة لي من اﻷسهل أن أعزف تقاسيم في مقامات تخلو من السيكاه، السيكاه بالنسبة لي شيء سحري آخر، تحمل عنصرًا آخر، أنا لم أنشأ على السيكاه بل اكتشفتها متأخرًا في حياتي وهذا يغير مفهومك كله عن الارتجال، فجأة أمامك ثلاثة طرق، قبل ذلك كان لديك طريقان، ميجور ومينور، عندما ترتجل يمينًا أو يسارًا، واﻵن فجأة لديك طريق في المنتصف، شيء أشبه بذلك لذا بإمكانك أن تضل بسهولة، عادة ما أتوه في الارتجال أو أقف مكاني عندما أسلك طريق السيكاه، لكني أتمرن. حاليًا أتمرن مع صديق سوري، هو يعزف الفيولا ويعرف عبده داغر، هو من دمشق وعلى معرفة بالموسيقى الكلاسيكية العربية وهو يدربني في ألمانيا.

إذًا أنت تعد موسيقاك نوعًا من المزج؟

أظن ذلك صحيحًا لكني ﻻ أستخدم هذه الكلمة كثيرًا، إنها مزج، أو كما قلت هي رحلة شخصية أحيانًا لربط هذه العناصر معًا كما ذكرتُ سابقًا الموضوع، أشبه برحلة شخصية جدًا.

إعلان

أفضل تسمية الرحلة الشخصية عن المزج، أظن أن المزج شيء مخطط وليس شخصي جدًا.

هي مجرد كلمات، أذكر أننا في اﻷيام الماضية كرهنا مصطلحات مثل موسيقى العالم والجاز والكلاسيك ﻷننا رأيناها مثل صناديق تعلب فيها اﻷشياء، وقلنا دائمًا “دي مزيكا وبس”، ليست مزج إنها موسيقى، ليست هناك موسيقى عالم ﻷنه كوكب واحد هو كوكبنا وعالمنا هو عالم وحيد فكيف يمكن أن تقول موسيقى عالم؟ كان هذا نقاشًا كبيرًا بين الموسيقيين هنا في السنوات الماضية حول هذه الصناديق، لكن هذه الصناديق مهمة للبيع بالطبع، لو كنت تريد بيع موسيقاك فهذا شيء آخر وهو ملمح مهم جدًا كذلك، كيف يمكنك العيش إن لم تبع موسيقاك؟

كيف ترى موسيقى العالم اليوم؟ بالتأكيد هناك فرق ما بين السبعينات واليوم.

عندما كانوا يسألونني في السبعينات عن موسيقى العالم أو المزج كنت أقول ﻻ ُبد أن يكون هناك جيل جديد يصنعون موسيقى عالم حقيقية ومزج حقيقي. عندما أشاهد ذلك اﻵن أظن إنه حقيقة، اﻵن هناك جيل جديد أو حتى جيل ثانٍ جديد، هناك موسيقيون أقدم مني لكن ربما كنت من بين الجيل اﻷول ثم جاء الجيل الثاني واﻵن هناك بالفعل جيل ثالث أو رابع، وأظن أن هناك موسيقيين أكثر بكثير من السابق، وهناك إمكانيات أكثر بكثير للتسجيل والاستماع إلى الموسيقى، وهناك آﻻت أكثر بكثير وجمهور أكبر بكثير من قبل، في الكوكب كله لدينا مواهب كثيرة، وكثير من المزج اﻵن. هناك الكثير جدًا وﻻ أعرفه كله وﻻ ترى على الإنترنت كل هذا، عليك أن تبحث عنه، لكن أظن أن هناك الكثير اﻵن ﻷن البشر يسافرون أكثر وينشؤون في بلاد مختلفة أكثر من ذي قبل. في السابق، كانت كل بلد محافظة على ما تملكه، فعندما سافرت إلى مصر ﻷول مرة كانت مصر ﻻ زالت مصرية أكثر، اﻵن هي عالمية بصورة أكبر، ﻻ زالت تحمل الكثير من مصر القديمة لكنها تغيرت مع المواهب الجديدة من الجيل الجديد القادم ومن التقنيات الجديدة. أظن مما أراه أن هناك الكثير الذي يحدث في الكوكب فيما يخص الموسيقى وأظن أني أحيانًا عجوز جدًا للحاق بكل شيء، هناك كثير من المواهب في مصر وفي ألمانيا وفي أمريكا وفي كل مكان لكن من الصعب التقاطها عليك العثور عليها والبحث على الإنترنت.

ماذا تعني بأن مصر تصبح عالمية أكثر وليست مصرية جدًا؟

بالطبع، ﻷن الناس يأتون ويذهبون ويسافرون عبر العالم وتلتقي بمصريين عبر كل مكان في الكوكب ويختلطون بأناس آخرين وكل شيء أكثر عالمية في مصر، الطعام والحياة وكل شيء، ليس كل شيء جيد لكنه بالطبع أكثر عالمية، السبب الرئيسي أن هناك مواهب شابة والموسيقى أكثر قبولًا، كذلك تذكر أن عبده داغر كان يتم ضربه ﻷن والده لم يكن يريده أن يصبح موسيقيًا. الموسيقيون الآن أصبح لهم احترام أكثر، أيضًا تغير اﻷمر في جيلي بالفعل، أظن أن هناك موسيقى أكثر بكثير لكن هناك أيضًا بعض من المشاعر القديمة التقليدية فقدت في هذه الرحلة، هذه رحلة وكلنا راحلون وﻻ نعرف أين نرحل لكنها رحلة كبيرة ونفقد بعضًا من اﻷشياء الخاصة بنا في مصر وفي ألمانيا، هنا أيضًا فقدنا كثير من الأشياء التقليدية القديمة اللطيفة عبر العولمة. أظن اﻷمر نفسه في الموسيقى كما في الطعام، يمكنك أكل بيتزا في كل مكان تجد طعامًا عالميًا، سوشي وبيتزا (يضحك) هناك كثير من التنويع لكنه مثير للفن، أظن أنه وقت مثير فيما يخص الفنون، والملمح اﻵخر ﻷنه زمن خطر ومليء بالمشكلات، هناك غضب كذلك، أنا أؤمن بشكل ما بالشباب وﻻ أقول أن اﻷشياء كانت أفضل في اﻷيام السابقة.

لكن كان هناك غضب أيضًا في شبابك، كانت هناك مظاهرات مايو ٦٨ في باريس والهيبيين وكل ذلك.

طبعًا، باﻷمس (٢٢ يوليو) كانت هناك تظاهرة هنا في ميونخ، ٥٠ ألف متظاهر ضد الجناح اليميني والقومية والمشاعر المعادية للأجانب من القوميين والفاشيين، خرج ٥٠ ألف متظاهر في ساحة كبيرة هنا في ميونخ للاعتراض على سياسيين هنا يستخدمون أزمة المهاجرين للقيام بأعمالهم القذرة. لم يزل هناك الكثير من الغضب على مستويات عدة، لكن جيلنا بالطبع كبر اﻵن. لنواجه اﻷمر، كثير من جيلنا، خاصة الموسيقيين، توفوا بالفعل، اليوم شاركت خبر وفاة اثنين من الموسيقيين على الفيسبوك، أحدهما عازف بايس يعيش في ميونخ، وهو من أمريكا الجنوبية، واﻵخر عازف أكورديون من فرقة فتحي سلامة، صلاح الأرتيست من عائلة موسيقية كلها من العازفين، عزفت معه وكان عازفًا كبيرًا، هذا ما أعنيه كثير من الجيل القديم سيرحلون ويتركون الساحة لتطورات جديدة.

هذا الغضب في الجيل الجديد يغير الموسيقى كذلك.

بالطبع، يغير الموسيقى دائمًا. كان هناك تغير كبير في الموسيقى بعد الحرب العالمية الثانية وكان هناك وضع خاص في ألمانيا، كان لدينا دولتان وقنابل نووية من كل الجهات وتظن كل يوم أن العالم انتهى والحرب الباردة وكل ذلك، اﻵن انتهت الحرب الباردة لكن الوضع في البلاد الشرقية سيئ تمامًا، مثل الوضع في سوريا وليبيا كما تعرف، أظن اﻵن تتغير كثير من اﻷشياء في العالم العربي، وهناك كثير من الأزمات ستستمر في السنوات التالية، وأتمنى ألّا يكون هناك كثير من الحروب واﻷزمات، وأن يجد البشر حلولًا لذلك. أنا أؤمن بالعالم العربي كثيرًا، وعندما يخبرني البعض “الحالة سيئة في مصر وفي سوريا وهنا وهناك”، أقول: “ربما هي سيئة اﻵن لكني أؤمن بالمستقبل” ﻷني قابلت كثيرًا من الناس العظيمة في هذه البلاد. اﻵن ربما كان الاقتصاد منهارًا واﻷوضاع سيئة، لكن في العموم أظن أن هناك مستقبل وكثير من الطاقة أيضًا في المجال الفني وفي المجال الاجتماعي وفي مجالات عديدة.

في المجال الفني كان هناك غضب ضد جيل منير بعد الثورة هنا في مصر.

طبعًا، أعرف ذلك فالثورة غيرت الكثير، بالنسبة لي شعرت أن في السنوات القليلة ما قبل الثورة لم يكن هناك شيء يحدث، كان الوضع شبه متجمد، حتى بالنسبة للموسيقى شعرت ذلك قليلًا، كان الوضع شبه متجمد وثقيلًا جدًا ثم جاءت الثورة فجأة، كنت في مصر وقتها، وأعرف أن بعض الموسيقيين القدامى واجههم سؤال كبير “ما العمل اﻵن؟”، ﻷي جانب ننحاز، كانت مشكلة كبيرة وخاصة بالنسبة لمنير بالطبع، كل الناس تعرفه، لو قال شيئًا سيستغلونه، وكذلك اﻵن الوضع نفس الشيء، بإمكان الناس استخدام مغني بوب دائمًا فيما يخص هذا أو ذاك. كان هناك الكثير من الغضب، لكن مرة أخرى لو تذكرت أم كلثوم التي غنت للملك فاروق، وأنت تعرف قصة منع إذاعة أغانيها بعد يوليو. من الصعب على الفنان وبخاصة بالنسبة للمعروفين جدًا، في بعض اﻷحيان يكون السؤال فقط ماذا يفعلون، إذا انضموا للثورة ربما يقتلون وإذا لم يفعلوا شيئًا سيغضب المعجبون، ليس اﻷمر صعب جدًا بالنسبة لموسيقيين مثلي أو العازفين معه ﻷنه بإمكانك الذهاب إلى التحرير، هو لم يكن باستطاعته النزول إلى التحرير بسهولة، بعض الموسيقيين الصغار ذهبوا إلى الميدان وأصبحوا مشاهير جدًا (يضحك) أذكر أني سمعت واحدًا منهم في ألمانيا، أصبح مشهورًا لكنه يغني بصورة سيئة جدًا لكنه كان مغني ثورة. اﻵن ﻻ تسمع أي شيء عنه. المغنّون والسياسة سؤال كبير، انظر إلى أمريكا، كثير من المغنين العظام مثل بوب ديلان يلتزمون الصمت رغم أن عليهم قول شيء اﻵن، لكنهم أيضًا ﻻ يعرفون كيف يتعاملون مع مستر ترامب.

أم كلثوم غيرت موسيقاها بعد يوليو، لكن أظن أن منير لم يغير موسيقاه بعد الثورة.

صحيح، ربما ﻻ يمكنك المقارنة في النهاية ما بين منير والهرم الرابع وكوكب الشرق (يضحك) كان زمنًا مختلفًا وكان معها ملحنون عظام. منير يقول دومًا أنه ﻻ يملك ملحنين جيدين وهو ليس ملحنًا، إنه أحد اﻷعذار ربما، ﻻ أعرف، بالنسبة له في هذا السن المسألة ليست سهلة، كان في ألمانيا في اﻷسبوع الماضي، وصحته ليست على ما يرام ويعمل بصعوبة أكبر، أتمنى أن تتحسن صحته. سجلنا بعض اﻷغاني الجديدة، لكن ربما حين تكبر في السن ﻻ يكون من السهل توصيل شيء جديد في الموسيقى ﻷنك أيضًا تلتصق بالماضي، تكبر في السن وتلتصق بعاداتك وبخططك نفسها، لكن في الوقت نفسه أنا من معجبي بعض الموسيقيين الذين ﻻ يصنعون شيئًا جديدًا حاليًا لكني ﻻ زلت أحبهم، وهذا شيء آخر فليس بالإمكان صنع شيء جديد دائمًا وتظل تنتج نفس الشيء لكن تظل تحبه كمستمع.

بالنسبة لي، أحببت منير القديم لكن ربما لا زلت غاضبًا منه لأني لا زلت شابًا، أعرف أنه موسيقي كبير وباستطاعته تقديم اﻷفضل لكن ربما هو العمر كما قلت.

طبعًا ﻷنه ﻻ يمكننا الركض طوال الوقت بنسبة ١٠٠٪، هذا يتعلق بالسن، وكما قلت لك هناك الكثير من الموسيقيين من جيلنا لم يعودوا موجودين وعلينا اﻻستمتاع بأننا ﻻ زلنا هنا، هذا يجعلني أيضًا مرتاحًا أكثر ربما ﻷني اﻵن في عمر يحتم علي اﻻسترخاء وعلي الاستمتاع بحفلاتي، استمتعت جدًا في اﻷسكندرية رغم أننا كنا قمنا بالبروفات يومًا واحدًا فقط، لم يكن رهيبًا لكني قلت تمام أنا ﻻ زلت حيًا وقويًا وبإمكاني الاستمتاع، في هذا العمر أعتقد أنك تستمتع بنفسك أكثر، عندما تكون في العشرينات يختلف اﻷمر، وهذا طبيعي.

استمتعتُ جدًا بحفل الأسكندرية بالمناسبة.

أنا أيضًا، كان مفاجأة لي، كان من الممكن أن يختلف اﻷمر ﻷن المجموعة جديدة، كانت هذه المرة اﻷولى لي أعزف مع أيمن عصفور، أظن أنه عازف كبير. في ألمانيا معي إيهاب أبو فخر عازف الفيولا وهو أيضًا عازف كبير.

أحب أن نعزف حفلات أكثر وندخل في روتين منتظم لنعمل بشكل أكبر على الموسيقى، لكن اﻷمر صعب جدًا كيف تقيم الحفلات وكيف تمولها وكيف تأتي بهم إلى ألمانيا، لكني أظنها بداية جيدة. مع أيمن مبروك هناك علاقة أطول، عزفت معه سابقًا في أوروبا مع مجموعة أخرى لكننا لم نسجل أي سيديهات، في أحيان كثيرة تعزف في حفلات مع موسيقيين كثيرين وﻻ ينتج عنها سي دي، قمنا بحفل جميل مع عازف الساكسفون رولاند شيفر، وقبل ذلك عزفت مع اﻷسعد حسني، الذي كان عازف إيقاع مع عازف العود التونسي أنور براهم، والتقيت به قبل عشرين عامًا في تونس، وهو أيضًا عازف مميز، ﻻ تجد عازفي إيقاع بهذا اﻷسلوب هنا في ألمانيا بسهولة، أتطلع إلى حفلات أخرى وأتمنى أن يكون الحفل القادم في القاهرة، ليس من الضروري أن يكون حفلًا كبيرًا لكن يهمني أن نكمل عملنا في هذا الثلاثي ومن الممكن تشكيل رباعي لاحقًا.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply