سحابة برتقالية | مذكرات بيروت ما-بعد الإنفجار‎

هذا المقال جزء من ملف مذكّرات بيروت ما-بعد الانفجار. ساعدوا ضحايا الانفجار عبر التبرّع إلى الصليب الأحمر اللبناني.

صورة الغلاف لـ إليزابيث فيت (وكالة سيبا)، الصورة في المقال من تصوير الكاتبة.


ضغطتُّ زر المصعد بطرقاتٍ قوية للمرة الثالثة، ثم اخترقتُ الحشد المنتظِر لأهرول على الدرج حتى الطابق السادس. دخلت القاعة الطويلة متوجهةً إلى طاولة الديجاي، حيث يحاول مهندس الصوت إصلاح عطل، وعادت الموسيقى بعد ثوان. أسندت ظهري إلى الحائط لأنظّم نفَسي، وانتبهت إلى وجود أكثر من ثلاثمئة شخص في القاعة بدؤوا فجأةً بالهتاف: “ثورة! ثورة! ثورة!”

حدث هذا بعد ساعتين من بداية السنة الجديدة، في حفلِ شاركتُ في تنظيمه سهرةَ رأس السنة في شارع الحمرا. نزلت إلى الطابق الأرضي بسرعة، وطلبت من المضيفة التأكد من أعمار الحاضرين، كان آخر ما أردت رؤيته أصحاب البدلات الرمادية والسوداء، ملوك الطاووق، بعد أن قضيت أخر أشهر عشريناتي بالتظاهر أمام أعينهم المتحرشة. سمّيتُ هذه الليلة “تسقط الأنكزايتي”، شعارٌ رُفع في مظاهرات ١٧ تشرين الثاني وسط بيروت، وقررتُ للسنة الجديدة إسقاط مشاعر القلق التي حالت بيني وبين مشاريعي المؤجلة.

في الأسبوع التالي، كنت على بعد أمتار من مكان الحفل أمام المصرف المركزي، ألتقط حجرًا وأرميه بكل ما أوتيت من قوة. في ذاكرتي البصرية لبيروت، اللوحات الإعلانية المنتشرة طوال الوقت على الطرقات، والساخرة علنًا من دور الدولة، تقدم قروضًا لكل شيء: الدراسة، التأمين الصحي، شراء السيارات والبيوت.

روّجت المصارف لنفسها على أنها العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، ثم سقطت هي والاقتصاد سقطةً مدويةً مع بداية العام. تغيّر سعر صرف الدولار للمرة الأولى في حياتي، وفقدت الليرة قيمتها. ارتفع سعر الدخان الذي أحبّه إلى سبعة أضعاف، والفوط الصحية أيضًا. حافظت على قرار إسقاط الأنكزايتي. أقفلت حسابي على فايسبوك، وتوقفت عن الذهاب إلى المظاهرات. كان علي أن أبقى بعيدةً هذه المرة.

في الشهر التالي، جلست مع أصدقائي في بار، وتخلل الكورونا حديثنا. ألقينا مزحاتٍ عن ما سنفعله لو كان هذا هو الطريق إلى نهاية العالم، ثم اتجهت إلى منزلي لأبقى فيه لأشهر طويلة؛ لم أغادره إلا للضرورة أو للتخييم خارج المدينة. قضيت أشهر الحجر في الغرفة الفارغة من منزلي الجديد، أعمل وأكتب وأزرع الكثير من النباتات. ابتعدت عن إحصاءات أرقام المصابين حول العالم، ووعدت نفسي بأنني لن أسقط، بأنني أقوى هذه السنة، ولن أدع نوبة القلق تقترب مني. ساعدني على هذا الكثير من التأمل والرياضة المنزلية.

أعود إلى مشهد من ليلة رأس السنة، واقفةً في زاوية الدرج أحاول أن التقط أنفاسي، لأجد ثلاثة وجوهٍ أعرفها جيدًا، وأحبها، تقترب لتقبيلي وتتمنى لي عامًا سعيدًا. اتّصلتُ بهم طوال فترة الحجر، ما إن أسمع أصواتهم حتى يختفي شبح القلق.

بعد ثمانية أشهر من رأس السنة، عند السادسة مساءً، جلست على الكنبة، أنتظر شيئًا لا أذكر ما هو. بعدها بدقائق قادتني قدماي لأقف في الرواق: غارة؟ ليست غارة. أعرف صوت الغارات جيدًا وأميزها. انفجار؟ نعم إنه انفجار. ربما بقيت في الرواق بعدها لساعات. لا أعلم، نسيت تفاصيل ذلك اليوم عندما سمعت صوت التفجير يرتطم ببيتي ويحطّم زجاجه.

ولدتُ في اليوم الأول من التسعينات عشية رأس السنة، وتعذبت أمي في ولادتي لأنها لم تستطع الوصول إلى المستشفى بسبب حواجز الحرب الأهلية والطائفية التي انتهت، شكليًا، بعد سنتين من ولادتي. في السادسة من عمري شهدت حربي الأولى مع إسرائيل. استيقظت مرعوبةً يومها عندما سقط السرير أرضًا على وقع الغارة الإسرائيلية، وشعرت بيد أمي تجذبني من كتفي، لتدخل بي إلى الرواق الطويل حيث جلسنا لساعات حتى انتهاء الغارات. أما التفجيرات فقد عشتها أكثر من مرة. لعل أقواها تفجير السفارة الإيرانية في تشرين الثاني سنة ٢٠١٣، والذي كان يبعد عن مكان عملي شارعًا واحدًا. أذكر أنني غادرت يومها وعيوني مغمضة طوال الطريق، لم أكن أريد أن أرى شيئًا من الأشلاء ولا من الدخان الأسود، لم أكن قد تعافيت بعد من صور تفجير شارع الرويس في آب ٢٠١٣، والذي كان يبعد عن منزلي ٥٠٠ متر.

هذه السنة، انهارت صورة بيروت في رأسي. ليست مدينة. هذه مجموعة أحياء سكنية، يقطنها أناس من ثلاثة أجيال مختلفة، ذاكرتهم مليئة بحروبٍ وتفجيرات حسب أعمارهم. ما جمعنا هذه السنة أننا شهدنا سويةً الضربات المتتالية على وجه بيروت، حتى الضربة القاضية التي طرحتها أرضًا.

حاولت هذه المرة أيضًا أن أُغمض عيوني، أن لا أكترث، لكنني أعدت ترتيب أكياس البهارات خمس مرّاتٍ تلك الليلة، وعادت نوبات القلق. أيقظني صوت مروحة التكييف مرتين. تِك. كانت هذه التك كفيلة بتفجير القنابل المزروعة دائر ما دار رأسي. لا أعلم إن كانت عقدة الناجي سبب استسلامي للقلق بعد التفجير. في اليوم التالي، كنت أنا وصديقي المقرّب عمار بالقرب من مستشفى الروم في الأشرفية، حملنا المكانس ودخلنا مبنًى تعرض لدمارٍ كبير، سألنا مجموعةً من الشبّان والشابات كيف نساعد فأجابوا: الطابق السادس.

المبنى ضخم، وفي كل طابق شقتين كبيرتين. الأبواب مخلوعة، والأحجار في كل مكان. لو حملنا يومها آلة تسجيل، لربما ما حصلنا سوى على صوت تكنيس الزجاج الذي شعرنا به في معداتنا. صعدنا ونزلنا حاملين قطع الأثاث، وكأننا قد قمنا بذلك مئات المرّات سابقًا: نقف على الدرج لنساعد بعضنا بالحمولة، وعندما نصل إلى الطابق الأرضي نلقيها أمام المدخل فوق كومة أغراض فقدت قيمتها، شكّلت تلّةً صغيرة من الزجاج والخشب المكسّر.

اختلفت هذه الطوابق الستة عن التي صعدتها في رأس السنة. توقفتُ عن التنفس عند الطابق الأول كل مرة لأنني أكره رائحة الدم. عند الطابق الثاني، التقيتُ برجلٍ حاول إبعاد لوح خشب عن باب منزله، وأخبرني أن أمه التي تسكن هذا المنزل دخلت صباحًا العناية الفائقة. ساعدتُه على رمي تلفازه المكسور وكومة من الستارات المزركشة والممزقة، التي سقطت لتنضمّ إلى تلّة الحطام.

سقطت بيروت على رؤوسنا هذا العام، ولم تسقط الأنكزايتي … جاءت على شكل سحابة برتقالية غطت السماء فوق منزلي، اختبأت منها في الرواق لساعات.