الفتح على العدّائين بسماع سلطان العاشقين

كتابةيوسف رخا - سبتمبر/أيلول 6, 2018

”وكانت رجال الطيران في الهواء تأتي إليه فيعلّمهم الأدب، ثم يطيرون في الهواء والناس ينظرون إليهم حتى يغيبوا … “

– ”الطبقات الكبرى“ للشعراني (١٤٩٢-١٥٦٥)، عن شمس الدين (السلطان) الحنفي (١٢٥٥-١٣٢٨)

حقيقة

أيام أخذتني البوذية كنت أمشي ليلًا، رغم الصيف والانشغال، مسافات أطول فأطول والسماعات في أذني. كنت أسمع ماكس ريختر أو يوهان يوهانسن. أعود عرقانَ ومنتشيًا بلا نيكوتين. ذات يوم قرّرتُ أن أحوّل تمشياتي الليلية إلى تمرينات جري ولم أعد أدري ما أسمع. خلال أيام أصبح الجري عادة. وقبل أن تَعطب ركبتي، كانت تجيء لحظات يتوارى فيها الثقل والشدّ حتى يُهيّأ لي أنني طائر في الهواء. على ارتفاع شبر أو أكثر عن سطح الأرض، هذا الجسم الذي قضى عمره مثخنًا بالقمح والسكر ومنقوعًا في دخان التبغ يحلّق أسرع فأسرع على إيقاع اللهاث. وما الصوت الذي ينبغي أن يصاحب هذا الطقس الباطني في السماعات؟ جرّبت التكنو والهاوس والترانس. جرّبت مقترحات البوب العالمي للعدائين والبوب المحلي الذي ينصح به الرياضيون من أصدقائي. في الأسبوع الثاني جرّبت الطبول الإيرانية. الغاميلان والكناوة. لم يركب على شقائي إلا نواح ياسين.

لطيفة

أنت لم تتعمد سماع ياسين التهامي منذ التقيتَه في كيو جاردنز سنة ٢٠٠٦. وَصَفَه عنوان مقالك إثر اللقاء بـ الشيخ الآثم، ما لم تقصد به إلا الثناء لكنه طبعًا لم يُفهم كذلك. في بداية مسارك الرياضي سنة ٢٠١٨ – كارير عداء لن يدوم إلا شهرًا واحدًا قبل التقاعد – لا يخطر لك أن شيئًا في الدنيا يمكن أن يربط بلبل الصعيد بالبوذية التي تنقّب في تخومها عن سبيل إن لم يكن إلى الهداية فإلى الهدوء وتعامل أفضل مع الغضب والقلق والإحباط، الصفعات اللامتناهية لتلك الكلبة المسماة حياة، خاصة في القاهرة. لكن ما كنتَ نسيتَه أيضًا هو أن أشعار سيدي عمر وحاشية الشعراء التي التمت حوله عبر التاريخ كما ينشدها الشيخ ياسين وفّرت لك ذات يوم ما يشبه المنجاة الروحية. في البسط والقبض كما في دَقّة الطبلة ودورة الأرض ونَفَس الإنسان ما يساعد على تجاوز كلبية الدنيا إلى ما هو أجدى قليلًا: إدراك أن ثمة نغمة يمكنك تَسَمُّعُها والمساهمة في عزفها بغض النظر. في صوت ياسين وأصداء الحال التي تصيب سامعيه ما يسمو بالكينونة عن تعويم الجنيه في ضوء مصروفات المدارس وانهيار سوق النشر في ضوء الرواية الجديدة وانتشار النقاب في ضوء أي ابن كلب. ليس ياسين وحده، فكّرتَ؛ وعلى الفور راجعتَ أشعار العشق الصوفي في سجلاتك الموسيقية. لقد شعرتَ أن هذا الجري مباركٌ حقًا.

إعلان

حقيقة

لدى المدرسة الصعيدية على وجه الخصوص، تختلف هذه الموسيقى عن سواها من ضروب الذكر الشامي والمغاربي بقدرتها على موازنة الديني بالدنيوي، حيث يقدم المنشد بالتناوب وصلات طرب بطيئة وغطاءات سريعة لإيقاع الذِكر. هذان المكونان لا يربطهما إلا الشعر الذي يختلف إنشاده بالتالي من فقرة إلى أخرى، الأمر يسمح بما يشبه الحضرة المتكاملة دون أن يكون المشاركون كلهم أعضاء طريقة واحدة أو من المواظبين على تدريبات ذكر منتظمة. بلا وحدة في اللحن أو البناء هناك درجات عالية نسبيًا من التفسخ، إلا أن هذا بالتحديد هو ما يعزز جمالية المشهد ويضعه على مسافة واحدة من العبادة المقننة والكرنفالية المرتجلة، بين التكية والمولد. إنهُ جازُ الذكر، فيه ما يكفي من الإحكام ليستوعب الخوارق دون أن يؤثر وجودها على آلية إرسال واستقبال الموسيقى ذاتها. والأهم أنه يسمح عبر قدرة المنشد على التعبير والمساحة المتروكة له باستيعاب ما في عبقرية الشعر من طبقات دون الإخلال بالذكر كطقس عبادة، في سياقات أخرى قد يخلو أو يكاد من العنصر الأدبي.

لطيفة

إلى أن تصير عَدّاءً متقاعدًا، قد لا تنتبه إلى أن التعبير الدارج، يفتح عليك، هو في الأصل إشارة إلى مفهوم صوفي، ولا أن المقصود بـ الفتح هو ذاته النيرفانا أو الموكشا في الديانات الهندية (الهندوسية والجانية فضلًا عن البوذية). لو قال لك أحدهم: يفتح عليك، إذن، اعلم أنه بقصد أو بدونه يلوّح بذلك الشيء الذي شاع الكلام عنه في أمريكا ومنها منذ انفتاح الهيبيين على المعتقدات الآسيوية والسايكيديليات: التقمص والتأمل وسوى ذلك من تقاليع ستّينية. إنه يدعو لك بالإنلايتنمنت، هذا القائل، ليس بمعنى التنوير والاستنارة ولكن بمعنى الوصول والفناء. بغض النظر عن رقصهم عرايا في حقول القنّب. من ثم عنوان أشهر كتب التصوف على الإطلاق: الفتوحات المكية، ومن ثم أيضًا قول سيدي عمر ابن الفارض (١١٨١-١٢٣٤) في ديوانه: ”وأغرَبُ ما فيها استَجَدتُ، وجادَ لي / بهِ الفتحُ كشفًا مُذهِبًا كلَّ ريبةِ“. وقول سيدي عبد الكريم الجيلي (١٣٦٦-١٤٢٤) على خط متصل: ”إذا كنتُ في حُكمِ الشَرِيعةِ عَاصيًا / فإني في عِلْمِ الحقيقةِ طائعُ“.

فصل

لا يُلغي كون ديوان ابن الفارض جزءًا من ربرتوار الإنشاد الروحاني كونه أيضًا مادة سائغة للغرام الحسي. عبقرية الكلام هو إمكان تطبيقه بالدقة نفسها على العشق الإلهي وشهوة الجسد، حيث حتى شعائر الديانة وتكليفاتها تصبح أمارات شغف وصبابة. مثلًا:

بِرُوحيَ مَن أتلفْتُ روحي بحُبّها فحانَ حِـمامي قبلَ يومِ حِــمامِي

ومن أجلها طاب افتضاحي ولذّ لي اطْ طِراحي وذُلّي بعد عزّ مَقامي

وفيها حلا لي بعْدَ نُسْكِي تهتُّكي وخَلْعُ عِذاري وارتكابُ أثامي

أُصَلّي فأشدو حين أتلو بِذِكْرِهَا وأطْرَبُ في المحراب وهي إمامي

إعلان

وبالحَج إن أحرَمتُ لبَيّتُ باسْمها وعنَها أرى الإِمساكَ فِطْرَ صيامي

أروحُ بقلبٍ بالصّبابةِ هائمٍ وأغْدُو بطَرْفٍ بالكآبة هامِ

وشأني بشأني معرب وبما جرى جَرَى وانتحابي مُعرِب بِهَيَامي

فقلْبي وطَرْفي ذا بمعنى جَمالِها مُعَنّىً وذا مُغرىً بِلِينِ قَوام

ونَوميَ مفقود وصُبحي لك البقا وسُهديَ موجود وشوقيَ نام

وعَقدي وعهدي لم يُحَلّ ولم يَحُل وَوَجْدِيَ وجْدي والغَرام غرامي

عندما تَجَادَل الوسط الثقافي حول سيدي عمر في عهد قايتباي (١٣٩٤-١٤١٢)، بعد نحو قرن ونصف من وفاته، كان أَوْجَه ما قيل في ضحد كونه فقيرًا من الأولياء هو أنه يتكلم عن الله كما لو كان عز وجل امرأة يريدها. وحتى اليوم تبدو ازدواجية الإله والمحبوبة في شِعره مربكة – ”ولو خطَرَت لي في سِواكِ إرادةٌ / على خاطري سَهوًا قضيتُ بِرِدَّتِي“ – لكنها أيضًا أقوى شيء.

حقيقة

بسبب هذه الازدواجية على الأرجح، وخلال ما يقرب من ثمانمئة عام الآن، كل التنويعات تحققت: من الغَزَل الجنوبي إلى الوَرَع الشمالي – قارن ياسين التهامي (مواليد أسيوط سنة ١٩٤٩) والمدرسة الصعيدية بقارئ مسجد الحسين الشيخ علي محمود (١٨٧٨-١٩٤٦)، صاحب المعجزات المنسي الذي علّم طه الفشني ومحمد رفعت فضلًا عن محمد عبد الوهاب وزكريا أحمد ومعهما طبعًا أم كلثوم، ليتضح الفرق في القصيدة ذاتها – ومن صبري مدلل (١٩١٨-٢٠٠٦) والمدرسة الحلبية إلى ريم بنا (١٩٦٦-٢٠١٨) عبر الجاز والبوب ثم الروك في مسالك تجديد الطرب، مرورًا بابتهالات سيد النقشبندي (١٩٢٠-١٩٧٦) وإفرازات بشار زرقان (١٩٦٢) وفرقة ابن عربي وألبوم والعياذ بالله قواعد العشق وأشياء أخرى كثيرة، تجد ابن الفارض ”يحلو على كل صيغة“، وتجده يحلو خصوصًا على صيغة من أراد استخدام براند صوفي في الترويج لمنتجه السمعي. فمكانه من الفضاء السمعي العربي أشبه بمكان سيدي جلال الدين الرومي (١٢٠٧-١٢٧٣) من فضاء المستيسزم والنيو إيج بَل والسِلْف هِلْپ في أصقاع العالم المعاصر. قد يكون أمر سيدي عمر أهون قليلًا، لكن سلطان العاشقين بات كليشيه كما أصبحت صورة الدرويش ذا الزي الأبيض وذراعاه مفتوحتان من أبشع الكليشيهات.

فصل

يختلف الشيخ ياسين صاحب الصيت المُعَوْلم في كيو جاردنز عن بلبل الصعيد صاحب الصوت الأخنف ذي العذوبة البرمائية ما قبل ١١ سبتمبر. ياسين التسعينات، ياسين شركة عايدة فون لتسجيلات الكاسيت مازال يبدّي طقسية الذِكْر على طرب عبد الحليمي سيغشاه، ويؤدي غير واع بمكانة “ثقافية“ ستدفعه كل مرة إلى ”الأداء“.

لطيفة

وأنت عندما تكون طائرًا في الهواء ويأتيك صوت ذلك الياسين التسعيني على الدَقّة يخلط قصيدة فلفظٌ لسيدي عمر بـ أبيات سيدي عبد الكريم، مغيّرًا أو مخطِئًا في بعض الألفاظ والتراكيب لتتحول من الفصحى إلى الصعيدية – ”تَجلَّى حبيبي في مرائي جماله / ففي كل مرأىً للحبيب طلائع، فلمّا تَبدّى حُسنُه متنوعًا / تَسمّى بأسماءٍ فهن مَطَالِع“ – سيتداعى في فؤادك ما يجمع البوذية التي أخذتك وعقيدة الحلول والاتحاد تلك التي أوجدت مبررًا لإخراج حتى الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين ابن عربي (١١٦٥-١٢٤٠) من المِلّة (انظر اللطيفة التالية). لابد أنه خطر لك أن صوت لهاثك لا يختلف كثيرًا عن الهو التي يزفرها من يشاركون في حضرة بعض الطرق وهم يرجون أجسادهم جيئة وذهابًا، أو يَدَعُونها ترتج. وللحظة يبدو الجري نفسه حضرة فردية يتواجد فيها الناسك (من الوجد) بكبح الجسد والسيطرة ليس على الشهوات الحسية بالضرورة ولكن – وهو الدرس البوذي الأهم – على شهوة التفكير المتواصل، فتنة العقل والعيش في المجردات. في الجري كما في الجلوس بظهر مفرود لمتابعة النَفَس محاولة وربما إمكانية للاستيقاظ من حلم الحياة الاعتيادية والفرح بمقاربة الحقائق المطلقة. لذلك تكون طائرًا ومنتشيًا وأنت غير منعَّم. من التراب إلى الهواء وبالعكس.

حقيقة

يتحول حضور ابن الفارض الموسيقى بتحول الموسيقى التي يتلبسها، لكنه مع ذلك يطرح سؤالًا عميقًا حول صيغته المغناة. فخارج مدارس الإنشاد الديني على تعددها وتباينها لا يبدو أن لابن الفارض موطئَ قدمٍ مستدامًا. يمكنك أن تحترم محاولات التقريب والتحديث في العموم لكن هل هذا مثلًا معقول؟ وإذا كان الموضوع بهذا الرخص فلماذا سيدي عمر أصلًا؟ لكن المساحة الموسيقية المعاصرة التي يمكن أن تستوعب شعر العشق الصوفي ما زالت غائبة. الأدب العربي المعاصر كله مبعد أو سجين. النغم إما طلّق الشعر أو تزوج أضعفه. ربما توجد سُبُل أوقع من الغناء إلى إدخال الكلام في النسيج الموسيقي بالفعل، لكن حتى يُعثر على هذه السبل وتُعمم لابد للكلام نفسه من استرداد مكانته في حياة الناس يوميًا وعينيًا كعنصر حي من عناصر التجربة وليس مجرد أداة أو ذريعة لآليات وقيم شغلها الأعمق أن تنفي الأدب وتقتله. لكن أبيات سيدي عمر – ولعل هذا كل ما أردت أن قوله في الحقيقية – قد تكون هي طرف الخيط. قد تكون نموذجًا للأدب المعاش عبر موسيقى تخدم الكلام وتسمح للكلام بخدمتها بشكل دائم التجدد، الأمر الذي يميزها عن الشعر الغنائي العامي الذي استعمر الأغاني منذ زمن طويل، بما فيه غثاء ”الأصالة“ الصعيدية.

لطيفة

ثمة ما يربط طريق الفقراء الممتد من الهند إلى آسيا الصغرى عبر إيران بالبوذية فعلًا، هذا ما تعلمته من أشعار ابن الفارض المغنّاة منذ استماعاتي الأولى إليها في التسعينات. كلاهما – البوذية والتصوف – ينطلق من أحد أقدم مفاهيم الوحدانية، والمعروف الآن في الهندوسية بـمذهب اللاثنائية أو (باللغة السنسكريتية) أدفايتا فيدانتا. وكلاهما يسعى إلى تحرير النفس من قيد انفصالها عن الهو الكلي واعتمادها على عالم يبدو منعزلًا عنها بينما الحقيقة أنها وذلك العالم تجليات طارئة لشيء واحد باق أو (في حالة البوذية) للاشيء اللانهائي القابع وراء عيني الناظر وخارج الغلاف الجوي للأرض، والذي تجلب مقاربته نشوة كنشوة الشراب. ”كل ما عندك فهو منه وقد حجبك عنه فيه بنفسك“، هكذا يقول سيدي محيي الدين. بينما يُنسب إلى مولانا جوتاما البوذا قوله ”البس أناك كثوب فضفاض“، وقوله كذلك ”لو أحببت نفسك بحق لما آذيت آخرَ أبدًا“. كلاهما يأخذ الوعي الحلّاجي بأنا أنت والكل واحد في اتجاه. ففي حين تتخلّص البوذية من التجليات والرموز بما في ذلك الإله نفسه، توظّف الصوفية مجازي الحب والسُكْر عبر مدارات الأسطورة الإبراهيمية والسيرة المحمدية فتعطيهما مصداقية إضافية. رغم أن بعض مذاهب البوذية مترعة بالصور والروايات وبعض ممارسات الصوفية أكثر صرامة من أي شيء، يأتي السماع المولوي مثلًا على الطرف النقيض من الفيپاسانا.

إعلان

فصل

وحتى الزِنْ السوتو في اليابان والنقشبندية القادرية في تركيا بينهما مودة.

حقيقة

ثم عطبت ركبتي. أجهدتها أكثر من اللازم. بدا الأمر مفاجئًا لكنه كان يتراكم يومًا بعد يوم، وأنا ألهث وأسمع، كان جَفَّ ماء الحياة الذي يشَحِّم عظمًا بدأ يشيخ من قبل أن يشم رائحة الرياضة. كما اضطرني وجع ما زال يعاودني دوريًا إلى إنهاء كاريري اللامع كعداء مسافات طويلة ومؤسس للمدرسة الباطنية في الجري. كنت ألهث وأسمع لكن البوذية لم تفلح في زرع حقول السلام داخلي؛ ومن قبل أن يجيئني خبر محزن منذ أسبوع، عادت كلبية الحياة تنبح بصوت أعلى من ذي قبل. تناثرت انفجارات الغيظ والمخاوف بامتداد الأيام من جديد فبدا أن الرياضة والتنفس كلاهما سقطا من يدي وقد عدت إلى ما كنت عليه قبل أن تأخذني البوذية فأمشي، وقبل أن أمشي فأسمع ثم أحول تمشياتي إلى تمارين جري … إلا أن شيئًا في الأعماق كان يتغير بالفعل. بدأت تداهمني أشعار سيدي عمر في غير مجالاتها على غير انتظار، وبدأت ”المشاعر السلبية“ تكشف عن جذورها في طموحات غير واقعية وأنانيات لا ضرورة لها. قلت لنفسي اسمع يفتح عليك. ودون أن أنتظر الفتح، عدت أمشي. نعم … السماعات في أذني.

Leave a Reply