مرضتش أمشي | مقابلة مع عصام توفيق

كتابةوائل توفيق - يوليو/تموز 26, 2019

شارك عصام توفيق في صناعة أيقونات الأغنية الشعبية التسعينية، من فوزي العدوي مرورًا بـ حسن الأسمر وشيماء الشايب وحكيم. يُحدّثنا توفيق عن كواليس صناعة الملحّن الذي أصبحه وتجربته في الغناء والقصص وراء أهم أعماله، مع المرور على ظروف عملية الإنتاج في أوساط الأغنية الشعبية وتطورها عبر مسيرته.

بدأت الطریق فين؟ 

أنا مولود في حي باب الشعریة. كان ملیان فنانین من كل لون، مطربین أفراح، ملحنین، متعهدین أفراح وإحیاء المناسبات. عیني تفتحت على كل الخلطة دي. لما كبرت شوية رحت على شارع الزعفران، وده كان ملیان محلات آلات موسیقیة، بیع وتأجیر.

في المرحلة الإعدادیة، كان مسموح لنا كطلاب استعارة الآلات الموسیقیة من المدرسة نهایة الأسبوع ونرجعها بدایة الأسبوع. كنت أنا بستعیر الأكوردیون عشان لما نتجمّع ونحيي مناسباتنا أنا وأصحابي، عید میلاد صدیق لنا، واحد مننا یغني، وواحد یستأجر طبلة لإنها لم تكن متاحة في المدرسة للاستعارة.

بعد ما خلصت الثانویة العامة دخلت الجیش لإنهاء فترة التجنید، وبعدها تعینت في أحد الأجهزة الأمنیة، مش هقدر أذكره، لكن مقدرتش أكمل فیه وقدمت استقالتي، وعدت لهوایتي الأولى. دخلت معهد الموسیقى العربیة دراسات حرة، وتعلمت على إید أساتذة كبار زي مجدي الكومي، علي حسونة، فرج العنتري، ورغم ذلك لم تحقق لي الدراسة الأكادیمیة الخبرة الكافیة؛ الممارسة كانت هي الأهم، علمتني الإحساس والذوق وكونت عندي الشخصیة الفنیة، وده اللي متعلمتوش في المعهد.

إعلان

من خلال صداقاتي وتواجدي في شارع الزعفران، اشتغلت عازف في إحیاء الأفراح الشعبیة. الملحن في الأفراح نوعان، الأول نمرة یفضل مع المطرب في أي مناسبة، یحفظ ألحان أغنیاته ویكمل في الفرقة عضو ثابت، أما التاني فهو یستمر طوال الحفلة فقط، وبعدها یروح یشتغل مع مطرب تاني في أي مناسبة یروحها. 

من هنا وصلت سكة مطربین الأغنیة الشعبیة؟ 

في الفترة بتاعة الأفراح، تعرفت على المطرب الشعبي الراحل فوزي العدوي، موالید باب الشعریة. كونت أنا وهو ومجموعة من أصحابنا فرقة فيها أمثال محسن التونسي (أكوردیون) ,سید سنكوبل (طبال)، وسُمي سنكوبل نسبة لإجادتة حركة تغییر الإیقاع: سنكوب. اشتغلنا في الأفراح لكن محققناش أي شهرة، وفي إحدى لیالي الأفراح كان من ضمن الحضور شخصین من منتجي شرائط الكاسیت، عجبهم صوت فوزي العدوي وأبدوا رغبتهم في إنتاج شریط كاسیت له، وبالفعل أنتجوا له شریط بعنوان مزاجات ونجح وكسر الدنیا، لكن ملحنتش فیه ولا أغنیة. حقق فوزي نجومیة واشترى عربیة، ومن نجاح الشریط بدأ یتطلب في الأفراح، وانهالت علینا العروض لإحیاء الأفراح والمناسبات لأكثر من عام ونصف. 

فكرنا بعد كده في إنتاج شریط كاسیت ثاني لـ فوزي العدوي، واقترحت تجهیز لحن، لكنه قاللي: “تلحن إیه؟ إنت اتجننت یا عصام!”، فقد كان وقتها ملحنین كبار أمثال عبد السلام حنفي ومحمد اسماعیل سیكا، فردیت علیه: “یعني انت هتخسر إیه؟ أنا معاك لیل نهار ومعملكش لحن!” أثناء تجهیزات الشریط عرض علیا كلمات أغنیة، وكانت:”أرزاق یا دنیا صحیح أرزاق، فیكي البشر عایشین في سباق”، واقترح علیا فوزي تلحینها، مصدقتش نفسي وقتها، سهرت طول اللیلة على تلحین الكلمات ووصلت لشكل معین للحن، وسمعه فوزي العدوي وعجبه جدًا، وعملنا البروفة. رحنا نكتب اللحن عند محمود أبوزید أحد أمهر كتاب النوتة الموسیقیة في شارع محمد علي، وصدمت وقتها، لقیت اللحن متسجل باسم ملحن تاني، وفوزي العدوي مكلمنیش ولا جاب أي سیرة عن الموضوع، لحد وقت نزول الشریط في الأسواق بعنوان أرزاق، واكتشفت اسم الملحن الآخر على الأغنیة وحسیت بصدمة قویة وعاتبت الشاعر الغنائي أمل الطائر، أحد أهم صناع الأغنیة الشعبیة المصریين.  لكن الشریط منجحش، وبرضه لم یفشل، عدى كده مرور الكرام.  

مر الشریط التاني، وبلغني فوزي العدوي بأن الشركة اقترحت إني ألحن أغنیتین في الشریط الثالث، وافقت ولحنت أغنیة كله یرقص كله یغني، واللحن التاني موال الدنیا مصالح ومنافع. في المرحلة دي توطدت علاقتي بالشاعر الغنائي أمل الطائر، وأثناء تسجیل اللحنین اعترضت الرقابة على المصنفات الفنیة على جملة في أغنیة كله یرقص كله یغني بتقول: “متخافش من اللایمین، یوه یوه یوه”، واعتبروا “یوه یوه یوه” كلمات خارجة. غیرناها باقتراح من أمل لـ “سمّعنا یا فوزي وقول”، ودي كانت أول مرة یقال فیها اسم مطرب في أغنیة شعبیة، ووافقت المصنفات برئاسة نعیمة حمدي وقتها. أثناء تسجیل الأغنیات تعرفت على مهندس الصوت عمر فودة، وكان من ضمن فرقة محمد نوح، وقاللي أثناء التسجیل: “أنا فرحان بألحانك جدًا یا عصام.” صدر الشریط بعنوان ع البیكو ونجحت أغنیة كله یرقص كله یغني جدًا. بعد ما سمعتها في عربیة میكروباص رحت لمیدان العتبة جري، میدان العتبة كان المقیاس الحقیقي لنجاح شرایط الكاسیت وقتها، البیاعین وسواقین المیكروباصات یشغلوا الأغنیة، تعرف إنها نجحت، وسمعتها في معظم المحلات. كانت هنا بدایاتي كملحن، الانطلاقة، أواخر فترة الثمانینات.  

تعاونت ازاي مع أمل الطائر؟

أمل وإنسان الطائر، الأخوین المتنافسین، أنا بسمیهم كدا. یتعاقدوا مع شركات الإنتاج على شرائط الكاسیت، یكتشفوا المطرب، وینفذوا الشریط كاملًا دون تدخل من أي طرف، سواء المطرب أو الملحن أو المنتج، فالملحن یلحن فقط دون أن یتدخل في الكلمات، والمنتج یدفع التكالیف فقط، والمطرب یغني ویحفظ اللحن فقط. جابوني علشان ألحن كلمات أغنیة اللي عایزني یجیني، تألیف إنسان الطائر وغناء المطرب الشعبي الراحل مجدي طلعت، وبما إني كنت بخاف أصله كان شخصیة لها هیبة، عملت اللحن وخلصته وفضل معایا فترة طویلة، لم أجرؤ على عرضه علیهم، كل م یسألوني: “فین یابني اللحن؟” أطلعلهم بحجة، لحد م الحجج كلها خلصت وهم صبرهم نفد، فاضطریت مجبر إني أسمعهم اللحن، وعجبهم جدًا وسجل المهندس عمر فودة الأغنیة، وحقق الشریط من إنتاج شركة فلفل فون لصاحبها سید نصر نجاح كبیر.

طيب وحكیم؟ 

لحنت لمطربین كتیر قوي في فترة التسعینات، لحد م طلبني المطرب مجدي الجندي لتلحین بعض أغنیاته وعملتله لحنین، الأول فوت علینا بكرة والثاني أعمله إیه أبو قلب قاسي. نزل الشریط في نفس وقت نزول شریط حكیم نظرة إنتاج شركة سونار، ونجحنا برضه ونجح حكیم، اللي كان یطرح أكثر من عشرة شرائط في وقت واحد. 

بعدما سمع حكیم لحن أغنیة أعمله إیه أبو قلب قاسي طلبني، وزارني في مكتبي في شارع سلیمان باشا وقتها وفتش في كلمات الأغنیات اللي عندي، وكان صیاد ماهر. وقتها كان عندي مذهب موسیقي جاهز، بتاع أغنیة نار، لكنه غیر مكتمل. سمعه حكیم وكان موجود أمل الطائر وعجبهم جدًا، وفرح حكیم ورقص وهلل في المكتب، ووقتها ولعت النار في أحد محلات العمارة اللي فیها المكتب بتاعي. 

صدر الشریط باسم حبیت ونار لأن الرقابة على المصنفات الفنیة اعترضت على كلمة نار لوحدها على الشریط، فكُتب علیه حبیت بشكل أكبر من كلمة نار. حقق الشريط نجاح كبیر، والشركة اللي هي سونار عبرت عن فرحها بألحاني.  

إعلان

في شریط إفرض مثلًا لحكیم اقترح علیا حكیم شكل موسیقي معین وطلب مني تنفیذه، نفذت الشكل واللحن دون كلمات. في الوقت ده توفى إنسان الطائر، واعتزل أمل الطائر الحیاة حزنًا علیه. ذهبت لزیارته في منزله، وفضلت معاه طول الیوم وأصر على طردي، مرضتش أمشي وألحیت علیه بشدة، ومن شدة ضیقه مني قالي طیب سمعني اللحن، وفي نفس الوقت واللحظة قاللي الكلمات: “افرض مثلًا مثلًا يعني / إني خاصمتك یوم / م انت تاعبني ومغلبني ومنسیني النوم”، وكأنه عارف الكلمات من سنین، أو في ملاك من السما بیقولهاله في ودانه. بعدها بأیام رحنا لـ حكیم في بیته في مدینة نصر، وقضینا سهرة معاه لحد الصبح، وسمع اللحن والكلمات ومقالش ولا كلمة، ولا قال عجباني ولا قال معجبانیش. اتفقنا أنا وأمل تكون الأغنیة لصالح المطرب ﷲ یرحمه مجدي طلعت، وسمعها ووافق علیها، كل ده على التلیفون، بعد م نزلنا من عند حكیم علطول كلمنا مجدي وسمعناله اللحن والكلمات. تاني یوم جالي حكیم البیت بعربیته وطلب الأغنیة واللحن، قولتله: “م انت قولت مش عایزها”، قاللي: “لا أنا مقولتش كدا، وأنا عاوز الأغنیة دي واللحن بتاعها، یلزموني”، قولتله: “الأغنیة أخدها مجدي طلعت، سمعها في التلیفون ووافق علیها.” خدني في عربیته في السیارة لمنزل أمل الطائر في فیصل الساعة أربعة الصبح، واتكلم أمل مع مجدي وكانت الأغنیة لصالح حكیم. لحنت له في هذا الشریط أغنیات إفرض وهتیجي ومتبصلیش من تحت لتحت

رغم أن اللجنة التي تشكلها شركة سونار لتجهیز الشریط وطرحه في الأسواق رشحت أغنیة إفرض في بدایة الشریط، لكن أنا اقترحت علیهم أغنیة نار. تم تصویر أغنیة إفرض إخراج علي بدرخان في میدان الحسین، وكانت المرة الأولى اللي ظهرت فیها الفنانات أمیرة فتحي وزینة كمودیلات في كلیب الأغنیة، وحققت الأغنیة نجاح كبیر بالفیدیو كلیب.

ليك تجارب غنائية سابقة في مراحل مختلفة من مشوارك، هل كان سببها نيّة ممارسة الغناء بالفعل ولا الضرورة لعبت دور؟ 

كل المحاولات للغناء كانت لمجرد التجربة، مكانش في قصد إني أكون مطرب. يعني في أواخر الثمانينات قولت أجرب الدنيا واشوف، فغنيت غنوة اسمها شاري، وبعدين سنة ٩٦ المنتج حنفي محمود صاحب شركة الأصدقاء اشترى مزيكا وألحان من شركة تانية، فأنا غنيت على الألحان ليحفظ المطرب الكلمات زي م أنا غنيتها، بنقول عليها الجايد، لكن دوّرنا ومعرفناش نجيب مطرب ينفع يغني اللون بتاع الكلمات واللحن، لإنها كانت موضة جديدة وكلمات شبابي وتسجيل على تراكات، فالمنتج حنفي محمود قاللي أنا هنزلها بصوتك، فاقترحت عليه إني أعيد تلحين اغنيتين من الألبوم، ولحنت أغنية الحب الأول والأخير وشبابيكو، وكانت اغنية الحب الأول والأخير أنجح أغنية فيهم، فتدخّلت شركة كان مقرها في مصر الجديدة وعملت فيديو كليب لأغنية الحب الأول والأخير، وصورناها في قصر المانسترلي الموجود فحي الدقي. 

إیه اللي اختلف في الإنتاج وموضوعات الأغاني دلوقتي؟

الفترات اللي فاتت، قبل اختفاء سوق إنتاج شرائط الكاسیت، كان فیه غزارة في الإنتاج لكثرة وجود المنتجین، كانوا كتیر قوي. ممكن صاحب محل أدوات منزلیة أو كشك تجاري ینتج شریط كاسیت لأحد المطربین. والفترات اللي فاتت دي كان فیها ملحنین كتیر، زي محمد إسماعیل سیكا، أحمد شاهین، حسن إش إش.

موضوعات الأغنیة الشعبیة في الوقت الحالي تنوعت واختلفت، عكس ما كانت علیه زمان. كانت كلها عبارة عن أغاني الحب والهجر والغدر، أما دلوقتي الأغاني تعالج بعض القضایا والمشاكل الاجتماعیة. أنا مثلًا عالجت فلحن لأغنیة رجعتلي أشعار أمل الطائر مسألة هجر الوالد لأولاده، وهكذا. في أغنیات أخرى مع العدید من الفنانین أمثال حكیم، حسن الأسمر، سمیر صبري، شیماء الشایب، طارق الشیخ، شعبان عبد الرحیم.

إمتى أصبح اسم عصام توفيق يسمّع كملحّن؟  

رحت لمرحلة جدیدة بعد نجاحات مع فوزي العدوي ومجدي طلعت. لحنت للمطرب مجدي الشربیني أكتر من ٣٠ أغنیة، وبدأت معاه أول أغنیة كانت كلماتها بتقول: “لا یا دنیا لا، القسوة لا لا، والظلم لا لا” ونجحت جدًا في السوق في التسعینات، والملحنین كانوا غیرانین مني جدًا، كنت لسه طالع للدنیا، لدرجة إن ملحن مش هقول اسمه، كنا قاعدین على قهوة متروبول، قهوة الفنانین والملحنین والشعراء في وسط البلد في القاهرة، مسك الكرسي وكان هینزل بیه علیا عاوز یضربني، وكان بیقول بعلو صوته: “هي بقت كده، بقت كلها عیال، السوق اتملى عیال”، ومسك نبیل حنفي المونولوجست الكرسي منه قبل م ینزل بیه على راسي. بكیت جدًا وقتها، أنا معملتش حاجة، عملت إیه یعني، لحنت شغلي، عاوز انجح. مر الزمن وقابلت الملحن ده وشافني نجحت، راح قایل: “عصام ده ابني وتلمیذي”، أنا مردتش، ماشي یا سیدي، تلمیذك.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply