أوعا تغني طرب | عن مونولوج فريال كريم

جزيل الشكر للممثلة منى كريم، ابنة الفنانة فريال كريم، على المعلومات والصور التي قدمتها لنا.


في أول الثمانينات، استضاف تلفزيون لبنان فريال كريم في برنامج أغاني ومعاني. جلست فريال بثياب سوداء ذات أطراف لامعة ومزركشة، وضعت رجلًا على رجل، وحكت الكثير عن طرائفها في عالم الفن، عن شعورها بالرعب الدائم من الحرب، وعن أوجاع قلبها المريض. وقفت فريال في منتصف المقابلة، لا لتبدل مكانها هذه المرة خوفًا من القذائف كما كانت تحكي قبل دقائق، بل لتطق بأصابعها مع أنغام الجيتار الكهربائي، ويتمايل جسمها مع إيقاع الديسكو المنكه بصوت الطبلة، وكأنها في استديو كبير يضم مئات المشاهدين. حركت كتفيها بدلع طبيعي بينما غنّت أغنية من ألحان جورج يزبك، وتفاعلت بحيوية بالغة مع جمهورها المؤلف فعليًا من شخصين فقط هما مقدما البرنامج. بعد انتهاء الأداء سألتها المحاورة رلى حمادة عن سبب تمسكها بغناء المونولوج؛ أرجعت فريال ظهرها إلى الوراء وأقرّت بأنها عملت طوال حياتها بنصيحة والدها :”أوعا يا بنت تغني طرب.”

إلعب كاراتيه

في بداية الأربعينات في القاهرة، صعدت فيرا سمعان بشارة للمرة الأولى على المسرح أمام الجمهور. وضعت ابنة الثمانية أعوام يدها على خصرها، وغنت للمونولوجيست ثرية حلمي، دون أن تعرف أن هذه الأغنية ستحدد مسيرتها الفنية لسنواتٍ قادمة. أحبها الحكام، صفق لها الجمهور، وانتقلت فيرا مباشرة للتمثيل في فيلمها السينمائي الأول سكة السلامة سنة ١٩٤٨، من إخراج ابراهيم اللاما.

ذهبت فيرا بعدها إلى سوريا، لتدخل عالم المسرح بخفة دمها وتؤدي أدوارًا كوميدية. مالت باسمها إلى اللهجة الشامية، فغيّرت مواقع الأحرف وزادت حرف اللام ليصبح اسمها الفنّي فريال، ثمّ  تعرفت في فرقة مسرحية عملت معها على زوجها محمد كريم، وقررا الزواج عام ١٩٥٤. تم الزواج بدون رضى أهلها بسبب الاختلاف الديني، وربما لصغر سنها البالغ حينها أربعة عشر عامًا. بعد زواجها، اشتهرت فيرا بالاسم الذي رافقها حتى موتها: فريال كريم.

فريال كريم معازف

أحبت فريال التمثيل، واندمجت بأدوارها حتى أتقنتها. علمت نفسها بنفسها، وصنعت شخصية حيوية بحضورها. عملت في المسرح الوطني في لبنان مع الفنان حسن علاء الدين، المعروف بشوشو، لسنوات خلال فترة الستينات. كما استطاعت الدخول إلى عالم التلفزيون أيضًا في بداية السبعينات، بعد أن تعرفت على المخرج اللبناني محمد شامل. في عز أيام الحرب الأهلية، ظهرت فريال كريم على شاشة تلفزيون لبنان وغنَّت يا عمي الدنيي مش هيك الدنيي بسمة، غنتها بالخفة والحذر المطلوبين، وطبعت شخصية زمرد التي أدّتها في مسلسل الدنيا هيك في ذاكرة اللبنانيين.

تحكي فريال أن أكثر ما كان يرهقها في عملها كفنانة التفكير باختيار الطريق الآمن من القذائف إلى الاستديو أو المسرح. على الرغم من وجودها في هذه الحقبة السياسية المهمة، لم تغنّ المونولوجات الوطنية أو السياسية، وفي الوقت الذي غرق فيه لبنان بالتسلح أو الهرب من الحرب، خرجت فريال بأغنية العب كاراتيه، التي تدعو جميع الشباب للذهاب إلى النادي الرياضي، وعدم تضييع الوقت في أمور أخرى:

“واسمعني إنت وهو، بدنا شجاعة،

بدنا سواعد تبني وتساعد،

واحد بالزايد يلعب كاراتيه”

عم بزعلني للّو

خلال مسيرتها كممثلة، بدأت فريال بإتقان المونولوج النقدي الساخر. تعلمت كيف تتلاعب بمساحات صوتها الضيقة، وأدركت من البداية أن الأداء المرح سيخرج جمالياته البسيطة، فكانت تؤديه في معظم أدوارها التمثيلية. عام ١٩٧٥، مثلت فريال في مسرحية حلوة كتير من بطولة المطربة صباح، وافتتحت المسرحية بأغنية الريش الريش، من كلمات وألحان الشاعر سامي الصيداوي، واحد من أهم أعمدة غناء وكتابة وتلحين المونولوج في لبنان.

في أواخر الستينات، قدمت فريال مع سامي البرنامج الفكاهي الإذاعي أم أخبار، الذي غنت فيه بعضًا من ألحان سامي، ومنها أغنية  لو كل مين يعرف نفسه التي انتقدت فيها الشر الإنساني. تمكنت فريال كريم في هذه الأغنية من إيصال مشاعرها المتنقلة من الغضب إلى الفرح، وبدأت بإيجاد صوتها وأسلوبها ذو النبرة الواعظة ضمن القدرة التعبيرية الواسعة لصوتها.

فريال كريم صباح معازف

بالتوازي، كانت فريال تثري مسيرتها بالغناء لواحد من أهم الملحنين اللبنانيين، ملحم بركات، والذي لحن لها عددًا من المونولوجات مثل دير بالك لحماتك. تتحدث في هذا المونولوج الساخر عن ثيمة التقرب من الحماة والمبالغة باستقبالها لكي ترضى، ونستطيع في هذه الأغنية ملاحظة تمكن صوت فريال من مجاراة اللحن، رغم بطء الإيقاع، بشكلٍ يدل على مرونة صوتها، وقدرته على التنقل بين النغمات بسهولة. غنت فريال كذلك من ألحان ملحم بركات أغنية عم بزعلني للّو، التي نجحت جماهيريًا لتصبح إحدى أهم أغاني الثمانينات في لبنان، وأغنية قرقورك يا بديعة، التي تحدثت فيها بطريقة ساخرة فيها عن المطربين المستحدثين الذين لا يجيدون الغناء:

“قرقورك مطرب أصلي

ليليي (كل ليلة) عندو وصلي

منين تعلم هالخلصة

طفّش كل السميعة”

اشتهرت فريال كريم أيضًا بتقليد المطربين، خاصة صباح، كما تجرأت وقلدت فيروز في حبيتك بالصيف، وأعتقد أنها كانت بارعة في تحويل نغم صوتها إلى درجة أرق. أجادت فريال أسلوب التقليد بفضل عاملين، الأول امتلاكها أذنًا موسيقية جيدة. ففي إحدى المقابلات التلفزيونية وقبل أن تقدم فقرة تقلد فيها الصبوحة، قالت للمذيعة “الصبوحة بعد رجعتها من رحلتها، كانت عم تغني وحسيتها في عندها شي جديد هو القفلة، رح نقول مقطع وقلك شو تغير” وبالفعل أدت مقطعًا من أغنية رقصني دخلك يا حبيبي بطريقتين مختلفتين.

العامل الثاني هو صوتها المرن، ففي تقليدها لأغنية فهد بلّان، واشرحلها، نستطيع ملاحظة القدرة الفطرية في صوتها على الهبوط والصعود إلى درجات صعبة، كما ركزت على إيجاد جميع النوتات. يمكننا اعتبار هذا الأداء نموذجًا جيدًا لقدرات صوت فريال المتوسطة؛ حيث أدّت الفنانة والممثلة المصرية لبلبة نفس الأغنية في محاولة لتقليد فهد، لكنها سقطت في فخ التفخيم والمبالغة، إضافة إلى أنها لم تقدم الموال الذي هو نصف الأغنية، بينما كان أداء فريال أكثر طبيعيةً، مع اللهجة البدوية المتقنة والتنقل الحذر بين نغمات الموّال.

أن تضيع في زحمة الرحابنة

قرر الياس الرحباني في بداية الثمانينات أن يبدأ سلسلة إصدارات تحمل اسمه واسم المطرب الذي سيغني ألحانه  وكلماته، وأطلق ألبومه المشترك مع فريال: فريال كريم البسمة الخالدة … تغني الياس الرحباني، المكون من ست أغانٍ.

في أغنية خدلي إيدي، لم يعط الياس المونولوجبست الأولى في لبنان حقها، وتجاهل أن قوة أداءها تكمن في صوتها الساخر من المواقف التي تسردها وتعلق عليها. أعطاها كلمات رومنسية وجدية، لا مجال للمزاح فيها: “غيرك ما بدي يتمايل حدي”، فخسرت فريال الكثير من قوة أدائها. نسمع ذلك عندما حاولت أن تقول: “أيوا” كما تقولها عادةً في مونولوجاتها الساخرة، لكنها خرجت محشورة بين الكلمات وبطء اللحن:

“قلبي مال حدك قال خبرني شو قال

ليلي يروح أيوا سرّي يبوح”

ورغم محاولة الرحباني الصغير أن يملأ الألبوم بكلمات من اللهجة العامية القاسية مثل “تتمقطع فيي”، وأن يستعين بالشاعر كمال راموز في أغنية “قلبي بحبك“، لم تساعد ألحانه فريال على الخروج بالأداء المطلوب، بل أفقدتها سحرها، لهجتها الشقية وأداءها المرح، بسبب بطء اللحن وعدم مجاراتها له.

يمكن استثناء أغنية مطار أورلي من ذلك. تحكي الأغنية، التي نالت شهرة واسعة، بلسان فتاة لبنانية تلتقي مغتربًا في مطار أورلي في فرنسا، وتحاول محادثته بالفرنسية لتخرج بحوار كوميدي خفيف. تحكي فريال القصة من منظور الراوي الراوي، ما ساعدها على استرجاع خفة دمها هذه المرة، وليس مستبعدًا أن تكون قد شاركت في كتابة كلمات الأغنية أو ارتجلت جزءًا من الحوار، خاصة وأنها حكت سابقًا عن الطرائف التي عاشتها خلال زيارتها لباريس لأنها لا تجيد اللغة الفرنسية.

كما احتوى هذا الألبوم على أغنية برّات البيت عاملي عنتر التي أدتها فريال في مسرحية وادي شمسين عام ١٩٨٥، وهي الأغنية الوحيدة التي يمكن أن نصنفها تحت خانة المونولوج، حيث تنتقد كلماتها اللاذعة تصرفات الرجال الذين يعاملون زوجاتهم بطريقة سيئة، فيما يجاري اللحن السريع أسلوب فريال السردي الكوميدي. عام ٢٠٠٤، استعادت فرقة الفوركاتس التي ألفها غسان الرحباني (ابن الياس) أغنية فريال، وخرجت بتوزيع جديد يناسب هيصة الألفية الجديدة.

مونولوج فريال كريم

في حلقة فنية بثتها قناة المؤسسة اللبنانية للإرسال (إل بي سي) منتصف الثمانينات، ظهرت فريال بقصة شعرها الرائجة وثوبها الأصفر المبهرج، والمناسب لأسلوبها الفانكي في الرقص والتعبير. طالبها الجمهور بغناء للّو، وأتبعها بالـ :”بص شوف فريال بتعمل إيه.” غنّت فريال أغنيتها، وتمايلت لترقص مع جميع الموجودين الذين تركوا كراسيهم فارغة، لكن كل هذه الحيوية لم تستطع إذابة التعب الذي كان جليًا في صوتها تلك الفترة، إذ كانت مريضة بانسداد شرايين القلب منذ صغرها، وعانت من وعكات صحية مستمرة أضعفت صوتها في السنوات الأخيرة.

يقول عازف القانون محي الدين الغالي، الذي كان واحدًا من أهم أعضاء الفرقة التي رافقتها في حفلاتها في السبعينات والثمانيات، إن فريال كانت حريصة دائمًا على أدائها على المسرح مع فرقة جيدة، رغم تعبها ومرضها في الفترة الأخيرة. أصرّت على البروفات قبل يومٍ من الحفل، وساعدها زوجها الذي كان مطربًا سابقًا.

فريال كريم معازف

في تموز / سبتمبر عام ١٩٨٨، كانت فريال تحيي إحدى الحفلات في مسرح مونتي كارلو، لتجمع نقودًا لعملية في القلب ستجريها في أقرب وقت. ذهبت إلى طاولة يجلس عليها عروسان، وسألتهما عمّا يرغبان بسماعه، فطلبت العروس عم بزعلني للو، لكن فريال رفضت الغناء للزعل لأن اليوم يوم فرح برأيها. رقصت مع العروسين وغنت لهما وهي تضحك، ثم سقطت على المسرح لتشيعها الفرقة بلحنٍ حزين لا يلائم كل الضحك الذي حمله صوتها.