كاميكازي | إمنم

كتابةهلا مصطفى - أكتوبر/تشرين الأول 26, 2018

في ماي نايم إز الصادرة في بداية مسيرته، قال إمِنِم: “أرسلني الله لكَي أُغضب هذا العالم.” بقي الغضب ومسبباته وتبعاته لسنوات الموضوع والمحرك الأساسي لمسيرة الرابر الأسطورية، وإن بدا هذا الغضب مؤخرًا مصقولًا ومشذبًا، متأثرًا بمجموعة لا يستهان بها من التجارب والحوادث الشخصية في حياته. مع صدور ريفايفَل عام ٢٠١٧، قوبلت النسخة الهادئة الناضجة من ذَ سلِم شايدي عنوان أول ألبومات إمِنِم واللقب الذي أطلقه عليه معجبوه لاحقًا. بالكثير من الاستهزاء والانتقاد. في حالة ريفايفَل وحده، لم يكن إمنم هو من أغضب الناس هذه المرة، بل جرى العكس. نجحت الانتقادات في استفزاز إله الراب وبات لازمًا عليه الرد، فكان كاميكازي.

“حاولت ألا أبالغ بالتفكير بهذا الألبوم … استمتعوا”

بهذه العبارة وحدها، أعلن إمِنِم صدور كاميكازي. لا ندري بالضبط إن كان مقصده أنه لم يبالغ التفكير في ما يكتبه من عبارات هجومية ولوم وتقريع وشتائم وضد من يوجهها بالضبط، أم أنه لم يصفن جيدًا في التبعات المتوقعة لهذا الهجوم بعد صدور الألبوم. يصعب تصديقه بكلتا الحالتين. هو أولًا قد فكر مليًا بكل اسم هاجمه أو ذكره أو حتى مر عليه مرور الكرام خلال الألبوم، رابطًا كلًا منهم بموقف أو مقابلة أو عبارة أو جائزة استفزته في وقت من الأوقات. بل أكاد أستطيع تخيل امتلاكه للفافة ورقية يخرجها يوميًا قبل النوم مضيفًا ومعدلًا لأسماء أعدائه ومن يزعجه بالعموم. أما ثانيًا، فلا يمكن ألا يفكر أو يتوقع التبعات الهائلة لهجومه على أكثر من عشرة رابرز دفعةً واحدة، حتى وإن كان بعضهم قد أصبح رابر بسببه قبل أي شيء. فيما يلي صدور الألبوم بساعات، ظهرت العديد من الفيديوهات من نمط “إليكم أسماء جميع من هاجمهم إمنم في ألبومه الجديد” وكان واضحًا أن تبعات الألبوم ستكون ملحمية.

لا يمكن نكران المتعة المصاحبة لسماع شخص واحد يهاجم كل من في الصناعة دون استثناء، بشكل جماعي أحيانًا، وباستخدام فلوهاتهم الخاصة مظهرًا قدرته على الخروج بسطور تراب والسخرية منها في ذات الوقت. في ذَ رينجر، يستخدم إمنم أحد فلوهات لِل بمب الشهيرة من أغنية جوتشي جانج: “لِل بمب، لِل زان يقلدون لِل واين / سأهاجم كل من في هذه اللعبة فقط اختاروا لي اسمًا.” وفي نَت ألايك يتمتم ساخرًا بكلمات عشوائية تتماشى مع قوافي ميجوز في باد آند بوجي. في أحيان أخرى، لمدة غير قصيرة، تنفرد فلوهات أكثر حبكةً بشخص واحد فقط: “بتعرف حالك يا كِلي.” يخصص إمنم أطول مقطع هجومي في الألبوم لـ ماشين جَن كِلي في تراك نَت آلايك، كرَد على عدد من الإشارات والتلطيشات التي صدرت عن كِلي خلال السنوات الماضية.

إعلان

اختلفت ردود فعل الرابرز الذين هاجمهم إمنم بعد صدور كاميكازي. بعضهم التزم الصمت واختار التجاهل، وبعضهم عبر عن استيائه في فيديو أو منشور عبر السوشال ميديا. آخرون كانوا سعيدين بمجرد ذكر إمنم لأسمائهم في الألبوم مثل هوبسن الذي نشر فيديو يصرخ فيه بسعادة لكون إمنم يعرف اسمه، قبل أن يتوجه لمكالمة والدته وإخبارها بالحدث الذي سيجعلها فخورةً بابنها.

وحده ماشين جَن كِلي وجد ضرورة للرد بتراك كامل، فأصدر راب دِفِل بعد ثلاثة أيام من صدور كاميكازي. منح هذا التراك الجيد على نحو غير متوقع صاحبه إحدى عشر يومًا كاملين من التقدير والإعجاب، قبل أن يدرك أنه قدّم نفسه لإمنم على طبق من فضة، ليقدم هذا بدوره كيلشوت، إحدى أفضل الدِسات في مسيرته: “أسطرك المبتذلة تشير إلى أني عجوز / أنا في الخامسة والأربعين ومازلت أتفوق عليك بالمبيعات / في مثل سنك كنت قد أصدرت ثلاثة ألبومات ضاربة … أفضّل أن أكون في الثمانين من عمري على أن أكون على شاكلتك في العشرين من عمرك.”

حطمت كيلشوت رقمًا قياسيًا على يوتيوب بأكثر من ٣٨ مليون مشاهدة في أول أربعة وعشرين ساعة وحدها، ومنحت ماشين جَن كِلي ملايين المستمعين الإضافيين الذين تعرفوا عليه لتوهم، الأمر الذي توقعه إمنم في ذَ رينجر التراك الافتتاحي لكاميكازي “إن ذكرتَ أنتَ اسمي فستحظى بملايين المتابعات والاهتمام في الأخبار / إن ذكرت أنا اسمك فأنا الخاسر وأنت الرابح / ستحصّل مليارات المشاهدات رغم أن رأيك بيسوى فرنكين.” في مقابلته مع سواي ذكر إمنم أنه لا يشعر بالأسف تجاه ألبوم ريفايفل، فلولا ريفايفل لم يكن كاميكازي ليولد. بالمقابل لم أشعر شخصيًا بالأسف على تجربة كاميكازي، فلولا كاميكازي لم يكن دِس كيلشوت ليولد.

بعد أن فرغ سلِم شايدي من هجومه على الجميع، مستثنيًا كندريك لامار وجاي كول وبيج شون، توجب عليه إيجاد مواضيع تسمح ببضعة تراكات إضافية ليكتمل الألبوم. هكذا حصلنا على أغنيات عاطفية منتهية الصلاحية تخللها الكثير من الاضطراب والعنف المنزلي مثل نورمال، وثنائية جود جاي ونايس جاي التي أنقذها التعاون مع المغنية الكندية جيسي رايز حين منحت الأغنيتين لوازم جذابة سهلة الالتقاط. بالإضافة إلى التراك الباهت فينوم الصادر كأغنية رسمية لأحدث أفلام مارفل الذي يحمل الاسم نفسه. يقتطع إمنم آخر حرف من اسم الفيلم ليتخذه كقافية مستفزة لإحدى أسوأ اللوازم التي وضعها طوال مسيرته.

قد لا تنجح البخّات العاطفية هنا وهناك في موازنة كمية الغضب والنق في كتلة الدِسات الرئيسية التي أظهرت إمنم كأب لازم المنزل بعد التقاعد، وبدأ يتململ من تجاهل أبنائه له، أو تذمرهم منه. لكن بإزاحة كل هذه التراكات جانبًا، سنكون أخيرًا في مواجهة ستيبينج ستون. المؤكد أن سيل الدِسات قد جرف في طريقه التركيز المُستحق لهذا التراك الاعتذاري. تتضمن ستيبينج ستون أولى توضيحات إمنم على الإطلاق حول تجربة فريقه دي ١٢ التي انتهت مع بداية النجاح المتصاعد لمسيرة إمنم الفردية، ومقتل بروف، أحد الأعضاء الأساسيين في الفريق: “وكان يجب أن نكون رجالًا / فعندنا مسؤوليات / بالإضافة إلى أننا لا نتحدث عن مشاعرنا” في واحدة من لحظات الحقيقة الخاطفة في مسيرته، ينضم التراك إلى مجموعة الاعترافات التي ينوي شايدي حملها إلى النهر ليغرقها ويخرج بلا خطايا.

إلى جانب ستيبنج ستون، وحده تراك لَكي يو يقدّم فلوهات ممتعة دون الحاجة لأي هجوم وتبجح إضافي. في هذا التراك، تظهر كتابة إمنم في أصفى حالاتها عبر الألبوم، شارحًا مرارته بصدق وجرأة دون أن يحمّل أحدًا اللوم: “أنا لا أكره التراب / ولا أود أن أبدو غاضبًا / ولكن في الحقيقة أين أنا من شخصي القديم؟ / ذاك الشخص كان ليأخذ كل التقييمات ويصب نيرانه عليها / هذا ما أحتاجه اليوم.” سمعتم يا شباب؟ إمنم ليس غاضبًا منكم. لا يقصد إهانتكم. هو فقط يشتاق لـ مارشال ماذرز.

“أمضي معظم وقتي في كتابة أشياء لا أعتقد أن أحدًا يفهمها على الإطلاق” – مقابلة بيلبورد

لكن، سواء المبتكر اللاذع من أسطره الهجومية، أو قدرته الاستثنائية على أن يراب بسرعة فائقة سمحت له بمقارنة نفسه بـ محمد علي كلاي، هل تحمل هذه العناصر أي جديد مما لم نسمعه من إمنم في العشرين سنة الأخيرة؟ قد لا يهتم كثيرون من محبي سلِم شايدي الأوفياء بالإجابة عن هذا السؤال، سيسعدهم الحصول على المزيد من موسيقاه التي تربوا وكبروا عليها. وبالفعل، في الأسبوع الأول من صدوره، تبين سريعًا أن كاميكازي سينضم إلى ما سبقه من ألبومات إمنم في قائمة النجاحات التجارية مع تصدره للمبيعات في الولايات المتحدة، وحول العالم. لكن ذلك لم يكن كافيًا لإمنم.

في التراك الافتتاحي ذَ رينجر، وفي كل فرصة تتاح له تقريبًا، يشير إم إلى أن كثيرين لا يمنحونه التقدير الكافي لكونهم أغبى من أن يفهموا مقصده وأسلوبه في الكتابة. بل إنه يحثهم حتى على اللجوء إلى جِنِس والبحث عن تفسيرات ومعاني أسطره وكلماته. لذا، هذه المرة، لم يعوّل إمنم على موسيقاه لإيصال رسالتها، بل على المدة التي تلت صدورها والتي أشرف خلالها بنفسه على تقديم وسائل المساعدة للمستمع بطيء الاستيعاب في رأيه من مقابلات وشروحات وتفصيلات. بعد حوالي عشرة أيام من صدور كاميكازي، استعان إمنم بصديقه القديم سواي، الصحفي والرابر المتقاعد، للخروج بسلسلة مقابلات قصيرة مخصصة لمناقشة الألبوم. طوال السلسلة التي تمتد بجموعها لحوالي الساعة، تحدث إمنم عن كل ما دار في رأسه أثناء عمله على الألبوم والفترة التي سبقته. قدّم تبريرات مفصلة لكل هجوم شنّه في أغنياته. أوضح الكثير من النقاط المثيرة للجدل. بل وقام بالقليل من النقد الذاتي لأعماله الأخيرة. ظهر إمنم كشخص عقلاني، واسع الصدر، حليمًا بأعدائه الذين اضطر للرد عليهم بعد أن بدأوا بالإساءة، إلى درجة ترغب فيها بأن تقول له: معلش، حقك علينا، كنا عم نهز الورد لنشمه.

إذًا فإن إم قد وضّح وشذّب وفصّل وناقش كل تفاصيل الألبوم، وما على الجمهور الآن إلّا الاحتفاء به وتقديره. ماذا عن نعته لتايلر ذَ كرييتر بالمخنث؟ في أغنية فُل هاجم إمنم تايلر ذَ كرييتر داعيًا إياه بالمخنث، ما أثار سخط كثيرين ضد إمنم معتبرين أنه مصاب برهاب المثليين. أشار إمنم إلى أنه اختار هذه المفردة بلا تفكير ودون أن يقصد بها ميول الرابر الشاب، وأنه شعر بعد تسجيل الأغنية أنه قد تقّل العيار فطلب من مدير التسجيل تشويشها، رغم أنها بقيت مفهومة للجميع تقريبًا. اعتذر إم (تقريبًا) ومرقت عخير.

إعلان

“كان عليَّ أن أمنحك مسيرة مهنية أولًا، قبل أن أتمكن من تحطيمها” – كيلشوت، إمنم

ما بين اتكاله على الأرقام التي لم تخذله أبدًا عقب أيٍّ من إصداراته، أو اختياراته في تقديم الفيديوهات المصورة للأغنيات الأكثر جدلًا في الألبوم، أو سلسلة المقابلات العقلانية مع سواي، أو الديس ضد ديس ماشين جَن كِلي، وانتهاء بأدائه الاستعراضي لـ فينوم في أحد البرامج التلفزيونية الليلية من قمة مبنى إمباير ستايت في نيويورك، بدا إمنم وكأنه يطفو على ارتفاع عن المطبات التي أنشأها تعارض موسيقاه مع مشهد الراب اليوم. خبرته التي تزيد عن عشرين عامًا في صناعة الموسيقى سلّمته كافة المفاتيح للنهوض بـ كاميكازي من كونه مجرد ألبوم إضافي في مسيرته، إلى الألبوم الأكثر جدلًا ونجاحًا تجاريًا لهذا العام.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply