“مبقاش عندي ثقة في حد”

أول مرة سمعتُها بشكل واضح كنتُ في سيارة أجرة. كان معي صديقي الذي سأل السائق عن اسمها، فقال له أنها لمطرب يدعى رضا البحراوي. أما أنا فكنت أشبِّه عليها بصيحة المغني الشهيرة بابا يا بابا يا بابا“. بحثت عن الأغنية على الانترنت ووجدتها تحت اسم مبقاش عندي ثقة في حد، ومن وقتها أدمنت سماعها وتبادل كلماتها مع أصدقائي كل يوم والآخر.

كان السؤال هنا: ما هو لغز استماعي إليها؟ تبدأ الأغنية بموال يصف ألماً عاطفيّاً ووجوديّاً يتجسّد في صوت البحراوي المتألم والشجيّ الذي يشكو من انعدام قدرته على الثقة في أحد ممّن عرفه في حياته. ولأن أقرب الناس إليه وحوش“: أنا خدت الضربة بجد، من أقرب ناس في حياتي. دول مش أهلي دول لا لا لا ..اوكسم بالله وحوش“.

يبتعد الصوت في الخلفية ليلقي تعليماته التي سيلقيها طوال زمن الأغنية الذي يتعدى الخمسة عشر دقيقة، مضفّرة في الخط اللحني تارة، وكـإرشادات جانبية تارة أخرى: معانا على السقفة، بس على السقفه بس ماشي؟“. ينطلق بـ كمان مستصغرني لتضجّ الأغنية مع الأورجالأهوج والمزمار الصعيدي على قواعد الأغنية الشعبية في الشكوى من الحال وظلم الأقرباء والأحباب وغدر الزمن. ثم تدخل في سرد حِكم شعبية بلا رابط كتداعيات حرة ياما ناس في شرب السموم مضيعة فلوسها. ياما ناس في شرب الحشيش مضيعة فلوسها. واللي يهين الولايا في الدنيا دا بيتهان.

وسط كل هذا، يدعو رضا على من لا يصفق معه يا رب اللي مش هايسقف معايا، يارب. يارب يارب.” ثم لا يطاوعه قلبه فيصرخ عالياً: يا ععببسسسلااااااام (قولوا بقى). ويبدأ مرحلة شظايا لحنية بعدها: مش هي، حلاوة. حلاوة. مش هي دي، حلاوة. ليصل إلى: لا لا لا لا ملعون يا زمن الموبيلات، خليت البنات فجروم. ثم المحاكاة الساخرة/ “باروديوهو العنصر الذي يتواجد بكثافة في فن الأغنية الشعبية والمهرجانات– : هل رأى الحب سُكارى، هل رأي الحب سوجارة؟(قولوا بقى قولوا بقى قولوا بقى) متصنّعاً خيبة أمل: يا محمد يا محمد تاني تاني تاني، الجملة دي تاني لو سمحت. تاني لو سمحت ليصل إلى انفجار: دي حركة دي حركة دي حركة ها (قولوا بقى). ليتبعها بدوشة هذيانيّة وصيحات: عااااااااااااااااا(غالباً ما عرف عن المغني الشعبي حمبولة إطلاقه لهذه الصيحات). ثم محض أرقام يتلوها تصاعدياً وتنازلياً: واحد اتنين تلاتة إس إس (..) أربعة تلاتة اتنين واحد إس“. ويابتاع الحلاة هتلنا حلاوة بربع جنيه. طب بخمسة جنيه. بخمساية؟مواصلاً التسخين:اللي يحب ربنا يقول هييييه. بابا يا بابا يا بابا. فحِكَم أخرى، ثم تأتي الفقرة الصوفيّة المعتادة في الأغنية الشعبيّة. وهنا يتخلى والبحراوي عن أبسط قواعد التمهيد في نقله عن الحديث عن المعلّم الذي ضاعت فلوسه فأصبحت الناس تتكلم عنه، ليمزج بين الجزئين: “أنت الذي علمتني. أعز الحبايب في حق المعلم بتتكلم. أبا العالمين. من زيه مين؟ أين رجال الله؟ أين حبايب الله؟ (تروروت تروروت تروروت تروروت). ثم حِكم أخرى عن البخل والجشع والتفاوتات الطبقيّة لينهي بها البحراوي تحفته الفنيّة بصوت مشروخ مع الموسيقي والصيحات الراقصة.

ما يشدّني في سماع الأغنية هي أنها بالذات مفكّكة. سائبة الأطراف لا تلتزم أو تتزمّت بشيء، ولا تثقل نفسها بترابط بنائي منطقي سواء موسيقيّاً أو كلاميّاً. لا تروم، كموسيقى تصويريّة مُثلى لأفراح الحشيش والبيرة والرقص، شيئاً سوى البهجة، سواءً بالشجن أو الهيصة العاليّة، بشكل يتخفّى أحياناً تحت قناع الحِكم والرزانة الشعبية، وأحياناً بشكل مفتوح ومباشر: البهجة العبثيّة التي لا تروم إلا ذاتها.

ولد رضا البحراوي في محافظة الغربيّةطنطا، وبدأ مشواره بأغنية زمن الوحوش“. وصدرت له أسطوانة إرحم يا زمن” (2010)