في عنّا هوية (أو: رابر شامي) | مقابلة مصوّرة مع السينابتيك

كتابةهلا مصطفى - November 28, 2014

كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها بليث (الحسيني، السينابتيك). وقف في منتصف الغرفة عاري الصدر يتأمل انعكاسه في زجاج واجهة المحل، فيما تمطر السماء في الخارج. كنت قد وصلت للتو إلى برج حمود حيث سيحظى السينابتيك بوشمٍ جديد، لنجري المقابلة معه في تلك الأثناء خلال ليلته الأخيرة في بيروت. كان فنان الوشوم، مو، قد أنهى لتوه حلاقة جزء من ظهر السينابتيك وتخطيط “نطلع الجبال جهّال وننزل حاملين وصايا”، الاقتباس من ألبوم أم الموجات الذي كان بانتظار أن يصبح وشم السينابتيك الرابع. على ساعده الأيسر جمل غير واضحة من الألبوم تأخذ شكل حوت. على كتفه الأيمن رقم ١١، نسبةً إلى فريق كوكب ١١ المكون من ليث وبدر عازم. كان السينابتيك ينظر إلى كتفه الأيسر، حيث وَشَمَ الحرف الأول من اسمه، ينظر إليه ويضحك مبررًا: “بس هاد يعني من أيام ما كنا صغار لسا.”

يأتي ذكر الحفل الذي كان السينابتيك قد أحياه في اليوم السابق في بولروم بلتز في بيروت. يسألنا عما إذا كنّا قد قضينا وقتًا ممتعًا، وإن كان أي منّا يملك فيديوهات أو صور من الحفل، فيخرج أحدنا جواله ويعرض فيديو صوّره لأغنية ريتالين. نلتف جميعًا حول الشاشة، فيما يتابع السينابتيك بهدوء وتركيز وكأنه يستمع للأغنية للمرة الأولى. حين يصل إلى جملة “بندقية بين ريتا وعيوني / كل يوم جديد يمر” يهتف السينابتيك بصوت عالٍ وحماسة: “مان، هاي أحلى أغنية عندي بالألبوم.”

لم نباشر المقابلة إلا بعد فترة من الاختبارات التي قام بها مو بمسدس الوشم ليتأكد من درجة حساسية السينابتيك للألم. الواضح أنه كان يتألم بشدة، في غرفة ضيقة ومع أناس التقاهم للتو. بدا للحظات أنه كان يشعر بمأزق عدم قدرته على التعبير عن الألم بأريحية، أما نحن فكنّا نبحث عن حل لمأزق تسجيل الصوت بوضوح بوجود أزيز مسدس الوشم. انتصب كرسي السينابتيك أمام مرآة وبدأ مو بدق الوشم على ظهره، فيما جلستُ في زاوية مقابلة له. شعرتُ بالارتباك إذ لم أستطع تحديد اللحظة المناسبة لبدء طرح الأسئلة، خاصة وأن وجه السينابتيك قد اكتسب جدية لم أستطع تحديد إن كانت تعبيره المعتمَد أثناء المقابلات، أم كان مصدرها الألم في ظهره.

أم الموجات

خلال شغل الألبوم وضح وين أنا برتاح ووين بكون وكيف ممكن أستخدم صوتي. وبهاي المرحلة، بعد الألبوم، بالديموز اللي عم بعملهم كتير عم بختبر بصوتي، عم بلعب بالبيتش تبعتو كتير. بغني بيتش كتير عالي، بيتش كتير واطي، بصرخ، وهيك. بحس إنو الصوت نفسو عنصر كتير كبير ممكن يضيف للتراك، ففاهم أهمية الإشي، وأنا محظوظ يعني إنو صوتي هيك وكتير مميز وكتير نافع لهاي الموسيقى. وبس بحاول إني أضل عارف هي الشغلة وأعرف أستغلها بالشي اللي بشتغل عليه.

(تأليف) أغلب (الأغاني) بيوم بيخلصو يعني. هو الفكرة مش قديش الأغنية بتقعد لتخلص. الفكرة الإشي اللي بياخد كتير وقت هو إنو تطلع فكرة الأغنية. أول ما تطلع الفكرة، إنو تضوي براسي، بتخلص عالسريع. بس الفكرة إنو لما الكونسبت يمسك، خلص. فما بقدر أحكي قديش الأغنية عنجد بتوخد وقت لأن كتير من الشغل بكون براسي قبل ما أعمل أي إشي يعني. (في البداية) بالعادة بيكون إشي ما بين الميلودي والليركس. إنو الإحساس العام. بسجل ديمو هيك فريستايل، بطلِّع اللي براسي، بسمعو. بشوف الإشيا اللي بحبها فيه، بشوف أنا وين رايح، بفهم حالي يعني. وبعدين بعد ما أسوي هيك، اممم مثلًا بسمعو للبروديوسر بقلو شو رأيك؟ بحكيلي تمام. ببلش أكتب وأسجل، أكتب وأسجل. بكتب يعني الكورس، بعدين بارين وبسجلن، بعدين بار وبسجلو. ما بسجل دفعة وحدة يعني. (في) التراكات الأولد سكول بكتب فيرس وبحاول أعمل بنشلاينز أكتر وهيك، بس التراكس اللي بقدر أعمل فيها ميلوديز وآخد راحتي بالغنا فبضل ع نفس البروسِس.

أحيانًا منغير منعدل. أنا ما بحب أغير وأعدل أبدًا يعني. أحيانًا أغنية بتكون خالصة والبروديوسر بحكيلي عدِّل شغلة، بتضلها سنة وأنا خلص ناسيها. كتير بحبش أغير.

بصراحة في براسي الفكرتين موجودتين، وأنا ما بين الفكرتين، فكرة إني بدي أوصل لناس أكتر، وفكرة إنو بدي أعمل إشي أنا حاسو. وبحاول إني اعمل التنيتين سواسية، يعني إني أعمل الاشي اللي أنا بدي أعملو، بس بطريقة أكون تعلمت من خبرتي مع الجمهور، أكون تعلمت شو بحبو وشو بحبوش. بس مش عنجد بدرس الموضوع دراسة وبعمل إيش مفروض ينعمل وهيك. بالآخر بعمل اللي أنا بعتقد إنو الناس بتحبو، وبشوف.

بالعادة إي (بلعب لايف) مع دي جاي. مش دايمًا الدي جاي اللي بشتغل معو بالعادة لأن ما بيقدر يسافر مثلًا ع فلسطين وع مصر، فمنحاول نعمل اللي منقدر عليه. الوضع المثالي هو إنك تأدي مع دي جاي وكمان حد تاني، حد عندك معو كتير تراكات بيقدر يساعدك وتساعدوا وتحمسوا بعض متل ما بعمل مع تشينو بالعروض هلأ. هاد المثالي يعني، وعم بحاول أخليه يصير الشي الستاندرد.

لما بلشت أعمل عروض بلبنان مثلًا وبفلسطين كنت أغيب عن الدوام وأرجع، وما كنت عارف قديش هالإشي يُعتمد عليه. تخرجت بشهر ستة (حزيران / يونيو). مباشرةً بعد ما تخرجت جيت هون علبنان، طلعت أنا وتشينو عملنا الجولة. حتى بيوم تخرجي كنت هون. كانوا عم يتخرجوا، وأنا كان عندي إطلاق الألبوم هون أنا والراس. وهيك كان عندي سنة امتياز، قعدت شهر شهرين ما بين الامتياز وهاد الشغل، بعدين عملت آخر جولة بفلسطين بعدين قلت خلص الوضع صار تمام ورح أعطي الراب كل وقتي، لأنو إذا بدي ياه يزبط زي ما أنا بدي لازم أعطيه وقتي. بحس إذا بدك تنجحي بإشي ما بنفع يكون عندك شبكة أمان. ما بنفع أحكي آه بس في الطب، بصير بتساهل وبتكاسل. فما بحب أفكر بهي الطريقة. إنو خلص أنا هسا بهاد المكان ورح أعمل كل إشي عشان يزبط.

هلأ أهلي كانوا دايمًا عارفين أهمية هاد الإشي لإلي من ناحية تعاملي مع القلق والتوتر، خصوصًا إنو أنا كنت عم بدرس طب وعم بتعامل مع ظروف صعبة كمان. فكانوا عارفين أهمية هاد الإشي بالنسبة إلي كـ ليث عشان أقدر أكمل مشواري. سواء الأكاديمي ولا الحياة بشكل عام يعني. كان مهم للتوازن تبعي كإنسان. أولها كانوا خايفين طبعًا. مش مفكرين إنو ممكن بلحظة أوصل لهاد المكان. بس الإشي الكويس اللي صار إنو أنا وصلت للمكان وطمنتهم، حتى من الناحية المادية وكل النواحي. ولما حكيتلهم لما استقلت من المستشفى، كانوا داعمين قد ما بقدروا لأنهم بالنهاية بيعرفوا إني مسؤول كفاية، لما أخوض تجربة زي هاي أكون عارف إنو هي مش تسلاي، وفي إلها تبعات كبيرة إذا بتقاعس أو إذا شايف إنو الموضوع ما إلو إمكانية. هلأ كل فترة يعني … بتعرفي كيف الأهل (يضحك) بس هني كتير داعمين، قد ما بقدروا … آخر فترة صاروا بفوتوا وبسمعوا وبشيروا وبحطوا كومنتات وهيك.

الراب الشامي

عنا بالعيلة فنانين ملان. عندي خالي مغني كتير مشهور بفلسطين: موسى الحافظ. والعيلة عنا، يعني عيلة أمي اسمهم الحدَى.

أنا كل طفولتي وحياتي هيك، خالي يعني يجي ونحضر أعراس. مش عنجد كنت أحب هي الأشياء، لحد هسه ما بحب هالإشيا بس ربيت حواليها يعني. بحب أسمع هالمواويل وهيك. وفاهم الثقافة وراها أكتر منها نفسها. تجمّع الناس … بيعملوا زي راب باتلز كانوا، إنو واحد وواحد، وكل الناس بيحضرو وبشجعوا. فهي الكلتشر كنت ديمًا ربيان حواليها. عمري ما ربطتها بالهيب هوب لحد مؤخرًا. إنو كتير بيشبه ثقافة الهيب هوب، بس ثقافة عربية وحدة مش متأثرة بأي تأثير غربي. فكتير مثير للاهتمام كان بالنسبة إلي أعمل هيب هوب، والهيب هوب فيه هي العناصر بس بنفس الوقت هي العناصر أنا جزء مني كـ ليث، ومن وين أنا جاي. فكلو ركب عبعضو بطريقة ممتازة.

بحس أنا أقرب لأكون رابر شامي من رابر أردني، الفان بايس تبعي أغلبها الأردن مصر وفلسطين، لبنان وسوريا. يعني بلاد الشام ومصر أكتر من أي إشي تاني. بس يعني ما بطلع عالمشاهد هي بشكل مستقل لكل واحد. بالآخر ببلاد الشام الناس كلها نفس الإشي وبتسمع نفس الموسيقى فبتعامل مع الموضوع كمشهد واحد.

أكيد (الراب الشامي) عندو فرصة (يصير ماينستريم). الشي اللي صار من كمية التسارع والتطور اللي صارت بالراب العربي بآخر سنة ما صارت بآخر عشرين سنة، ما بعرف إذا صرلو عشرين سنة أصلًا. وعم بلاحظ يعني إنو الناس بتشغل أغانيي بالبارات، بالمطاعم، بمحلاتهم. عند الحلاق عم يكونو مشغلين السينابيتيك يعني. فبحسو كتير محتمل وكتير أورجانيك، لأن نحن طبيعة شغلنا كتير مستقل، كلشي منعملو لحالنا، يعني مافي ورانا ميزانية ضخمة وإنتاج وناس تدفش الإشي. فإنو وصلنا لهي المرحلة لحالنا كتير شي مطمئن لمستقبل يمكن فيه يكون الهيب هوب العربي إشي بيسمعوه كل الناس.

أظن (الراب الشامي) بالبداية حصل بشكل لا واعي لأنو هاد المخزون تبعك، يعني اللي ربيان عليه، فطبيعي إنو يطلع معك. وكتير حلو إنو يطلع، بميزك عن غيرك يعني. بعدين بس صحيتلو وعيتلو آخر فترة، مش من زمان من شهر يعني، انتبهت عهالشي. صرت أحاول مثلًا لما بعمل فريستايل بسمعو، صرت أميز وين الفلوهات العربية، ومثلًا آخدها وأركز عليها. فالإشي تحول من إشي باسيف لإشي آكتيف. آخر فترة بحس كتير مهم لأن بقدر عنجد أبني عليه وآخدو لمرحلة جديدة.

ما بعرف إذا أنا بكون منحاز، بس بحس المشهد الشامي كتير مميز عن أي مشهد تاني. المصري والشمال إفريقي. في عنا هوية بالراب تبعنا كتير موجودة وكتير قوية بتخلي كل الإشيا اللي منعملها ما تكون بتشبه أي شي آخر. بحب الراب الشمال افريقي، بس بحسو بيشبه كتير الراب الفرنسي. بحب الراب المصري بس بحسو كتير بيشبه يعني الراب الأمريكي. بحس راب بلاد الشام ما بيشبه أي إشي تاني. لما تسمع الراس، لما تسمع شب جديد، مع إنو شب جديد تراب عالأخير، بس ما بيشبه أي إشي تاني. فهدول الرابرز كلهم من بلاد الشام، وهو إشي منطقي إنو يصير لأن بلاد الشام مكان كتير متنوع، كتير فيه أقليات عايشين مع بعضهم، كتير في تراكم حضارات مختلفة، فيعني منطقي هاد الإشي يكون موجود يعني. ونعمة إنو عنا هاد الإشي.