يا غافية قومي | محمد عبده

كتابةمحمد سالم عبادة - مايو/أيار 6, 2019

تمثل اختيارات محمد عبده من الشعر واللحن بالنسبة لقطاع عريض من المتلقين العرب معينًا من النظم الرصين، وبانوراما موسيقية يندر أن نجد لها مثيلًا عند كثير من المطربين. بشكل شخصي، أستطيع أن أميز إخلاصه للشعر النبطي الذي يعتبر الوريث الشرعي للشعر العمودي في بيانه ومعانيه وأوزانه، أكثر حتى من شعر الفصحى المعاصر. لذا يعد خبر صدور ألبوم جديد لمحمد عبده دائمًا خبرًا جديرًا بالتفات وترقب المنتمين إلى هذا القطاع.

كما في ألبومه عمري نهر الصادر العام الماضي، والذي جاء هو الآخر بالكامل من ألحان الدكتور طلال، قدم لنا الثنائي عبده وطلال قصيدة لنزار قباني. ربما نختلف في تقديرنا لموقع نزار في الشعر العربي الحديث، إلا أنه بالتأكيد أيقونة مهمة من أيقونات الثورة على الذائقة التقليدية والانقلاب على مفردات السياق الثقافي العربي، بخوضه في تفاصيل الجسد في شعره بتلك الكثافة التي ربما لم يشهدها الشعر العربي عبر تاريخه، وهو ما لا يتفق وميول عبده المحافظة. في عمري نهر اختارا لنا قصيدة في المقهى، الحافلة بالتوتر والترقب والتساؤل الذي لا يصل إلى قرار رغم المشهد العادي الذي ترسمه كخلفيةٍ لها: الشاعر وامرأة حسناء لا يعرفها يحتسيان القهوة في مقهى ما. ليوائم عبده وفريق عمله الذائقة المحافظة التي يغازلها باستمرار، اضطر إلى حذف البيت الثاني شديد الجمال من القصيدة: “وكتابٌ ضارعٌ في يدها / يحصد الفضلة من إيمانها”، وإلى تغيير مفردة من البيت “جولة الضوء على ركبتها / زلزلت روحي من أركانها” بحيث يصبح “جولة الضوء على عينيها” ليبعد شبح العري المؤرق عن أغنيته، رغم اضطراب وزن البيت بهذه الطريقة. جاء لحن طلال لمقدمة الأغنية في مقام النهاوند واعدًا بموسيقى تُنطق القصيدة بما فيها من التوتر والضياع، لكنه جنح بعد ذلك إلى ما يؤثره من النقلات المقامية غير المبررة التي استقرت في ختام الأغنية على الراست، مبددًا ما بقي من توتر القصيدة. هذا فضلًا عن حذف حرف الجر في من البيت الافتتاحي: “في جواري اتخذَت مقعدها”، فانكسر الوزن هنا أيضًا؛ ربما لأنه أخذ القصيدة من مواقع إنترنت لم تدقق كثيرًا في الأمر.

في هذا الألبوم قرر الثنائي أن يتلافيا كل تلك التحديات، فاختارا قصيدة أحلى خبر المتفائلة في القراءة الأولى. في الحقيقة لا يبخل نزار علينا ببعض التوتر في هذه القصيدة: “كتبت على دفتر الشمس / أحلى خبر / أحبك جدًا / فليتكِ كنتِ قرأت الخبر”، موحيًا بأنه ربما تظل الحبيبة في واد والشاعر في واد رغم انغماسه في عشقها. أما اللحن فقد منح القصيدة المزيد من التفاؤل وعقّمها تمامًا من التوتر. جاء التوزيع للفنان يحيى الموجي كما في: في المقهى. المقدمة في الراست، أدتها الوتريات ليتسلم منها الناي والأكورديون. في تقديري إن الناي هو بطل هذا التوزيع. يتحول اللحن إلى البياتي مع “حفرتُ أحبّكِ فوق عقيق السّحَر / حفرتُ حدود السماء حفرتُ الصّخر”، ويعرّج على السوزناك الفرعي من فصيلة الراست في “على صدفات البحار على قطراتِ المطر”، لينتهي إلى الراست الصريح ملتقيًا مع المقدمة. تبدو الأغنية في مجملها أقل أغاني الألبوم فنّيًّا، ربما لما فعله اللحن بالقصيدة من استئصال لتوترها الذي كانت تحتمله سطور نزار، فهبطت الدراما فيها إلى أدنى مستوياتها. اللافت أن إيقاع المقسوم الرباعي الذي لا يظهر في الألبوم إلا لمامًا، حضر هنا كما حضر في قصيدة في المقهى من الألبوم السابق، كأن المقسوم المصري يكمل الخلطة الناجحة في السوق لتلحين شعر نزار، وكأن الإيقاعات الخليجية لا يجب أن تظهر إلا في لحن قصيدة نبطية.

يعتبر يا غافية قومي امتدادًا لبصمة طلال اللحنية، بإيجابيتها وسلبياتها. كما في الألبوم السابق، يتكرر تعامل طلال الغريب مع مقدمات الأغاني، حيث بدلًا من أن تمثل مركز ثقل يؤسس للحالة ومرجعًا ييسر على المتلقي تذكر وحفظ الأغنية، يحيلها إلى مجرد مرحلة عابرة يسهل تصور الأغنية بمقدمة غيرها تمامًا. في الأغنية يا غافية قومي مثلًا، المقدمة طربية مقامها الهُزام في ضرب رُباعي تؤديه الوتريات، ليتسلم منها العود في صولو بديع ثم يتسلم عبده الغناء. في هذه الأغنية يظهر مقام الهُزام ضيف شرف في مقدمة اللحن التي تنطق باللهفة، ثم يختفي تمامًا ليحُلَّ محله البياتي خالقًا ألفة مكان اللهفة.

كذلك في وين الدليل، ينفرد البيانو بالمقدمة في مقام النهاوند ثم تتسلم الوتريات في الكُرد. نجد ظهورات للعود محاورًا الوتريات في توزيع بديع يذكرنا بتوزيعات الراحل عمار الشريعي. في بَيت “يوم كلٍّ عاش في فيٍّ ضليل / كنت اسافر واخد احزاني معي” يعرج على البياتي ليوحي بألفة هذا العاشق مع آلام حبه، ويعود إلى البياتي قُرب نهاية الأغنية “أعتذر كلي أسف ما به دليل / اقنعي بالحب أو لا تقنعي” كأنه يسخر من عدم اقتناع الحبيبة بكفاية ما ساقه من أدلّة بأن يختلق جوًّا دافئًا لاعتذار. هذا كله بعيدًا عن لحن المقدمة ومقامها.

إعلان

في أنا من أكون، جاءت المقدمة في الكرد وانتقلت إلى البياتي، ليغني فيه عبده قبل أن ينتقل إلى الراست في “هون حبيبي حالِتي يمكن تهون / وارحمني من دمع جرى لي بالعيون.” بعد الكوبليه الأول تنتقل الموسيقى إلى النهاوند ويتسلم فيه عبده الغناء: “قول انت لي ولا شعورك ماهو لي / ركز حبيبي بأيّ شيء لا تِلتِهي.” ثم ينتقل إلى الهُزام في “عطري صفا هات ما عندك / أنا باسمع وسمعي ما يمل” ومنه إلى البياتي في “راح الزمان اللي معاك / أتعب واعاني وانفعِل” ثم يختتم في الراست “أنا من أكون”. جاء الفاصل الموسيقي التالي في النهاوند مرة أخرى، ثم منه إلى النوا أثَر حيث يتناقش الأكورديون مع الوتريات ويتسلم فيه عبده الغناء “ياللي جمعتني فيك صدفة وظرف / أبقى أنا بحاجتك لو شفت مثلك ألف”، وهو جو مقامي يوحي بغرابة تلك الصدفة التي جمعته بحبيبته، ننتقل منه إلى البياتي في “حيرتني ومن حيرتي بكيت كف بكف / سهران مثل الوتر اللي بكى من نغمته”، ومنه إلى نوا أثر من جديد: “سهران مثل الكتاب اللي تعب من كلمته / أهلاً حبيبي ألف مرة وألف” وختامًا إلى الراست: “مقبول عندي الحُب مرفوض عندي العطف”. هنا أيضًا تنتهي الأغنية بعيدًا عن مقام لحن المقدمة، وتكثر النقلات المقامية في حيز زمني ضيق نسبيًا، فرغم سلاستها راكمت التفاصيل اللحنية المبالغ فيها، حتى يكاد ينعدم مركز الثقل في اللحن.

في تقديري إن مبعث هذا التصرف هو حرص الملحن على التنويع المقامي، لكنه للأسف يأتي على حساب خلق مركز لثقل اللحن؛ والحقيقة إن أهمية وجود هذا المركز لا تكمن فقط في أنه يمكننا من استظهار الأغنية وتوحدنا مع جوها العاطفي، بل تتجاوز ذلك إلى تأكيد العنصر الدرامي في اللحن، فالموسيقى بطبعها حركة في الزمن، ولا يمكننا إدراك جماليات الحركة إلا بمقارنتها بنقطة ساكنة، وهذه النقطة الساكنة في اللحن هي المرجع الذي يخلقه الملحن من المقدمة أو قريبًا منها. حتى في الموسيقى الكلاسيكية يمكننا أن نرى هذا في التلخيص Recapitulation الذي تضطلع به الحركة الأخيرة في بناء السيمفونيات والكونشرتوهات، رغم ما تمتاز به هذه الأعمال من الطول.

على صعيد آخر، كان الحرص على التنويع واضحًا في المختارات الشعرية كذلك، فلدينا في هذا الألبوم قصائد تنتمي لإيقاعات شعرية مختلفة، حيث جاءت يا غافية قومي من شعر الأمير بدر بن عبد المحسن في البحر الكامل ومطلعها في البسيط، وجاءت وين الدليل من شعر الكويتي فهد عافت في بحر الرمَل وهو من أوزان بحر الهجيني النبطي، ومثلها أستطيع لـ دايم السيف؛ وجاءت تضحك معي من شعر دايم السيف أيضًا في البحر المسحوب النبطي (مستفعلن مستفعلن فاعلاتن). صحيح أن الأغاني كلها تخوض في علاقة الحب بتنويعاتها، إلا أن هذا التنوع الإيقاعي يثري الألبوم مقارنة بما هو شائع.

على صعيد التوزيع تكررت أسماء موزعين نجوم تعامل معهم الثنائي عبده وطلال في الألبومين السابقين، مثل يحيى الموجي ووجدي فؤاد وحسام كامل، وهو شكل من أشكال استثمار النجاح، فقد كان التوزيع بطل الألبومين السابقين كما أنه بطل هذا الألبوم، إضافةً إلى صوت عبده المحتفظ بكثير من بريقه.

تتجلى كل عناصر تميز الألبوم في أحسن صورها في أغنية كتبت لك خط من شعر دايم السيف. “كتبت لك خطٍّ ولا جاني ردود / ياليتَ أدري وايش مشغِلكِ عنّي / هذا جزايا منكِ هجرانِ وصدود / عزاي يا المجمول خيبت ظني”. الأبيات متراوحة الوزن في أستاذية، حيث الشطر الأول في بحر الحداء (الرجز / مستفعلن مستفعلن مستفعلن) والثاني في البحر المسحوب. جاءت المقدمة على شكل صولو ربابة خليجية في مقام الراست، يتسلم منها عبده في حالة تشبه الشيلات الخليجية الأصيلة فن شعبي من الموروث الشعبي في السعودية وبعض دول الخليج العربي واليمن، وتعتبر الشيلة أحد أنواع الحداء، وهو التغني بالشعر، وتختلف الشيلة عن الموال والغناء، ويستخدم فيها ألحان غنائية بدون المعازف. إن لم تنتم إليها بشكل مطور، وفيها مافي الشيلات من الانتقالات الكثيرة بين طبقات الصوت العالية والمنخفضة في حيز زمني ضيق، وهو ما يجيده عبده بشكل استثنائي. جاء إيقاع الأغنية ثلاثيًا يبدو أقرب إلى ڤالس خليجي، كان اقترانه بحالة الشيلة خلابًا بالفعل. الساكسوفون موظف بجاذبية بارزة في حواره مع الوتريات في الفواصل، مبرزًا براعة حسام كامل في التوزيع. في ختام الأغنية يرتكز عبده على درجة السيكا وترتكز الجوقة على درجة الراست في محاورة بديعة. في تقديري تنتمي هذه الأغنية إلى عمق التقليد الغنائي الخليجي، وتمثل بذلك بالنسبة للمستمعين غير الخليجيين حالة شديدة الجاذبية جديرة بإعادة الاستماع إليها مرات ومرات.

يمثل الألبوم إضافة وتعزيزًا للمنطقة الدافئة التي يفضلها محمد عبده لفنه، حيث التجديد والمغامرة محصوران في إطار التقاليد الشعرية والموسيقية المكرسة في منطقة الخليج بالفعل. ربما لا نتوقع منه وقد وصل إلى تلك المكانة الاستثنائية في المشهد الغنائي العربي أن يجرب على نطاق أوسع مما يفعل، لكن على الأقل نتوقع من الملحن الذي اقترن اسمه به في الفترة الأخيرة، الدكتور طلال، أن يغالب إغراء استعراض العضلات الموسيقية المتمثل في النقلات المقامية المحشودة بكثافة في ألحانه، وأن يولي انتباهه شطر الدراما في اللحن، وهو ما تحقق في أغنية مثل كتبت لك خط رغم بساطتها المقامية، فأصبحت جديرة بأن تنضم إلى ما نحفظه ونردده لمحمد عبده منذ ظهوره منذ أكثر من نصف قرن، كروائعه الأولى: يا مركب الهند والرسايل وابعاد ولا قريبين وأيوه.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply