٩ وثائقيات عن الموسيقى العربية

كتابةمعازف - مارس/آذار 21, 2018

مقامات المسرة

يعرّف المنشد والمطرب الحلبي صبري عن نفسه في بداية الفيلم  إخراج وسيناريو محمد ملص بقوله: “أنا صبري مدلل، مُدخل السرور إلى قلوب الناس”. تأتي هذه الجملة خلال تسجيل للأذان بصوت مدلل، يجعلنا نمتصها بأريحية ونشعر بها منطقية طبيعية، لا زائدة ولا مُدعية. يترسخ هذا الشعور مع كل ما نسمعه خلال الفيلم من موشحات وأغانٍ بصوته. يأخذنا الفيلم  في مشوار قد نمسك من خلاله رأس خيط الحكاية، وندرك الحالة الفنية الخاصة بالحلبية وما شكّلها من تراكمات سمعية. نستكشف الكثير من جمال حلب، حاراتها القديمة، بيوتها العربية، غارها، عيون أبنائها، نتعرف على بعض أعلامها، أصواتهم وفنهم، وسهراتهم مع السميعة، خمرتهم فيها الشاي والطرب.

الغوسطو

رحلة استمرت عامين مع المخرجة صافيناز بوسبية الجزائرية الأصل، بدأت بالصدفة عند زيارتها الجزائر للمرة الأولى، لتلتقي في طريقها  بصاحب محل أنتيكات يحكي لها أنه كان عازفًا في فرقة المطرب الشعبي الأول في الجزائر محمد العنقاء. تبدأ من هنا رحلة إعادة جمع أعضاء الفرقة بعد فراقٍ دام ما يقارب الخمسين عامًا – فرقة كانت تضم مسلمين بجانب اليهود، قبل أن يهاجر أغلب اليهود إلى فرنسا وإسرائيل، ويعتزل البقية.

نغوص على مدى الرحلة في أصول الموسيقى الشعبية الجزائرية، ونتعرف على تاريخها مع إعادة تجمّع الموسيقيين والموسيقات المشتتة بين الجزائر وفرنسا.

شعبي

في مجال يشيع فيه الاستشراق والاستشراق الذاتي ومختلف درجات الإكزوتيكية والبهورة والحماس الساذج، يطوف المخرج أحمد رحَّال خلال هذا الوثائقي القصير بسلاسة وهدوء بين لقطات أرشيفية قصيرة مقننة، وبين مقابلات مصورة بكاميرا ثابتة مع موسيقيي الشعبي وآخرين ضليعين أو معنيين بالمشهد.

يبني الرحال ببراعة نقاشًا مثمرًا بين أهم نجوم الفن الشعبي، تلونه وتخزفه شخصياتهم التي تتراوح بين الجاذبية والغرابة. من هؤلاء الذين يتحدث إليهم هناك العربي الصغير ومحمود الليثي ومحمود الحسيني وعبد الباسط حمودة ومحمد نوح ومودي الإمام وحمدي بتشان. الفيلم ممتع ومفيد، يتحدث عن الفن الشعبي من داخله، ولا يضع مسافة بينه وبين موضوعه. وجود الرحال في الفيلم ظاهر بذكائه وحنكته، لا نتذكره مباشرة في الفيلم سوى عندما يناديه الموسيقار محمد نوح باسمه.

١ ٢ ٣ سولاي

في لحظاته الأولى، يسلط الفيلم الضوء على خالد وكأنه محرار الحفل، قبل أن ينتقل بين شهادات ثلاثي الراي على اختلاف مشاربهم وتجاربهم. يتحدث خالد عن بدايات الراي البدوية بين وجدة ووهران والحدود المغربية الجزائرية في الغرب، بينما يظهر رشيد راديكاليًا وهو يتحدث عن عائلته التي نشأت في وسط عمالي، فيما يتحدث فُضيل عن الجانب الرومانسي للراي ومواضيعه المرتبطة بالحب والقارورة. تنتقل مشاهد الفيلم بين الشهادات الحية والمسجلة، حبات العرق والهستيريا والصرخات والأدرينالين والعناقات الحارة إثر إنتهاء الحفل. ينتقل المخرج  بعد ذلك إلى التركيز على الموسيقيين العرب والأجانب، وكيف عايشوا لأول مرة المزج بين الموسيقى العربية والغربية في حفل راي.

الفيلم حركي بامتياز ومشحون بالصخب، يصور الحياة القصيرة الممزقة بين التوتر الذي يسبق الصعود على الركح والنشوة التي تليه. كما يعكس إلى مدىً بعيد مكونات شخصية الثلاثي، وخاصةً خالد ورشيد طه، ويدفعنا إلى إعادة مشاهدة الحفل مع تصور إضافي يجعلنا نتلمس أداء الثلاثي من زاوية مختلفة.

مزمرجي

“ليس تأريخًا للعبة المزمار، وإنما محاولة لاستراق الدهشة، وإحياء ما تبقى من الأسطورة”

هكذا يمهّد تلفاز ١١  لهذا الفيلم  الذي يبحث في مكة والمدينة وجدة عن أصل وتفاصيل لعبة المزمار الشعبية، بقواعدها ورقصها وغنائها.  يقود هذا البحث إلى آخر أعمق، يهتدي إلى تقاطعات إثنية إفريقية عربية قديمة، وينتهي إلى أسئلة معقدة حول التراث والفولكلور. عندما تتعثر رحلة البحث عن أصول المزمار أحيانًا باحتجاب التاريخ الموثَّق لهذه اللعبة وموسيقاها، توقظ في الرأس أسئلة عن الأصول الثقافية الضائعة في التاريخ غير المدون، وما تجلبه من إعادات نظر هوياتية.

أصوات بعيدة

في أولى مشاهده، تحملنا كاميرا الفيلم إلى أزقة المدينة القديمة في تونس أين ترددت قديمًا أصوات السطمبالي. يبدأ أحد الفنانين بسرد لمحةٍ تاريخية موجزة عن تاريخ السطمبالي وأصوله الأفريقية، وكيف تعددت تفرعاته تأثرًا بالبلدان التي استقر فيها. ينتقل الفيلم بين شهادات آخر الفنانين الذين حافظوا على تقاليده المتوارثة وصناعة آلاته، وكيف تتوزع الأدوار بينهم من الينا المعلم الملم بمختلف نوبات السطمبالي وعزفه وكلامياته الغريبة إلى العريفة  الذي يتكفل بدور العلاج الروحي المصاحب للموسيقى والكاشاكا وهي المرأة التي ترافق جلسات العلاج الموسيقية وتعد الأطباق التقليدية والتعاويذ والوصفات. حاول المخرج إعادة خلق مشاهد جلسات السطمبالي والتقاط بعض الفقرات العزفية والغنائية، ورغم التميز الذي يمكن تلمسه من الناحية التصويرية، إلا أنه قد أضعف الفيلم تاريخيًا، إذ أن الرقصات التطهيرية التي تم تصويرها ليست بنفس الطلاقة والعفوية المعروفة عن السطمبالي. كما أغفل الفيلم الغوص في هذا الفن من الناحية الموسيقية والكلامية مقتصرًا على الجانب الطقوسي، عبر إعادة تمثيل الجلسات العلاجية ونوبات الموسيقى وسرد بعض القصص على لسان الشاذلي بيدالي وبلحسن ميهوب ورياض الزاوش وآخرين.

على ذلك، يبقى الفيلم مهمًا لحمله هم الحفاظ على السطمبالي وتوثيقه، ولو قدم لنا السطمبالي في صورة حنينية ناعمة تبكي خوف الاندثار.

اللي بيحب ربنا يرفع إيده لفوق

نقلت المخرجة سلمى الطرزي حالة التطور في شخصيات الفيلم وموسيقاهم، دون النقد الطبقي للموسيقى والكلمات. ورطت المشاهد بحيواتهم وخلافاتهم الشخصية، وتابعت محاولات الاستيلاء على ناتجهم الفني. اسم الفيلم المختار بذكاء يقتبس من صلب المشهد الذي يوثقه، ويختار عبارة توضح الكثير من التناقضات العفوية التي تميِّز عالم المهرجانات.

العود

ينتمي فيلم العود للألماني فريتس باومان إنتاج ١٩٩٠، والحائز على جائزة الكاميرا اﻷلمانية عام ١٩٩٢ وجائزة هوجو الذهبية في مهرجان شيكاغو للفيلم في نفس العام، إلى سينما الحقيقة  Cinéma Vérité كما صاغها جان روش معتمدًا على نظرية دزيغا فيرتوف، فبعد تقديم بسيط باللغة اﻷلمانية يسكت صوت المعلق تمامًا وتراقب الكاميرا بحياد.

ﻻ يقدم الفيلم معلومات تفصيلية عن صناعة العود سوى إشارة عابرة من عبده داغر في البداية. العود هنا بطل رئيسي في حياة عازفيه ومحبيه، تسرد لنا الكاميرا مسيرته منذ كونه ألواحًا خشبية قبل معالجته بالنار وتجميعه على القصعة، ثم تتابع رحلته في حياة العازفين، مصاحبًا إياهم في سهراتهم وتسجيلاتهم الموسيقية، من ورشة عازف الكمان المخضرم عبده داغر بصحبة أخيه بكر داغر، إلى بيته في سهرة بصحبة أستاذ العود الراحل محمود كامل وعازف العود مدثر أبو الوفا، إلى الاستوديو بصحبة رومان بونكا مع محمد منير، ثم المولد مع بونكا، رحلة إلى النوبة مع المغني حسين البشيري، حتى سقوط العود في النيل وختام الفيلم.

صوت يشبه مصر

عن كتاب بنفس الاسم لفرجينيا دانيلسون، وبتعليق صوتي لعمر الشريف، قدمت اﻷمريكية ميشال غولدمان فيلمها عن أم كلثوم، والذي يفتتح بمشهد تقليدي لقرية مصرية في ضباب الفجر، ثم لقطات لجنازة أم كلثوم، يتبعها صوتها في أغنية إنتَ عمري في سيارة أجرة.

قد لا يقدم الفيلم ثروة معرفية لمشاهد خبير بأم كلثوم، سوى معلومات عابرة كحديث توفيق بدوي عن بدايتها في المنصورة، لكن متعة الفيلم تكمن في الصورة والأرشيف. تتوالى المشاهد الأرشيفية التي انتقتها غولدمان بعناية، وتمتزج مع أحاديث ضيوفها. تشمل قائمة الضيوف عازفين مثل توفيق بدوي وعباس فؤاد، كتاب مثل نجيب محفوظ ومحمد عودة وسعد الدين وهبة، إذاعيين مثل آمال فهمي، وحتى ضيوف عابرين مثل مغنية في شادر مولد وصاحب محل عطارة يغني لها أحد مقاطع الست.

Leave a Reply