.
بابا محمد رمضان زلزال معازف مراجعة مهرجان مهرجانات
بحث | نقد | رأي

محمد رمضان كـ حصان طروادة المهرجانات

عمار منلا حسن ۲۰۱۹/۰٦/۱۹

عندما بدأنا الكتابة عن المهرجانات في معازف، كان همّنا الرئيسي أن نرد الاعتبار إلى المهرجانات كصنف موسيقي، في مواجهة الإصرار الجمعي على اختزال المهرجانات إلى ظاهرة، سواءً كانت سياسية أو مجتمعية أو أخلاقية. استخدم البعض المهرجانات لانتقاد السلطة، واستخدمها البعض الآخر لانتقاد الشعب نفسه. قام البعض بتصوير مغني المهرجانات كأبطال شارع، فيما صوّرهم آخرون على أنهم مصدر خطر على المستوى الحقيقي والقيمي. لكن الجميع تقريبًا تجاهل الحديث عن المهرجانات ونجومها كصنف موسيقي، فيه الجميل والمنفر، الجديد والممل، الجريء والمتهور. على كل حال، من الصعب أن نتحدث اليوم عن لحظة دخول المهرجانات إلى روتانا، دون التعامل مع هذه اللحظة كـ ظاهرة من نوعٍ ما.

انطلقت مسيرة محمد رمضان الموسيقية بفضل مهرجاناته التي تواكب معايير الإنتاج الموسيقي الاحترافي وتخلو من العناصر الجدلية، مهرجانات آمنة ونظيفة، لا تضع نفسها في حالة صدامية مع المستمع / المجتمع المحافظ، وبالتالي تنجح بالحصول على المزيد من الدعم المؤسساتي، المزيد من إمكانيات التسجيل والتصوير المتطورة، التي تصب في منتجٍ نهائي أكثر جاذبيةً ورواجًا. لكن لو بحثنا عن كتّاب وملحنين وموزّعين مهرجانات محمد رمضان لوصلنا إلى أسماء مثل المدفعجية ومحمد الفنان وإسلام الأبيض (المعروفين لمهرجان جدع أيوة أنا جدع) وسواهم، ولاكتشفنا أن مهرجانات محمد رمضان المصقولة والنظيفة لا تأتي سوا من الشارع ومن المهرجانات الشعبية.

حصلت ظاهرة مماثلة في الموسيقى الأمريكية الرائجة بين العشرينات والأربعينات من القرن الماضي، حين رفض الجمهور الأمريكي منح أغاني البلوز والراجتايم، المرتبطة بالثقافة السوداء، فرصة البث الإذاعي (أو التلفازي لاحقًا)، ونظر إليها كمصدر تهديد قيمي. قام عدة مغنين بيض بحذف العناصر الجدلية من أغاني البلوز وإعادة أداءها في قالب الجاز، ما تسبب لهم بنجاحٍ تجاري ضارب، يوازي نجاح محمد رمضان اليوم. بالإمكان النظر إلى ما حصل حينها على أنه استحواذ ثقافي، حيث قام المغنون البيض بـ تبييض أغاني الثقافة السوداء والنجاح بفضلها، لكنهم في الواقع لعبوا دور حصان طروادة بالمثل، وأدَّى نجاحهم إلى تمهيد الطريق نحو التقبل التدريجي للبلوز والموسيقات المرتبطة بالثقافة السوداء، حتى تمكنت هذه الموسيقات من اكتساح الولايات المتحدة وفرض هيمنة مستمرة حتى اليوم.

خلال السنوات الماضية، كانت روتانا واحدة من شركات التسجيل وشبكات الإذاعة والبث الكبرى في العالم العربي التي مارست دورًا مؤسساتيًا أبويًا، وقررت غسل يديها من المهرجانات، تمامًا كما فعلت شركات التسجيل وشبكات البث الأمريكية مع موسيقات الثقافة السوداء سابقًا. كان ذلك حتى ظهر محمد رمضان، حصان طروادة المهرجانات، الذي حقق نجاحًا تلو الآخر عبر تنظيف هذه الموسيقى الشارعية والشعبية، وتقديم نسخ أليفة قابلة للبث منها. صحيح أن روتانا كيان سلطوي ومحافظ، لكنها قبل ذلك كيان تجاري، لا يضيع فرصة مثل محمد رمضان، خاصةً أنه عاجلًا أم آجلًا سيتعاقد مع شركة تسجيل كبرى على كل حال.

يحمل مهرجان محمد رمضان الجديد اسم بابا، المقتبس من اللازمة: “بابا مين يابني / بابا إيه يابني”. سمعنا هذه اللازمة للمرة الأولى العام الماضي عندما كانت لازمة مهرجان هجوم احتلال لـ علاء فيفتي. قام فيفتي مؤخرًا بحذف المهرجان من قناته، ما يدل على أنه باع المهرجان إلى رمضان، لكن لا يزال بإمكانكم العثور على نسخ منه على يوتيوب، حتى بإمكانكم سماع فيفتي يغني اللازمة تحديدًا في حفل ستيلا و١٠٠ نسخة العام الماضي. ظهر اسم فيفتي في نهاية فيديو محمد رمضان بصفته ملحِّن وكاتب كلمات. هذا مؤشر مهم أن اسم علاء فيفتي، ابن مدينة السلام ومسجِّل أول مهرجان على الإطلاق (وفقًا لروايته)، قد يظهر بشكل مستمر على شاشة روتانا للفترة المقبلة.

إلى جانب علاء فيفتي، يظهر اسم رامي المصري في نهاية فيديو محمد رمضان أيضًا، وهو الموزِّع المسؤول عن عدة مهرجانات ضاربة مثل دراكولا ووحش المجرة، كلاهما لـ سادات العالمي. يظهر أيضًا اسم الباور العالي، ثنائي المهرجانات المخضرم الذان تعاونا مع عدد كبير من مغني المهرجانات الشعبيين، بما في ذلك فيفتي وسادات. السماح لحصان طروادة بالدخول إلى قلعتك يعني السماح أيضًا لكل من بداخله، وتعاقد روتانا مع محمد رمضان يعني، بشكلٍ أو بآخر، تعاقد روتانا مع المهرجانات.

في مهرجانه الأوّل مع روتانا، يلجأ فريق محمد رمضان الإنتاجي إلى الحيل المعتادة التي ضمنت نجاح أقوى مهرجاناته. يعتمد المهرجان على لازمتين pre-chorus و chorus أو، واحدة مقتبسة عن مهرجان فيفتي، والأخرى تشير إلى المسلسل الرمضاني زلزال، والذي لعب محمد رمضان بطولته. المهرجان قصير، لا يتجاوز طوله الأصلي الثلاث دقائق، بشكلٍ لا يزهق المستمع، ويعتمد على اللوبات الإلكترونية والمزمارية المضخّمة وإيقاعات المهرجانات المصقولة. على عكس فيديوهات محمد رمضان السابقة القائمة على فكرة أو ثيمة واحدة، اختار المخرج أحمد عبد الواحد أن يأخذ توجهًا تكثيريًا، جامعًا بين ثيمات من جايم أف ثرونز (العرش)، إشارة إلى مسلسل نسر الصعيد عبر تماثيل النسور، بعض من روح الفيلم الأمريكي ليلة في المتحف، بعض من تقاليد فيديوهات الراب وفيديوهات رمضان نفسه كالسيارات الفارهة وأضواء النيون. كما حافظ أحمد عبد الواحد على تصميم الرقص الجماعي (كوريوجرافي) باعتباره عنصر رئيسي في فيديوهات محمد رمضان الأكثر نجاحًا.

بالإمكان إنهاء التحليل عند هذه النقطة، وبالإمكان محاولة رسم صورة أكبر، حيث تحمل المهرجانات بكونها حركة عفوية شعبية غير منظمة الكثير من الشبه مع الثورات العربية، وتحمل روتانا ببنيتها المؤسساتية الأبوية الكثير من الشبه مع الأنظمة. يقول المثل الإنجليزي: إن لم تستطع مواجهتهم، إنضم إليهم If you can't fight them, join them، وبعد سنوات من محاربة وتهميش وتجاهل المهرجانات، صار بإمكاننا قراءة أسماء علاء فيفتي والباور العالي ورامي المصري على شاشة روتانا، فيما يبدو أنه اعتراف قسري بموهبتهم وحضورهم في واقع الموسيقى المصرية والعربية المعاصرة، وانتصار يستحق الاحتفاء للشعبي على المؤسساتي.

المزيـــد علــى معـــازف