حلاوة الروح | تخبطات البوب المصري

مقالات - كتابة: عمر غنيم - ٢٠٢٦/١٠/٢٨
حلاوة الروح | تخبطات البوب المصري
تحميل...

يعاني البوب المصري في السنوات الأخيرة من محدودية واضحة في ظهور المواهب الجديدة. لا يزال نجوم الصف الأول مثل عمرو دياب وتامر حسني وشيرين وأنغام في صدارة المشهد، فيما تتركز نسبة كبيرة من صناعة الأغنية بين دائرة محدودة من الملحنين والموزعين والمنتجين الذين يشاركون بصورة متكررة في إنتاج معظم ألبومات نجوم البوب باختلاف توجهاتهم وشخصياتهم الفنية. أدى ذلك إلى وجود تشابه كبير في معظم إصدارات مشهد البوب، مع مساحة محدودة للتجديد.

بنظرة سريعة على الألبومات الأكثر استماعًا هذه العام، نجد نفس الأسماء تتكرر: عزيز الشافعي، محمد يحيى، نادر نور، أيمن بهجت قمر، أمير محروس، عمرو مصطفى، تامر حسين، نادر حمدي، أسامة الهندي، وغيرهم من الأسماء المخضرمة في المشهد التي تسيطر على جانب كبير من الصناعة، مع ترك مساحة ضئيلة جدًا لدخول المواهب الجديدة. ربما أبرز الأسماء الجديدة في هذا السياق هو الشاعر مصطفى حدوتة، الذي استطاع، رغم الانتقادات الواسعة التي تلقاها، تقديم بعض التجديد في المواضيع الغنائية.

خلال العقد الماضي وربما قبله، اقتصرت مساحة التجديد والإبداع في أغنية البوب المصرية بشكل أساسي على التوزيع، حتى أصبح التوزيع الجبهة الوحيدة في صناعة البوب التي تشهد حراكًا نسبيًا، سواء على مستوى الجودة أو الأسماء. غير أن التوزيع وحده، مهما تطورت تقنياته وظهرت فيه أصوات ومشارب جديدة، لا يمكنه انتشال البوب من سكونه العميق. ليس من المنطقي أن تنظر إلى منزل متهالك، أوشكت أعمدته على البِلى ويحتاج إلى ترميم جذري، ثم تكون مهمتك الأولى هي طلاء واجهته.

لا شك أن بعض تلك الأسماء المذكورة سابقًا من الملحنين والشعراء والموزعين ساهمت بشكل أساسي في صناعة صوت البوب المصري منذ بداية الألفية، غير أن ثباتهم في مواقعهم صبغ معظم إنتاج البوب المصري بالصبغة ذاتها.

تبدو حالة الركود تلك أكثر حدة من أي وقت مضى مع انعدام وجود بدائل موسيقية على الساحة الفنية؛ إذ كانت المشاهد المستقلة والفرعية في السابق قادرة دائمًا على تقديم تجارب جديدة. 

على سبيل المثال، في بداية العقد الثاني جاء التجديد من خلال موجة روك عربية امتدت في المنطقة بأكملها، كما ساعدت في انتشارها ثورات الربيع العربي. لامست بعض تلك التجارب مساحات في البوب البديل وأحيانًا البوب السائد، وكانت كافية لتعويض ما ينقص البوب في مساحات التجديد والتنوع.

انحسرت موجة الروك سريعًا لأسباب شتى، أبرزها هزيمة ثورات الربيع العربي وما تلاها من عواقب مثل تضييق الخناق حول الموسيقى السياسية في مصر وغيرها من البلاد العربية، كما وقعت معظم تلك الفرق في فخ الارتباط بمرحلة زمنية محددة، تشكلت ملامحها بفعل ظروف سياسية واجتماعية خاصة، فعجزت معظم تلك التجارب عن تجاوز التحولات التي تلتها. في الوقت نفسه، استفادت منظومة البوب من المواهب التي خرجت في تلك الحقبة من أمثال هاني عادل ومحمود صيام وإيهاب عبد الواحد، ونجحت في استيعاب تلك المواهب، فيما أصبح الناشطون في مساحة الروك يتحركون على هامش الصناعة.

بعد انحسار موجة الروك العربي جماهيريًا، أتى الراب ليقدم موسيقى بديلة ذات قيمة جماهيرية أكبر. انتعشت حركة الراب بدءًا من تجربة أبيوسف في منتصف العقد الثاني لتمتد إلى نهايته مع تجارب مروان بابلو وويجز، وكانت أكثر نجاحًا من حركة الروك في انتزاع حصة أكبر من جمهور الموسيقى المصري والعربي. كما لم تشهد تضييقًا سياسيًا كونها موسيقى خاصة بديناميكيات النجاة الفردية ولا تطمح إلى خطاب جماعي يحث على التغيير. حققت موجة الراب في مصر نجاحًا منقطع النظير، ويمكن اعتبارها أبرز حركة موسيقية مصرية في الألفية الجديدة بجانب المهرجانات.

قدمت كلًا من حركة الراب والروك بديلًا حقيقيًا على مستوى المواضيع الغنائية والكتابة، فقد ابتعدت كليًا عن مواضيع البوب المستهلكة كالشوق والحب والحنين وغيرها، والتي تكررت في كل إصدارات البوب الحديث، وتوجهت نحو كتابة واقعية تتناول شتى المواضيع والثيمات. ساعدت تلك الكتابة التي عكست المجتمع وعبرت عنه بصدق في اكتساب قاعدة جماهيرية كبيرة خاصة من الجيل الجديد من المستمعين. 

لكن على منوال حركة الروك، لم تستمر موجة الراب طويلًا في المسار المتوقع لها. من أهم أسباب ذلك التسارع الرهيب لنمو مشهد الراب وتدافع شركات الإعلانات وشركات التسجيل الكبرى على هذه الحركة. فقد صناع تلك الحركة الثقة في أنفسهم ورضخوا مضطرين للمؤسسة الثقافية المتمثلة في النقابة، بالإضافة إلى الشركات الكبرى. 

بعد فترة ركود في مشهد الهيب هوب نتيجة لهذا التسارع وفقدان البوصلة، بدأنا في الأعوام الأخيرة نلاحظ خفوتًا تدريجيًا لنجم الراب على الساحة الموسيقية في مصر، وتوجه العديد من صناع الراب إلى البوب، بهدف اكتساب شرعية موسيقية لدى المؤسسة أو توسيع قاعدتهم الجماهيرية.

تحدثنا في مقال سابق عن محاولات البوب ابتلاع حركة الراب عبر التعاونات بين نجوم الراب والبوب، وكيف كانت معادلة ناجحة لكلا الطرفين من منظور تجاري وجماهيري، مع الإشارة إلى جانبها السلبي من الناحية الفنية. لكننا نشهد الآن نجوم الراب أنفسهم يحاولون التنازل لصالح البوب دون أية ضغوط. نجد أسماءً قدمت نفسها في مشهد الراب، مثل زياد ظاظا وفليكس وتومي جن ولَلا فضة وحسين، تتحول إلى البوب عبر إصدار أغاني وألبومات بوب.

بدأت هذه المحاولات مع أغنية البخت لويجز، التي حققت نجاحًا غير مسبوق على الصعيد الجماهيري وراكمت أرقامًا استثنائية. يمكن النظر إلى تجربة البخت بوصفها محورية في هذا السياق؛ فمن منظور منظومة البوب، مثّل ويجز وأغنية البخت صوتًا بديلًا قادرًا على تقديم أغنية بوب حديثة، سواء على صعيد الكتابة وتقديم معانٍ جديدة وأكثر معاصرة، أو على مستوى القدرة على التأثير في الجيل الأصغر. كما قدمت الأغنية ديناميكية جديدة لصناعة الأغنية نفسها، فلا يوجد ملحن أو شاعر في هذه المعادلة، على عكس صناعة البوب التقليدية، بل منتج وموزع واحد يصنع البيت، بينما يلعب ويجز أدوار المغني والملحن والشاعر.

أما من ناحية مشهد الراب، فقد فتحت الأغنية بابًا لم يجرؤ أي من أقران ويجز على الدخول فيه من قبل، ويحسب له ذلك، وفتحت أعين صناع الراب على مساحة جماهيرية شاسعة وغير مستكشفة بالنسبة إليهم. بعد النجاح الكبير للبخت، لاحظنا ازدياد هذا التوجه لدى العديد من رابرز المشهد المصري، في محاولة لإعادة إنتاج النجاح نفسه. لكن حتى الآن، باءت معظم تلك المحاولات بالفشل، وحتى ويجز نفسه لم يتمكن من تحقيق النجاح الجماهيري ذاته في محاولاته اللاحقة.

يمثل هذا التحول خطرًا حقيقيًا على مشهد الراب، الذي كان يقدم البديل الأبرز لركود البوب في المشهد الموسيقي المصري وكان البيئة الأكثر نشاطًا على صعيد التجديد أو ظهور المواهب الموسيقية الجديدة. مع الاستماع إلى تجارب البوب لفنانين مشهد الراب، نجد أن معظمها غير قادر على إنتاج أغاني بوب متماسكة أو قادرة على التأثير والوصول إلى ما هو أبعد من جمهور الراب. يحدث هذا في رأيي إلى حد كبير بسبب عدم توافق إمكانات الرابرز مع متطلبات صناعة البوب.

تعجز معظم تلك التجارب عن إدراك الاختلافات بين عملية صناعة أغنية البوب وأغنية الراب، واللتان تختلفان شكلًا ومضمونًا من حيث حجم التعاونات وإسهاماتها في صناعة الأغنية، وأهمية العناصر الموسيقية المختلفة بالنسبة لكل جنرا، بالإضافة إلى ضعف القدرات الصوتية والأدائية التي تقلص فرص النجاح بشكل ملحوظ في مشهد البوب. 

في سياق البوب العربي، لطالما لعب صوت المغني الركيزة الأساسية التي تبنى عليها بقية العناصر الموسيقية، ولكن مع تطور الصناعة، فقد الصوت جزءًا كبيرًا من أهميته لصالح عناصر أخرى. في السابق، كان الصوت هو عنصر الجاذبية الأول بالنسبة إلى الجمهور، وهو الشيء الذي يبني الجمهور علاقته بالفنان على أساسها. أما الآن، أصبح ارتباط الجمهور بمغني البوب انتقائيًا ومجزءًا، فقد يقتصر على أغنية بعينها أو ألبوم، أو حتى مقطع قصير ذائع الانتشار على تيك توك. 

حد هذا التراجع في أهمية الصوت من حواجز الدخول إلى عالم البوب، وانعكس ذلك بوضوح على الأداءات الحية والعروض المباشرة التي يقدمها الرابرز الذين تحولوا إلى صناعة البوب، والذي يكون أداءهم الحي في أفضل التقديرات مخيب للآمال. لعل أبرز تجليات تلك الظاهرة ما شاهدناه في المقطع المنتشر مؤخرًا لزياد ظاظا في برنامج صاحبة السعادة مع إسعاد يونس، حيث بدا عاجزًا عن التقاط جملة لحنية واحدة، وكان أداؤه مرتبكًا ومثيرًا للسخرية. 

أتت تجربة تووليت وسط كل هذا التحول كأهم تجربة بوب في المشهد المصري خلال هذا العقد. تمكن تووليت من تحقيق ما لم يتمكن منه أي من فناني البوب الجدد، ونجح بشكل قاطع في اختراق مشهد البوب، وتصدر قوائم الاستماع، وتحقيق نجاح جماهيري غير مسبوق.

كان تووليت الأكثر ذكاءً في استغلال حالة الركود المستمرة داخل منظومة البوب، وتمكن بحرفة من صناعة أغانٍ جذابة لجمهور البوب السائد، وفي الوقت نفسه إرضاء المستمع الأكثر شغفًا بإصدارات تحمل قدرًا من التجريب، كما عزز انتشاره صورة بصرية مصاغة بعناية شديدة، تلعب على عنصر الغموض.

لكن أهم مدخل يمكن قراءة مشروع تووليت من خلاله هو نجاحه في إعادة تقديم بوب أواخر التسعينات وأوائل الألفينات إلى الجمهور الجديد، واستغلال حالة الركود الإبداعي التي أصابت منظومة البوب، ومعرفة كيفية اختراقها من خلال أصوات وألحان مألوفة.

إذا نظرنا إلى مشروع تووليت بنظرة نقدية وتحليلية، نجد رغم النجاح الساحق الذي حققه كصوت جديد، لم يتمكن من تقديم أي إضافة حقيقية في أغنية البوب المصرية، واعتمد مشروعه بشكل كامل على استعادة أصوات وقوالب مألوفة من بوب التسعينات والألفينات. رغم أن ألبومه الأول، طيش شباب، كان أكثر محاولاته اقترابًا من التجديد، إذ سعى فيه إلى إدخال عناصر من البيد روم بوب والإندي والسايكدليك، فإنه اتجه لاحقًا إلى خيارات أكثر أمانًا، خصوصًا بعد النجاح الكبير الذي حققته أغنية ليالينا من الألبوم.

كانت ليالينا النقطة المفصلية في مشروع تووليت، فبعد تجارب في مشهد الراب لم تلقَ نجاحًا جماهيريًا كبيرًا رغم جودتها، وتجارب في البوب البديل ضمن طيش شباب، فاقت ليالينا كل التوقعات بالنسبة إلى المغني الصاعد آنذاك، وأكدت له أن الجمهور يريد أغاني بسيطة ذات وصفات جاهزة، وهو ما استغله أفضل استغلال، وأتقن هذه الوصفة في ألبوم كوكتيل غنائي.

اتبعت كل إصدارات تووليت فيما بعد النهج ذاته: استلهام مباشر من أصوات البوب القديم، ولعب على عنصر النوستالجيا الموسيقية، وإعادة تدوير تلك العناصر وتقديمها إلى جمهور جديد. بهذا أصبحت تجربة تووليت، رغم نجاحها في جذب الجمهور الأصغر إلى البوب وكونها أهم تجربة بوب في العقد الأخير، تعيد ترسيخ حالة الركود ذاتها.

أثرت تجربة تووليت في جيل جديد من الفنانين، مثل نور وبايو وزينة وفلوكة وغيرهم. ينتمي هؤلاء إلى موجة يصعب تصنيفها، فبعضهم ولد في المهجر، بينما يأتي بعضهم الآخر من خلفيات ثقافية واجتماعية وموسيقية بعيدة نسبيًا عن المستمع المصري، سواء من حيث التأثيرات أو الموضوعات الغنائية. المفارقة أن هذه المسافة لا تظهر فقط في شكل اختلاف موسيقي، بل في صعوبة بناء صلة حقيقية مع الجمهور الذي يفترض أن تخاطبه هذه التجارب، حيث تحاول تقديم شيء جديد، لكن معظمها يبدو منفصلًا عن السياق المحلي إلى درجة تجعل هذا الجديد غير قابل للترجمة إلى لغة يتفاعل معها المستمع المصري.

أكثر ما تبرزه تلك التجارب هو فجوة بين المرجعيات الثقافية والاجتماعية التي تنطلق منها وبين الجمهور الذي تحاول الوصول إليه. إذ يبدو بعضها وكأنه يخاطب جمهورًا غير موجود داخل مصر، أو يستند إلى ذائقة مشتركة مع شريحة محدودة جدًا من جمهور الشتات العربي، دون حساسية كافية تجاه السياق الموسيقي والاجتماعي المحلي.

نجد عند تحليل هذه التجارب حالة واضحة من الانفصال تتجلى في المزج بين العربية والإنجليزية بطريقة مفتعلة أغلب الأحيان، وفي ضعف تلك التجارب على مستوى التلحين والكتابة، فضلًا عن ابتعاد موضوعاتها عن السياق المصري والعربي. هل هو بوب جديد؟ نعم، لكنه يظل محدودًا فنيًا وتقنيًا، كما يبدو غير قادر على فهم السياق المحلي والتفاعل معه.

مع كل هذا، وجد المستمع المصري نفسه في مساحة رمادية غير مرضية، فلا زال حراس المعبد القديم ممسكين بزمام الصناعة السائدة يقدمون نفس الأصوات المستهلكة والوصفات الجاهزة، وعلى الناحية المقابلة كانت معظم المحاولات البديلة من الجيل الجديد غير قادرة على سد الفجوة الابداعية أو تقديم بديل حقيقي. أعني ببديل حقيقي هنا ما يتجاوز تجربة أو فنانًا بعينه، مشهدًا قادرًا على إنتاج مستمر للتجارب الناجحة.

أصبح هناك معضلة حقيقية تواجه الموسيقى المصرية. إن كانت أهم تجربة بديلة في المشهد، وهي تجربة تووليت، تعيد تدوير الأصوات الناجحة والمألوفة، وإن كانت المشاهد البديلة تتنازل لصالح البوب، وإن كانت التجارب الجديدة غير قادرة على الوصول، فإننا أمام عدة أسئلة ملحة حول الموسيقى المصرية ولا يبدو أن لها أي إجابة في الأفق: إلى أي مدى ستظل تلك الأعمال تدور في نفس المدارات وتنتج نفس الأصوات؟ وهل هناك مشهد فرعي جديد قادر على تقديم بديل حقيقي لما ينقص البوب والموسيقى السائدة؟

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف