على باب مصر | الموسيقى التصويرية بين أندريا رايدر وعلي إسماعيل

مقالات - كتابة: مي المغربي - ٢٠٢٦/١١/٠٢
على باب مصر | الموسيقى التصويرية بين أندريا رايدر وعلي إسماعيل
تحميل...

تخص الموسيقى التصويرية المشاهدين، إذ لا تسمعها الشخصيات داخل الفيلم على عكس المؤثرات الصوتية التي تعتبر جزءًا من عالم الشخصيات، كصوت الرصاصة وصرير الباب. لكن يتوارى هذا التعريف البديهي في السينما المصرية بعد عام ٢٠١٥.

أسمع الموسيقى التصويرية وكأنها موسيقى لعبة فيديو، مصاحبة للأحداث لأن الأبطال يتغذون ويتعكّزون عليها كجزء من الأداء التمثيلي. ظللت لسنين منزعجة لكن متماهية مع فكرة أن الموسيقى التصويرية يجب أن تكون هكذا ضيقة، مكررة، عالية، تبكي وتضحك مع البطل. في المقابل، فلتت مسلسلات حديثة من هذه الأزمة وأصبحت موسيقاها أيقونية رغم إنتاجها من نفس الموسيقيين في الحقبة نفسها، مثل ذات وسجن النسا لتامر كروان، وبدون ذكر أسماء لمحمد مدحت، وأفراح القبة لهشام نزيه.

تكمن الإجابة السريعة في عامل الزمن؛ إذ تتكرر موسيقى المسلسل ثلاثين يومًا حتى يلتصق اللحن بالذاكرة التراكمية، بينما لا يملك الفيلم نفس الفرصة. مع ذلك، هناك موسيقى أفلام حُفرت في ذاكرتنا، مثل إبراهيم الأبيض والفيل الازرق لهشام نزيه، أبو علي لعمرو إسماعيل وقبلهم الكيت كات ورسائل البحر لراجح داوود، وحتى طأطأ وريكا وكاظم بيه لمحمد البنا.

هناك إجابة أخرى تخص طبيعة الأفلام مؤخرًا؛ إذ تسيطر عليها الكوميديا الخفيفة والأكشن التجاري الذي يعتمد على المونتاج السريع لإبقاء المشاهد مشدودًا. تتطلب هذه النوعيات موسيقى وظيفية ولحظية للاستثارة، أو مؤثرات صاخبة للربط بين اللقطات السريعة بدلًا من الألحان الميلودرامية التي تعيش كمقطوعات منفردة، مثل موسيقى فيلم ولاد رزق لهشام نزيه. الأكيد أن الدراما التلفزيونية ما زالت تتيح للمؤلف دوره كراوٍ ثانٍ للقصة، بينما حصرته السينما التجارية في دور مهندس الإيقاع والحركة.

إلى جانب ذلك، يغيب حاليًا المشروع الثقافي المحفز، وتفرض بيئات التقييد والتقويض السياسي على الفن الرائج نوعًا من الرقابة الذاتية والخوف من التأويل الصادم. يدفع هذا التوجس صناع الموسيقى والسينما نحو التركيز على القصص الفردية والعلاقات العاطفية وثيمات الإثارة. لذلك، نجد التعبير الموسيقي في مسلسل معاصر يتناول الستينات أو الثمانينات غنيًا ومتشابكًا مع الوضع الاقتصادي والسياسي والنفسي لتلك الحقبة، مقارنةً بأعمال تعكس الحاضر فتعود للضيق والتكرار والانعزال.

لم يكن الأمر هكذا طوال الوقت حتى في السينما التجارية، وعليه أعود للحظة البداية ونقطة الازدهار الأولى. أركّز على أندريا رايدر وعلي إسماعيل كمدرستين مختلفتين عاصرا بعضهما . حيث عملا داخل لحظة سياسية مشتعلة تختلف عن اشتعالنا الحالي؛ فنبع إبداعهما من دعم المنظومة ولأجلها، تعبيرًا عن حلم مشترك يمتد من السد العالي والتأميم، وصولًا إلى النكسة ثم الانفتاح.

رغم شهرة أعمالهما في الخمسينات وأوائل الستينات، أنجذب إلى الأفلام المشتبكة مع النكسة لأنها لحظة اهتزاز خلصت رايدر من رومانسيته وإسماعيل من مرحه، بخلاف عملهما كموزعَين للأغاني الوطنية، وهو العمل الذي فرض عليهما التمسك بالقيم القومية وقوانين الإذاعة الصارمة.

أندريا رايدر

في فيلم اللص والكلاب (١٩٦١)، لم يخف رايدر من استخدام التنافر النغمي في لحظات ذروة ارتياب وتهور سعيد مهران. شدد هذا التنافر على الطابع البصري القاتم الذي ميّز إخراج كمال الشيخ للأفلام البوليسية. نسمع الموسيقى تقوم بدور المترجم النفسي معبرةً عن غضب سعيد وخوفه وريبته ومشاعر الخيانة التي تلتهمه. 

تخلل الفيلم أيضًا لحظات صمت موسيقي طويلة تعطي فرصة للمؤثرات الصوتية كالسعال وفتح الباب وصعود الدرج والارتماء على السرير، وحفيف الملابس وكسر الزجاج، لنشعر بالملل والضغط والورطة التي تمر بها الشخصيات، لتعود الموسيقى بعد هذا الصمت بأثر درامي مضاعف وصادم.

لا نسمع هذا الصمت من رايدر على سبيل المثال في فيلم الرجل الثاني (١٩٥٩) الذي أخرجه عز الدين ذو الفقار، والتي تعتمد أيضًا على ثنائية المطاردة والهروب. تصاحبنا الموسيقى الأيقونية طوال الفيلم تقريبًا، تتصاعد وقت المطاردات والقتل والشك وتهبط في لحظات الحب.

قدم فاجنر في أوبرا القرن التاسع عشر أسلوب اللايت موتيف ليصبح العمود الفقري للموسيقى السينمائية الحديثة، مخصصًا ثيمة موسيقية محددة ترتبط بفكرة أو شخصية أو حالة شعورية تتكرر وتتطور مع تطور وعي الشخصية ومسار الأحداث. يعتمد رايدر ذلك الأسلوب ونسمعه في الموسيقى التصويرية التي ألفها عام ١٩٦٧ لفيلم السمان والخريف من إخراج حسام الدين مصطفى؛ حيث صنع رايدر لايت موتيف لعيسى الدباغ صدًى لما يدور في عقله الباطن.

ربما تُعد موسيقى السمان والخريف أقل أيقونية من موسيقى الرجل الثاني أو دعاء الكروان؛ لأنه تجنب تقديم جمل لحنية دائرية ومكتملة المقاطع الموسيقية سهلة الحفظ. تعمد رايدر أن تكون الجمل الموسيقية متقطعة وغير مستقرة هارمونيًا، تبدأ بلحن آلة معينة ثم تسلمه فجأةً لأخرى دون إكمال الجملة الموسيقية. ينقل هذا عدم الاستقرار النفسي والمستقبل المجهول الذي ينتظر عيسى الدباغ؛ موسيقى تجسد طائر سمان مهاجر وقع في فخ كونه لم يكن ذكيًا أو شريفًا بما يكفي ليركب الموجة السياسية الجديدة، فيجد نفسه مهمشًا بعد ثورة يوليو، بعد أن شغل مناصب قيادية في عصر الملك.

نسمع مجموعة الكمان والتشيللو معادلًا صوتيًا للوحشة والغضب من التهميش والأفكار المتصارعة داخل عيسى، ومعهم جمل الفلوت البسيطة كالوخز لتذكره بالماضي الحزبي الذي أصبح سرابًا.

تتحرك موسيقى السمان والخريف كبندول، بين التراجع التام مع لقطات تأمل عيسى لحاله، ليعمق إحساس الورطة، وبين الانفجار الأوركسترالي المفاجئ في لحظات الصدام مثل مشهد طرده لريري بعد حملها منه، حيث تتداخل الآلات النحاسية والوتريات لتعكس ثقل الصدمة السياسية والاجتماعية التي سحقت جيله.

رغم أن أحداث الفيلم في مصر ويناقش ثورة يوليو وتطهير الجهاز الإداري، إلا أن رايدر كان حياديًا بشكل ما؛ إذ ابتعد عن الاستعراض التقليدي للآلات الشرقية كالرق والطبلة والقانون، وابتلع الجمل الشرقية الشجنة داخل هارموني أوركسترالي، ليحول أزمة البطل من قضية سياسية محلية إلى مأساة وجودية تخص أي إنسان يفقد سلطته وهويته أثناء التغيير السياسي.

لم يكرر رايدر حياده تجاه يوليو وما قبلها؛ إذ نسمع ذلك في غروب وشروق (١٩٧٠) أيضًا، من إخراج كمال الشيخ. وُظفت موسيقى غروب وشروق التصويرية للتعبير عن التحول السياسي والانهيار والصراع الأخلاقي. قلل رايدر حجم الأوركسترا مع التركيز على مجموعة آلات محددة لإبراز التوتر النفسي والسياسي. يستعرض الفيلم الحقبة التي سبقت ثورة يوليو، وتحديدًا بعد حريق القاهرة، حيث يمثل الغروب نهاية عهد الفساد السياسي والبوليس السياسي (عزمي باشا)، بينما يمثل الشروق بزوغ فجر الحرية والحركة الوطنية مع الشباب (عصام وأمين وسمير).

رغم صمت أول ربع ساعة من الفيلم، اعتمد رايدر على موتيفات دائرية مدوخة، فأعطانا إحساسًا بالمحاصرة والوقوع في شرك واسع لا فكاك منه، ما يعبر عن قوة البوليس السياسي في ذلك الوقت. في بيت رئيس البوليس السري نسمع موسيقى ذات بناء كلاسيكي لكنه مباغت، يبدأ بهدوء ووقار ثم يتصاعد ليصبح مصدرًا للتوتر والتورط. نسمع نفس الثيمة مع ظهور الخلية السرية أو ثيمة الشروق / المقاومة، لكن بخفوت وبطء، نظرًا لسرية العمل الفدائي. تتصاعد الموسيقى تدريجيًا وبقوة مع نهاية الفيلم بشكل مختلف عن تصاعدها في بيت عزمي باشا، لتعلن هزيمة الفساد وبداية عهد جديد.

لرايدر قدرة على وضع طبقات من الموسيقى للفرد الواحد لتعبر عن تفاصيل  تعقيداته الشعورية. في اللص والكلاب مثلًا ولدى صعود رؤوف علوان على السلم ليشهد زورًا على سعيد، نسمع صوت وتريات عاليًا لدرجة يشبه التزييق أو الصرير المزعج، كأنه صوت اصطكاك الأسنان معبرًا عن غيظ رؤوف من سعيد مهران.

نسمع في شروق وغروب صوتًا مترددًا ومهزوزًا كلما صعدت مديحة السلم هربًا من المواجهة. نسمعه بشكل سريع وحاد في الهروب، وبشكل ناعم ومتموج في لحظات الإدراك. تنتج الآلات الوترية ذلك الصوت  بعزف ممتد وحاد بأسلوب التريمولو، وكأنه الارتجاف والرعب من رؤية الحقيقة أو الهروب من رؤيتها. كما نسمع البيانو بضربات منفردة، متقطعة، وبطيئة ممثلةً ثقل الذنب الإنساني عند مديحة. ما أن ينتهي البيانو من دوره في التعذيب تدخل آلات النفخ الخشبية كالكلارينيت بجمل لحنية حزينة وقصيرة تعزف منفردة لتجسد الوحدة والاغتراب لشخصية مديحة. هي ضحية في هذا القصر، ممزقة بين ولائها لوالدها وصدمتها في أخلاقه، وبين زوجها المفروض عليها.

نسمع أيضًا تلك الجمل من الكلارينيت بشكل خافت لتصاحب سير عصام بالذات في ممرات القصر كأنه يساق إلى حبل المشنقة. لكن الصوت الطاغي هي آلات النفخ النحاسية كالتمباني والترومبون بنغمات قوية وضخمة وغليظة. نسمعها كلما أصدر عزمي باشا أمرًا بالاغتيال أو الاعتقال، لتضغط علينا وتؤكد لنا حجم البطش.

يتقاطع كلٌّ من اللص والكلاب وغروب وشروق وحتى السمان والخريف في الطابع العسكري أو المارشات الصارمة التي نسمعها حتى في أكثر اللحظات رومانسيةً أو تيهًا. بسبب التيمة الثنائية لتلك الأفلام: العدو والمطاردة أو الكر والفر في تلك الأفلام. يأتي هذا الإيقاع العسكري بوصفه سوطًا صوتيًا يجلدنا مع الأبطال، ويشعرنا بمدى جفاف وضخامة القوى الأمنية التي تقف ضدهم.

في تلك الأفلام اعتمد رايدر على أسلوب التنافر النغمي، الذي يعتمد على قاعدة الضغط ثم الحل. إذ يأخذ المؤلف أذننا في رحلة تبدأ بالتوافق، ثم يصعد بالتنافر النغمي ليخلق ضغطًا نفسيًا، وبعد أن نصل لذروة التوتر يعود فجأة إلى نغمة متوافقة ومريحة ليعطينا شعورًا بالانفراج بعد الخطر، مترافقًا مع شعور الغموض تجاه المستقبل.

علي إسماعيل

يبدو أندريا رايدر في تأليفه وتوزيعه للموسيقى شديد الذاتية كما في أغنية جبار على سبيل المثال. رغم أن  بعض توزيعاته الوطنية فيها الحس الجماعي والتوليف الثقافي، كما في والله زمان يا سلاحي وعلى باب مصر والوداع يا جمال.

تعطي موسيقى رايدر التصويرية إحساسًا بأن الموسيقى تخرج من شخصية البطل وأزمته لتصبح هي عالم الفيلم الصوتي؛ غالبًا لأن رايدر يقدس في التوزيع العزف المنفرد. يحب أن تصمت الأوركسترا بالكامل، لتتكلم آلة واحدة فقط مثل الكلارينيت، أو فلوت حاد، أو جيتار يرتجف بتكنيك التريملو ليترك مسافات وفراغات صامتة بين الجمل الموسيقية. يشعرنا هذا الفراغ السمعي بالبرد والعزلة.

علي إسماعيل، وعلى النقيض من رايدر سواء في توزيعه للأغاني أو تأليفه لموسيقى الأفلام، شديد الانشغال بالكتلة والجماعة. ربما لأنه يدمج آلات كالمزمار والأرغول والدفوف والطبلة وسط الأوركسترا الغربية، كما في فيلم الأرض وفي استعراضات فرقة رضا ومع الثلاثي المرح.

أيضًا، من المهم تأمُّل طريقة اختيار رايدر وعلي إسماعيل للكورال. نجد الكورال في الوداع يا جمال من توزيع رايدر لأنه لا يمكن تخيل توديع جمال عبد الناصر بشكل فردي. كما نجده مع علي إسماعيل في أغنية المسيح كآلة في الأوركسترا، وفي أغنية بالأحضان من أعمار مختلفة من الجنسين معبرين عن الشعب كله.

أيضاً نسمع توظيف الكورال أو الأصوات البشرية كآلة، في مشهد خروج أمينة للبيت في فيلم بين القصرين بعد فترة طويلة قضتها جبريًا في البيت، تتابع العالم من المشربية. يدمج إسماعيل صوت الناس والأحصنة كجزء من الموسيقى التصويرية بالزعيق قبل دخول أمينة المقام، وبالهمهمة أثناء التضرع أمام المقام.

لا شك في إتقان الموسيقى التي قدمها علي إسماعيل في ثلاثية نجيب محفوظ، إلا أن قوته تبدأ من نهاية الستينات مع النكسة تحديدًا. رغم مرحه في أعمال سابقة، يظهر تعبيره عن التيه والضياع والهزيمة والشك والخذلان بشكل مسبوك وحديث في أفلام مثل ثرثرة فوق النيل وأنف وثلاث عيون والاختيار.

حتى فيلم الأرض قادم من تلك الروح المهزومة بسبب الاستعمار. تلك موسيقى تختلف عن الموسيقى التي ألفها علي في بين القصرين (١٩٦٤) وقصر الشوق (١٩٦٧) من إخراج حسين الإمام؛ والتي استدعى فيها ألحان سيد درويش وأعاد صياغتها بتوزيع أوركسترالي ضخم مقسمًا إلى جزء يخص ولاد البلد المقاومين، وجزء لعوب للسهر والغواية، وجزء به طبول ودبيب حروب حين تظهر سيرة الاستعمار.

في فيلم الأرض كانت قوة الموسيقى التصويرية هي ندرتها  تمامًا كعطش الأرض. أتاح لنا الصمت الموسيقي الانغماس في الأصوات الطبيعية كصوت الرياح وخرير الماء ونباح الكلاب والمشي على الطين، ما أعطى مساحة للحوار والأداء التمثيلي. أيضًا، شحننا الصمت ترقبًا، وتأتي الموسيقى لتفجير هذه الشحنة كما في مشهد النهاية. إذ تبدأ الموسيقى في التصاعد التدريجي العنيف مع صرخات الكورال وآلات الوتريات والنفخ النحاسي. لو كانت الموسيقى تعمل طوال الفيلم بنفس الوتيرة، لَما شعرنا بكل هذا الألم والقهر.

هناك شكل آخر لما بعد النكسة غير أحاسيس الألم والقهر، وهو الوهم. 

في فيلم أنف وثلاث عيون (١٩٧٢) من إخراج حسين كمال، تصاحبنا الموسيقى طوال الفيلم وتعلوا فوق الحوار أحيانًا كأنها الراوي الأساسي للقصة. لكن نسمع أهم تفصيلة في الثلث الأخير من الفيلم، إذ تتلاشى الألحان الكلاسيكية التي صاحبت ظهور أمينة ونجوى ودكتور هاشم، أي حينما نصل للعين الثالثة أو المرأة الثالثة في حياة دكتور هاشم، رحاب، التي تمثل جنون السبعينات. استخدام علي إسماعيل الآلات الكهربائية الحديثة، ليعكس الفجوة الجيلية بين هاشم الأربعيني المحافظ ورحاب ابنة السبعينات العشرينية، لتصبح الموسيقى الحديثة أداة سخرية من الجيلين.

استخدم علي إسماعيل جيتارًا كهربائيًا مضافًا إليه تأثيرات صوتية سايكدلية، كما نسمع الهاموند أورغن بعزف مشاغب يذكرنا بفريق ذَ دورز، معبرين سويًا عن الشبق والغواية والجرأة. تأتي الدرامز بضربات متبادلة وقوية مع الصنوج المعدنية تتخلها البونجوز. استوحى علي إسماعيل من الموجة السايكدلية التي امتدت منذ منتصف الستينات حتى أوائل السبعينات.

من اللافت حضور الجيتار الإلكتروني طوال الفيلم حتى داخل اللحن الكلاسيكي. صنع حضوره المباغت أحياناً مسافة نفسية وعاطفية باردة، رغم أن اللحن نفسه عذب وحالم. كان ظهوره يبدد الحب ويحضر الرغبة، معبرًا عن الأوهام التي رافقتهم جميعًا.

يظهر صوت الوهم أكثر في فيلم الاختيار (١٩٧٠) من إخراج يوسف شاهين، إذ تأني نكسة يونيو كأزمة تشق الذات، فتصير كل الأخبار والمشاعر والعلاقات وهمية حتى علاقة الذات بنفسها. يظهر ذلك في السيرك؛ المكان الوحيد الذي يدار فيه محادثة متماسكة غير تنظيرية أو ارتيابية.

تندر الموسيقى في الاختيار كما في الأرض، لكن الفرق أنها تبدأ متصاعدة ثم تختفي، كأنها غيمة تظهر وتنقشع لتجسد فكرة الوهم.

تحضر آلة البيكولو، النسخة الأصغر والأعلى حدة من الفلوت الخشبي، وبالنفخ الزائد وبقوة نسمع صوتًا يشبه الصفير المعدني أو البارد بلا عواطف عبر قص الترددات الدافئة أو المتوسطة للصوت، والإبقاء فقط على الترددات العالية مع وضع صدى صوت خفيف وممتد خلف الصفارة ليمنحنا إحساسًا بالفراغ المكاني والنفسي. يعكس ذلك الصوت نوبات البارنويا عند سيد، إذ تحضر الصفارة عندما يلتفت حوله مذعورًا، أو يحدق فينا وفي الكاميرا باحثًا عن عالم بلا هواجس.

لا نصل للوهم إلا بعد التعرض للخداع. في فيلم ثرثرة فوق النيل (١٩٧١) من إخراج حسين كمال نتابع مشهد دخول أنيس زكي للعوامة لأول مرة بصحبة رجب القاضي، ومرورهم السريع متلهفين للكلام والحشيش، متخطين الجريدة المُمَسمْرة على الكشك بجانبهم، التي تنقل أخبارًا عن الحرب في الجبهة. تمثّل تلك الدخلة غير المبالية للأحداث السياسية تمامًا روح الموسيقى التصويرية التي ألفها علي إسماعيل للفيلم؛ موسيقى تتخطى النكسة بتعجل، وتتجاهل حرب الاستنزاف بعد خداع الحكومة للشعب بأخبار الحرب، مركزةً على الهذيان والسطل والغيبوبة الجماعية. اختار علي في ثرثرة فوق النيل التنافر والتفكك السمعي، متعمدًا إزعاج المشاهد بنغمات لآلات تتصادم هارمونيًا، مرادفًا للتفسخ الأخلاقي والفكري والسياسي لأبطال العوامة. 

العوامة هي العالم الجديد بعد النكسة، عالم مترنح على أرض غير صلبة، نسمع في كل مشهد على الجسر المؤدي للعوامة نغمات وتريات بطيئة وأشبه بمرثية حزينة تزف الداخل للعوامة، وجمل راقصة تفضح خواء الشخصيات وانعزالها داخل هذا القفص الخشبي العائم فوق النيل، دون أن تتأثر بجريانه. بعد الدخول يحضر السينث بأصواته المتموجة ليحاكي مفعول الحشيش والدخان المتصاعد داخلها، فيصدر رياحًا إلكترونية باردة تعبر عن البطء والتشوش السمعي والبصري الذي يمر به الشخص الواقع تحت تأثير المخدر. تفتت تلك الرياح الإلكترونية الوقت، صانعةً فاصلًا بين الوقت في الخارج الذي يتحرك وبين الداخل المائع والراكد، فندخل في الغيبوبة معهم.

يوظف علي إسماعيل القانون هنا لعزف جملٍ لحنية سريعة ومتهورة، مع التداخل المفاجئ لآلات مثل الترومبيت والترومبون بنغمات تصادمية حادة كصرخة فزع نسمعها تحديدًا في المشاهد التي تذكرهم بالواقع الخارجي، مثل مشهد دهس الفلاحة بالسيارة. يأتي الواقع أثناء تجوال أنيس زكي في بورسعيد، فيختفى السينث تمامًا، وبدلًا منه وظف علي إسماعيل آلات أوركسترالية حية تمثل الواقع كنقيض الآلات الإلكترونية التي تمثل الوهم. نسمع مع تلك الآلات الحية الكورال كجزء من الأوركسترا، بهمهة شبحية لتَخِزَ ضمير أنيس وتوقظه مذكرةً إياه بتبعات النكسة.

أثناء تلك السباحة والسياحة في الأفلام القديمة، أجبرتني موسيقاها على تخطي ضيق عبارات الوصف التي نقول عنها الآن أنها مستهكلة مثل جميل، قبيح، مستقبلي، ثقيل … إلخ. في رأيي، مشكلة عدم إنتاج أو تأليف موسيقى تصويرية مثيرة للاهتمام أن الموسيقى التصويرية في السينما مشغولة بأدبية المقصد وليس بأدبية الوصف. لذلك لا نجد تلك المساحة المجردة والغامضة التي لا نفهمها ولكن نحسها.

الأكيد أن في تلك الأفلام المشار إليها في المقال موسيقى تصويرية رائعة، ما زالت تحتفظ بالحقيقة الشعورية للموسيقى، وبالمساحة والممرات الصوتية الغامضة، حاملةً دلالاتها ومحرضة على التفكير والإحساس بها لفهم أوسع وخاص لكل مشاهد.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف