لو أردتُ توصيف مطربة العراق الراحلة وحيدة خليل بجملةٍ لقلتُ: أمٌ تُغني. أمٌ تشبه أمّي وأمّ كلّ عراقيةٍ وعراقيّ، بقدر ما يحمل صوتها من حنان وعذوبة وعفوية.
ربما يعود ذلك لغنائها الدللول؛ التنويمة العراقية الشهيرة التي غفا، أو بكى، على هدهدتها أجيال بعد أجيال من أبناء ما قبل الألفية الجديدة، والتي أكاد أتحدى من يسمعها أن يمسك دموعه. كنّا نسمع الدللول بأصوات أمهاتنا ونحن في أحضانهن، حتى كبرنا وغادرنا الأحضان والحدود الآمنة، فرأينا وحيدة، سيّدةً، أمًا، تقفُ بوقار، وتنضح عيناها برأفة شفيفة، تغني ما قالته الأمهات على مهود الخشب:
دللول يالولد يبني دللول
عَدوك عليل وساكنْ الچول
لا يمكن إلّا أن نصدّق وحيدة وهي تنوح “ماني صحت: يمه أحااه.. جا وين أهلنا؟” صدقٌ صميمي في مادة الصوت، جليٌّ وأخّاذ يكسرُ وقارنا ويوقظ في مفازات روحنا صوامع الحزن. نبرة إنسانية صافية تجمع الحنان والانكسار، مشدودة الى روح ملتاعة كأنها تحمل عذابات العراقيات لقرون تصرّمت بين شموس الحقول وثقل قدور الماء على الرؤوس وسخام التنانير الفاغرة.
ليس صوتها فحسب، وجه وحيدة سليلُ كاهنات سومر والوركاء؛ باستدارته الراضية كرغيف، والشفة المزمومة على استحياء، والعينان المفتوحتان على الفجيعة طويلًا حتى يستحيل الفزع إلى ألفة. وجه رافديني، بسيط ومألوف، يمكن أن نجده في كلّ بيت عراقي. لذا حين كانت تظهر في الشاشة الصغيرة يغشانا الارتياح، كما لو أن أحدًا من العائلة عاد من سفر.
لكن ثمة بعدٌ أعمقُ في صوت وحيدة. إنه الشجن العميق الآتي من موهبة فطرية، وتدريب طويل على السمع والغناء في طفولتها. شجن مصقول ومعجون بتجربة حياتية مزجت تحديات عائلية ومجتمعية في عراق الملكية التي واجهت فيها المرأة صعوبات التقبل والاعتراف وتقاسم أدوار الحياة المجتمعية، ثم عراق الجمهورية الذي تنازعته الصراعات والانقلابات.
شقّت وحيدة طريقًا بالغ الوعورة في أسرة فقدت الأب مبكرًا، وهذا لوحده كفيل بسيناريو مضطرب لفتاة في مجتمع محافظ. غدت البنت اليتيمة، المولودة على بعد أمتار من ضفاف شط العرب، اليوم، تراثًا عراقيًا بأغنيات خالدة سكنت الوجدان الجمعي العراقي، وترسّخت كفلكور وطني تغنيه البلاد من شمالها إلى جنوبها: “أمس واليوم ما مروا عليه“، و”بسكوت أون بسكوت“، “أردْ أوكف بحي الولِف“، “عليمن يا قلب تعتب عليمن؟”
“أغني من صميم قلبي وبكل عواطفي وجوارحي، لا أغني كيف ما كان.”
ولدت مريم عبد الله جمعة، الاسم الحقيقي لوحيدة خليل في قرية الشلهة البحرية بمقاطعة السيبة في البصرة، أقصى جنوبي العراق. عاشت وحيدة لأهلها، بلا أخ ولا أخت، في كنف أسرة تعيش حياة كريمة. اختلفت الروايات في مواليدها فقد ذكر الكاتب عبد الودود المنصوري أنها من مواليد ١٩١٤، فيما تشير مصادر أخرى الى العام ١٩٢٨. أجابت المطربة نفسها عن السؤال بـ “والله ما أتذكر.” نجد خلافًا مشابهًا بشأن اسم عائلتها بين الكطراني والبلوشي.
تروي وحيدة في حوارها مع المذيعة نضال قاضي عام ١٩٧٧ أنها اكتشفت، مبكرًا، عزوفها عن اللعب مع نظيراتها البنات في زقاق شارعهم أو أحواش الجيران، وأنها ظلت مهووسة وبشكل غريب بسماع أنغام فرق الخشابة البصرية التي كانت تجول في حارات البصرة لتحيي ليالي الأعراس والمناسبات السعيدة.
“كنت ما دون العاشرة، تتوسل بي صاحباتي أن نلعب ’الختيلة / الغميضة’ أو ’آني أُمُكم’ لكنني كنت أرفض بشدة وأجيبهم أنا أدك دنبك وأغني وبس. شفت روحي أحب الغنه وأحب أسمع.”
كان المؤثّر السماعي البكر على مهجة الطفلة مريم هو جدّتها الخيّاطة التي فقدت أخاها مبكرًا فباتت تنعي عليه / تُعدد كلما فتَّ الشوق حائط انتظارها:
“جديتي صوتها حلو، كانت أحيانًا تعدد على أخوها الميّت أثناء خياطتها في حوش الدار، إذ كانت معروفة بخياطة العباءات والصاية (الشيزر) والمعروفة شعبيًا بـ شد الورد:
طبْ أبيتنا صْبَيّ اليغني
وشراشيب جفيته عمنّي
عريسْ، والشوباش مني
ثم ترفع حافّة فوطتها (شالها) لتغطّي وجهها وتدخل بنوبة بكاء مرّ.
الدللول التي سمعها العراقيون كلهم كانت دللول جدّة وحيدة.
يمكن تقسيم المؤثرات الرئيسة التي استقطبت وحيدة خليل للغناء في طفولتها إلى ثلاثة عوامل: الخشابة البصراوية، أغاني الأفلام المصريّة، الغناء العراقيّ الشائع في الثلاثينات.
تروي وحيدة أنها كانت تتسقّط أنباء “كعدات” الخشابة، مواعيدها وأماكنها، تأخذها الجدّة الرؤوم لتسهر معها حتى الفجر. أدمنت مريم، بنت السابعة، تلك الجلسات، وحفظت أغاني تلك الفترة مثل “ما مش لزوم” و”دينار يا ناس” و”جوزي تجوز عليّه”.
لم تكتف البنت الواعدة بالغناء، فاشترت دُنبك، الطبلة الخاصة بأغاني الخشابة، وبدأت التمرين وحيدةً في البيت على إيقاع الدوم حتى أتقنته. كان لهذا السماع المتكرر دورٌ هامٌّ في صنع أذن موسيقية لا تسقط النغم ولا تربك العازف.
“أسّستُ فرقة من صاحباتي بالسَلَف (الزقاق). جان مصروفي قوي لأني وحيدة أهلي. كنت أصرف على فرقتي لأشجعهم على التمارين. أشتري للبنات الحلويات وأبو الجيس (مرطبات شعبية على شكل عصير مجمّد).”
قبل رحيل والدها المبكر كان أنْ أسعفها بجهاز غرامافون سمعت منه أسطوانات عربية وهندية، قبل أن تبدأ سينمات البصرة بعصرها الذهبي في المدينة الساحلية، إذ خطف الاختراع الحديث عقول البصريين الذين وقفوا طوابيرًا أمام أفلام محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وأسمهان وليلى مراد.
تؤكّد وحيدة خليل في حوارها مع المدى أن أغاني الأفلام في السينما كانت مدرسة مفتوحة لتعليم فنون الغناء وأساليبه وطرائق تلوين الأداء والعرب، وقد تأثرت بالغ التأثير بما كانت تتلقاه في مرحلة مبكرة من حياتها. “كنت أدخل السينما أربع أو خمس مرات في الأسبوع للفيلم الواحد، وأهيم بأغاني المطربين المصريين بالأخص ليلى مراد، أشعر أن صوتها، مجرد صوتها، موسيقى.”
تزامن كل ذلك مع أغاني المطربات العراقيات سليمة مراد، عفيفة إسكندر، منيرة الهوزوز.
توفي الأب؛ فتزوجت الأمّ بمحمود البحراني وسكنوا ملك الخضيري بالسيبة. حفظت الصبية الأغاني لتؤديها في المدرسة، وفي بيوتات الأهل والصديقات حتى بات الأقارب يطلبون مساهمة وحيدة في أعراسهم ومناسباتهم.
غنّت، وظلّت تغني في كل مكان. في الصف المدرسيّ والساحات وحوش البيت وسطوح الجيران. لم يكن من السهل في ذلك الوقت غناء النساء في الشارع غير أن مرة واحدة كسر فيها شغف مريم كبرياء المجتمع، فغنّت مع مجموعة الصويحبات في ساحة أم البروم بالعشّار مركز البصرة أغنية أنا في انتظارك لأم كلثوم لتنتزع تصفيق المارة وآهاتهم. صُدمت الصبية من المفاجأة، فركضت للبيت باكية من الخجل.
لكن سرعان ما أطلّت الأعراف الاجتماعية برأسها؛ فتزوجت مريم من موظف حكومي. حياة عادية؛ أطفال؛ ثم طلاق.
صار طلاق الموهوبة الشابة نقطة تحوّل غيّرت حياتها؛ فقرّرت تحقيق حلمها بصعود المسرح والغناء على رؤوس السميّعة. بدأت بإحياء حفلات الأعراس والمناسبات الشعبية ثم حفلات النوادي الاجتماعية في البصرة، متخصصة بغناء أم كلثوم وبستات الخشابة وبعض أغاني سليمة مراد.
سافرت “أم كلثوم البصرة”، لقبها بين جمهورها المحلي، إلى خارج المدينة للمرة الأولى في حياتها قاصدة العمارة لتحيي حفل زفاف في مضارب الشيخ محمد العريبي، أحد أكبر الوجوه العشائرية آنذاك. هنا حدثت الانعطافة؛ إذ لمع صوتٌ شجي يئن وينغّم بأطوار لم تكن مألوفة في غناء البصرة السائد وقتها.
تذكر صاحبة “سبحان الجمعنا” في حوار أعادت نشره صحيفة المدى عن جريدة الجمهورية خاليًا من التاريخ: “هناك استمعت – في حفل الزفاف – ولأول مرة للغناء الريفي فأعجبني مطرب أعتقد أن اسمه جويسم، كان يغني بشكل جميل وساحر، وبدأت أستمع إليه وأنتبه إلى طريقة غنائه، وبقيت سبعة أيام أتعلم حتى حفظت كل أطوار الغناء الريفي.”
رغم أن الإذاعة والتليفزيون فضلًا عن الصحافة العراقية كانت تعرّف وحيدة خليل، وتقدّمها على أنها مطربة ريفية أو مطربة الريف، إلّا أنّها ظلّت تؤكّد دائمًا بأنها بنت مدينة. التمستُ ذلك في حوارين لها على الأقل: حوار الجمهورية سالف الذكر، وفي الحوار التليفزيوني اليتيم؛ إذ أشارت أنها كانت تغني الغناء العصري قبل أن تتعلم غناء الريف. أظن أن تأكيدات وحيدة تلك تعكس خشيتها من النظرة الاجتماعية والفنية للغناء الريفي الذي يُنظر له على أنه غناء محدود وأقل مستوًى. فضلًا عن النظرة الاجتماعية للريف بشكل عام.
لم تكن أي موهبة غنائية ليكتمل انتشارها دون الانتقال إلى العاصمة بغداد، حيث مركز الصناعة الفنيّة إنتاجًا وتسويقًا. هكذا انتقلت مطربة البصرة عام ١٩٤٥ إلى أضواء العاصمة المتوثبة وبريق صحافتها وجماهيرية مسارحها الشهيرة. كانت بغداد نفسها متطلعة لاستقبال وحيدة التي بدأ اسمها يتردّد في الأوساط الغنائية مع مطربة شابة أخرى هي لميعة توفيق.
سريعًا قدّمها داخل حسن إلى الإذاعة ومديرها محمد علي التكريتي، لتقابل هاشم رجب وباقي أعضاء لجنة الفحص وتُقبل عام ١٩٥١ مطربة معتمدة في الإذاعة العراقية بعد غنائها الروح ما تقبل ملامة لسليمة باشا مراد؛ ولأن الأعراف ظلّت حاضرة وضاغطة في كل آن، فقد اختارت مريم عبد الله اسم وحيدة خليل عنوانًا لانطلاق المرحلة الجديدة: “عشت وحيدة بلا أخو ولا أخت. لقد تركت الوحدة أثرها في صوتي وطريقة غنائي، لهذا، حين سألوني، اخترت لنفسي اسم وحيدة.”
جمعت وحيدة وقتها بتمكن بين أسلوبين غنائيين متباينين هما الغناء الريفي والغناء المديني، وقُيّض لها أن تدخل المشهد الفنيّ بوجود أقطاب الأغنية البغدادية، مثل الملحنين ناظم نعيم ومحمد نوشي وعباس جميل، والشعراء جبوري النجار وسيف الدين ولائي وإبراهيم وفي. في حين أتقنت هي، على نحو فردي، وعبر فترات طويلة من التمرين، جميع الأطوار الريفية. غنّت المواويل، وتميّزت بأطوار السويحلي والنايل والغافلي والحياوي والعنيسي، كما أدّت بتمكن عالٍ أنماطًا من المقام لا سيما الدشت.
يمتازُ صوت وحيدة خليل بمساحةٍ مكّنتها من أداء معظم الأنماط الغنائية ببراعة. صوت صاف ومطواع، ينتقلُ بسلاسة بين المقامات بملامح طربية مؤثّرة، وبقدرة تعبيرية على تجسيد معاني الكلمات. في حوار أجراه عصام الخطّاط لصالح مجلة ألف باء في نيسان ١٩٧٩ تفهم خليل ملامحَ صوتها فتقول: “لا شك أن الملامح الاساسية التي يتشكل منها صوتي تكمن في صفائه وانسيابه وقدرته على التفاعل مع الكلمة واللحن الريفيين. هذا لا يعني بالضرورة عدم استطاعتي تأدية الأغاني العصرية.”
تكمن قوة صوت وحيدة خليل أنه غير مصقول على الطريقة الأكاديمية التي تسعى إلى إزالة كل خشونة أو نتوء. لخامة صوتها حضور واضح في المنطقة الوسطى، ولا تعتمد أساسًا على الاستعراض في الطبقات الحادة؛ بينما تأتي القوة التعبيرية من النبرة ومن طريقة تشكيل الكلمة أكثر مما تأتي من اتساع المساحة الصوتية. نلحظ في غناء وحيدة عددًا من السمات المتكررة:
الأولى هي الاقتصاد في الزخرفة. لا تملأ وحيدة خليل كل فراغ بالعُرَب. كثيرًا ما تقول الجملة بصورة مباشرة، ثم تضع الزخرفة في نهايتها أو عند الكلمة المركزية فيها، ما يمنح أداءها قوة، لأن الزخرفة عندما تأتي تكون لها وظيفة تعبيرية.
أما السمة الثانية فهي قدرتها على الجمع بين الصلابة والشجن. تبدو بعض الأصوات الحزينة خفيضة النبر، لكن صوت وحيدة خليل، حتى في الحزن، يحتفظ بقوة داخلية. إنه حزن محتج يستطيع أن ينادي ويعاتب دون ميوعة.
السمة الثالثة هي العلاقة الوثيقة بين الأداء والكلمة. يمكن ملاحظة أنها لا تمنح جميع الكلمات الوزن التعبيري نفسه. ثمة كلمة مركزية في كل جملة تقريبًا، وعندها يتغير الضغط الصوتي أو طول النغمة أو طبيعة الزخرفة. لنلاحظ مثلًا دخولها في “أنا وخلي تسامرنا وحجينا”، التي تؤديها بثبات تعبيري متوازن، ثم تكمل “نزهة والبدر شاهد علينا.” ثم تأتي الانطلاقة الواضحة التي منحتها وحيدة لكلمة تنسم في الجملة المركزية التي اختارتها لتغير فيها الضغط الصوتي:
والعذيبي تنسم
عبير الورد نشتم
تجعل هذه الخصائص الاستماع إليها تجربة مختلفة عن الاستماع إلى مطربة تؤدّي النوتة بدقة دون أن تترك عليها بصمتها الشخصية.
قدم الملحن ناظم نعمة لوحيدة أغنيتها الأولى يمه ذاك هواي وغنّتها في الإذاعة على الهواء، دون آلات تسجيل؛ لتتوالى بعدها الأعمال مع جميل بشير الذي علمها عزف العود ولحّن لها من وصلج من دلاج.
ثم جاء محمد نوشي الذي كان له دور بارز في بداياتها بأغنيات ناجحة مثل حيرة وحرت والله بزماني، أعقبها بـ سبحان الجمعنه بغير ميعاد وهذا منو دك الباب وطالت غيبتك.
كما تعاونت مع روحي الخماش ومحمد عبد المحسن ومحمد جواد أموري الذي أعدَّ لها أغنية براضه أمشْ.
بدت فترة خمسينات القرن العشرين الفترة الذهبية لوحيدة خليل التي صارت نجمة صف أول، فجابت بحفلاتها مسارح بغداد والمدن العراقية قاطبة، وبدأت سلسلة من الحفلات خارج العراق، باكورتها في سوريا والأردن وتركيا وبلغاريا ولبنان، حيث التقت هناك بفيروز وصباح في حفلة على مسرح سينما النور عام ١٩٥٤، أعقبتها حفلات للجالية العراقية في أمريكا ولندن منتصف الخمسينات.
بدت المطربة الجديدة متوثبة لأضواء الشهرة في ظل تراجع حضور سليمة مراد وجيلها. امتازت أغاني هذه المرحلة بالمزج بين أنماط الغناء السائد في بغداد وبين روحية الريف واستثمار طاقة الشجن في أداء المطربة المحبوبة فكانت أغنيات: هب يا نسيم الهوى، تقطع الدلال، روحي ما تبطل عليك، يمه أحو وهذا الوعد والمكتوب.
لكن الملحن الرائد عباس جميل كان المحطة الأبرز والأكثر استقرارًا في تجربة خليل الغنائية، بسبب التفاهم الفني بينهما، وإعجاب وحيدة الشخصي بألحان جميل التي وظّفت البيئة المقامية العراقية داخل قالب الأغنية الحديثة: “حقق عباس جميل قفزة كبيرة بعد صياغة العديد من الألحان لاءمت قدراتي. لقد استطاع القبض على جوهر صوتي.”
خرجت بالنتيجة روائع عين بعين وعلى بالي أبد ما جان فركاك، ومنين ابدي لك ويحفظج يا يمه وغيرها الكثير.
يذكر الناقد علي عبد الأمير عجام أن ألحان جميل تمتاز بالحساسية “في مزج الريفي بعطر الحداثة المدينية في ألحانه للمطربين داخل حسن وحضيري أبو عزيز، لكن ضمن مساحة في حرية الأداء متروكة لأصحاب الأصوات الغنائية.” تجلّت هذه الملاحظة على نحو راسخ مع وحيدة خليل التي وجدت في ألحانه صدى شغفها وتجربتها.
تكشف أغنيات وحيدة خليل عن تعاملها مع ملحنين يفهمون طبيعة صوتها. تترك الألحان مساحة للهجة العراقية وللزخرفة المحلية ولطريقة الأداء القريبة من الغناء الريفي، ولا تحاول اقتلاعها من هويتها أو إجبارها على تقليد النموذج المصري الذي كان مهيمنًا عربيًا وقتها.
في تسجيلات وحيدة خليل يمكن سماع هذا التوازن بوضوح: بناء لحني محدد دون أن تتوارى الشخصية الصوتية للمطربة داخله. يضعها هذا ضمن مسار مهم في تاريخ الموسيقى العراقية، المسار الذي حاول بناء أغنية عراقية حديثة دون قطع صلتها بالبيئة المحلية.
عام ١٩٦١ انتقلت إلى مجال فني جديد هو التمثيل، فشاركت مع محمود شكري وعائدة أحمد بطولة فيلم فجر الحرية. كما قدّمت مسرحية غنائيّة مع حضيري أبو عزيز.
كانت الستينات هي آخر فترات وحيدة خليل النشطة، استمرت فيها بتقديم أغنيات شعبيّة وريفيّة، وأخرى مدنيّة، مع تكثيف للجولات في الخليج وبلاد الشام والمدن العراقية، فقدمت: ضيعت ثلثين عمري، ع الولف ساهر دوم، ويا دار وين الولف (من مسلسل غيدة وحمد). كما صورت مجموعة كبيرة من الأغاني للتلفزيون الكويتي، في لمحة توثيقية عرّفت بأساليب ومستوى التصوير الفني للأغاني قبل ٦٠ عامًا.
بدت وحيدة في تلك الأغاني بسيناريو متشابه يكاد يتكرر، إذ تقف في استوديو جميل مع فرقة موسيقية كاملة يرتدي عازفوها بِذْلات رسمية مع كورال مكون من أربع سيدات؛ فيما تنتصب وحيدة خليل بالزي الهاشمي الشهير في إطلالة أنيقة مكتفيةً بإيماءات مقتصدة وابتسامة بشوشة وتلويحات محسوبة باليدين. من الأغاني المصورة: لو غاب الأسمر، وفاء الأم، ضيعت ثلثين عمري، على بالي، وأنا وخلي.
بدأ جيل جديد من المطربات بالصعود في السبعينات، أبرزهم مائدة نزهت التي وصلت لأقصى مدياتها محليًا آنذاك، الأمر الذي انعكس على وحيدة التي دخلت وقتها فترة سكون وهدوء.
لم تكن أم حكمت، اللقب الأقرب لقلبها، مطربة عادية. يشهد جميع من عاصروها بأنها تمتعت بشخصية قوية في التعامل مع الملحنين والشعراء، وأنها كانت تناقش الألحان وتعدّل عليها؛ ما يشي بثقافة موسيقية كافية ومعرفة بقدرات صوتها وما يخدمها من خيارات. ينطبق الأمر نفسه مع الشعر: “أنا أفحص كلمات أغنياتي، أغير بعضها بالحوار مع الشعراء، وأرفض المعاني المائعة. أفتخر بأن لجنة الفحص في الإذاعة لم ترفض لي أغنية في يوم.”
تمظهرت الشخصية الفنية في آرائها التنظيرية في الغناء في مقابلات متفرقة؛ فقد فرّقت يومًا، باقتدار، بين المونولجست والمطرب والمغني: “المونولجست هو من يقول الطقطوقة، أما المطرب فهو الذي يُجيد الموالات والمقامات والأطوار والليالي. بينما المغني يؤدي بلا إجادة أو إبداع لما تقدم من أنواع غنائية.” رأي متقدم وقتها بالنسبة لمطربة لم تدرس الموسيقى.
تجلّى ملمح آخر لشخصيتها في تشخيصاتها لأصوات زملائها المطربين والمطربات، فلم تتردد في القول إن “صوت داخل حسن يعجبني رغم أنه محدود”، وإن سليمة مراد “لا تجيد الموّالات”، وإن صوت زهور حسين في أواخر حياتها “خرب وكثرت بحاته”؛ ومعروف أن ثمة ضريبة باهظة في المشهد الفني العراقي لهذه الصراحة غير المعتادة.
وصلت التصريحات الحادّة أقصاها نهاية السبعينات عندما هاجمت أميرة الغناء الريفي مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الحكومية بسبب ما سمّته “بطاقات التوصية” التي يصدرها متنفذون داخل المؤسسة الرسمية لصالح أصوات غير جديرة بالوقوف أمام الميكرفون. تقول في حوارها مع مجلة “الإذاعة والتلفزيون” عام ١٩٧٦: “لقد كان اختيار الصوت الناجح يجري بوساطة قرار تصدره لجنة اختيار الأصوات، وكان الصوت الجديد، يخضع إلى اختيار صعب جدًا، أما اليوم، وأقولها بمنتهى الألم، فيجري ترشيح الأصوات الغنائية بموجب بطاقات توصية. فتصبح فلانة أو فلان بين عشية وضحاها، مغنية أو مغنيًا، ولهذا قلّما تجد بين الأصوات الجديدة من هو جدير بالدخول الى المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون.”
في الحوار المثير ذاته أعلنت وحيدة خليل إحالة نفسها إلى التقاعد، بعد عمليات المحاربة التي جابهها بها البعض: “كان يقال لي إن الاستوديو مشغول، أو محجوز، وتكثر الأعذار، ويفوت موعد التسجيل. ومن ناحية أخرى، كنت أجهز نفسي لأداء الواجب في المناسبات الوطنية والقومية، فتأتي المناسبة وتذهب، ولا أحد يستدعيني، مع أن الدعوة وُجهت للجميع.”
يمنحنا هذا التشخيص تصورًا عن واقع كواليس المؤسسة الفنية العراقية مع العقد الأول لاستلام سلطة البعث زمام العراق، الواقع الذي انقاد لاحقًا لمرحلة مدمرة من الحروب والعنف وما تبعها من عسكرة للفن.
عانت وحيدة خليل نهاية حياتها من الإهمال والتجاهل وغابت عن منصات التكريم المستحق، واقتصر التعريف بها للأجيال الجديدة على بضعة أغانٍ معدودة رغم أن تاريخها الفنيّ تجاوز الـ ٤٠٠ أغنية. تقول بمرارة في آخر حوار صحفي لها مع المدى: “الإعلام يتصور الفنان مثل حصان الريسز فهو مدلل حين يكون أول الفائزين، ولكن حين يهرم ويتعب يتحول إلى أقرب عربة نفط. لقد تعاملوا معنا هكذا. هل تصدق أنني لا أسمع سوى أغنية أو أغنيتين لي يتكرر بثهما بين مدة طويلة وأخرى، هل فكّر أحدهم يومًا أن يضعني في زاوية مطرب اليوم؟ هل فكّر أحد بزيارتي أو السؤال عني؟ أرجوك أن تنشر هذا الكلام. إنه رجاء لي وأنا في أواخر العمر.”
لقد انشغلت البلاد عن وحيدة بالحروب، فتركتها في النهاية وحيدة كما كانت البداية. لو كان ثمة ما يصف مآلات أم حكمت في أيامها الأخيرة فهي كلمات من أغنيتها الجميلة والمنسية شَـ اتأمل من كلمات خالد حسن وألحان عباس جميل:
راح الجان إلي سلوه
ما ترجع بعد هيهات
ذيج أيامنا الحلوة
توفيت وحيدة خليل في حزيران ١٩٩١. كان العراق وقتها يلملم جراحه الدامية جرّاء مأساة حرب الخليج الثانية وجرائم قوات التحالف والدكتاتور معًا؛ فلم ينعِ صوت الأم العراقية كما تستحق.
