مبتسماً في البيت العشوائي | مقابلة مع قيس رجا

كتابةعمار منلا حسن - مارس/آذار 6, 2016

تبدأ مكالمة الفيديو، وعلى الطرف الآخر من الاتصال تظهر صورته جالساً، منقوعاً بضوء الشمس، وعلى وجهه ابتسامة سيرفض، لسببٍ أو لآخر، التخلي عنها على طول المقابلة الممتدة لخمسين دقيقة. حين يكاد يفرغ من إخباري عن عودته مؤخراً من اليونان حيث حضر زفاف أحد معارفه هناك، أضطرُّ حَرِجاً لإخطاره بضرورة إنهاء المكالمة ومعاودة الاتصال به بعد لحظات؛ إذ أن برنامج تسجيل مكالمات السكايب، والذي تحققت من عمله مرتين بعد تنصيبه ومرَّةً ثالثة قبل المقابلة، قد قرر فجأةً التوقف عن العمل. أنهيت المكالمة وعاودت الاتصال به فظهرت صورته على الشاشة وهو يحتفظ بذات الابتسامة. سألني مازحاً إن كان التدخين مسموحاً. مع مضي الدقائق الأولى تخليت عن الأسئلة التي حضرتها، إذ أن قيس رجى يعرف ما يريد قوله، ويرغب حقاً بقوله.

لما كان على المقابلة أن تبدأ بسؤالٍ ما، أي سؤال، دعوت قيس ليحدثني عن بداية علاقته مع الموسيقى، فأخبرني أنه رعا في فترة مبكرة من حياته ميولاً انطوائية، شكلت الموسيقى خلالها ملجأً يتسع للتأمل والاستغراق، حتى تملكته لاحقاً الحاجة لموسيقى تعبيرية شخصية. وجد ضالته في الـ Grunge والـميتال، خصوصاً عند فرق مثل نيرفانا و بيرل جام Pearl Jam وميتاليكا، ثم لاحقاً موجة الـ Post Punk Revival التي بدأت مع ذا ستروكس ومرَّت بـ آركتيك مونكيز وإنتربول. الموسيقى الشرقية كانت حاضرةً أيضاً في تلك الفترة من حياته، خاصَّةً الموسيقى الأم كلثومية، كما يسميها، ولم يجد بداً من الانخراط بحديث مسهب عن تمازج الطاقة الانفعالية والطربية في أغنية ألف ليلة وليلة، حتى قاطعته حالة شرودٍ حاول خلالها تذكر اسم مؤلف الأغنية بليغ حمدي.

استغليت شروده لدفع الحديث نحو مرحلته الجامعية، إذ درس قيس الفنون التسجيلية ونظرية التأليف الموسيقي في كلية مقاطعة موريس في الولايات المتحدة، المكان الذي وجد فيه أرضاً خصبة لتجربة أفكار جديدة. خلال دراسته، تعامل قيس مع مواجهتين: الأولى تتعلق بالسلالم الموسيقية الغربية والتوقيعات الزمنية التي تحتذى بتزمت في معظم الأعمال، مقابل المقامات الشرقية وخص منها بالذكر المقام العراقي الذي يمنح حرية أكبر في التأليف الموسيقي. المواجهة الثانية كانت بين البحث الفضولي عن سمات الحلم الأمريكي وسط المجتمع الغربي، وبين الأريحية والدفء الاجتماعي اللتان تميزان المجتمعات الشرقية. بين هذا وذاك أصبح قيس أكثر اهتماماً بالدراسة والبحث في الأديان، الابراهيمية وسواها، كمحطة في رحلة متصوفة للبحث عن سلامه الداخلي الخاصكما يسميه، ولما سألته ما إذا كان مهتماً بالموسيقى الإثنية في هذا السياق انجرف الحديث مباشرةً نحو نظرية طورها قيس خلال دراسته، ولم يتمكن آسفاً من العمل على بحثها أكاديمياً، وهي أن أصوات الأدوات الموسيقية عند الجماعات الإثنية المختلفة تتأثر بطبيعة المناطق وطبقات صوت سكانها، ففي الشرق الأقصى كالصين واليابان، تتفق الآلات الموسيقية مع الأوتار الصوتية من حيث الطبقات الحادة والرفيعة، بينما يركز الموسيقيون في الشرق الأوسط والمنطقة العربية على الـ Tenor، فنسمع صوت أم كلثوم الثخين يتوافق والصوت الجهوري للعود العربي.

في ظل هذه الظروف بدأت رؤيا قيس الموسيقية بالتشكل، حيث بدأ مع اثنين من زملائه فرقة Civilized Apes، التي نصحني بالاستماع لها قائلاً: “أعتقد أنها ستعجبك“. لا يقول الفنانون لمقابليهم عادةً أعتقد أن الموسيقى التي ألفتها خلال فترة الجامعة ستعجبك، لكن الوضع هنا كان به اختلاف يستحق الذكر. فأنا، كأي صحفي يجهز لمقابلة، أجريت بحثاً مهووساً عن أي معلومة أستطيع العثور عليها عن قيس على الانترنت، بحثٌ يتصف بحماسٍ لا يقل عن حماس بعض أجهزة المخابرات العربية طيِّبة السمعة، وللأسف كان قليلٌ ما عثرت عليه. الاختلاف هنا هو أن قيس، على ما يبدو، قد قام ببحثٍ مماثلٍ عني بدرجةٍ ما، وقرأ مراجعةً لي عن ألبوم تيراني، وربما قال لنفسه لو أعجبه هذا فسيعجبه ذاك، ولو قال ذلك بالفعل لكان افتراضه صحيحاً.

إعلان

لكن موسيقى سيفيلايزد إيبس، رغم قدرتها على الإمتاع منذ الاستماع الأول، تفتقر للأصالة بوضوح. إن سمعها غِرّ في الجرانج فقد يعتقد أن هذه الأغاني ليست سوى تسجيلات قديمة غير منشورة لـنيرفانا. هو تعليقٌ على الأرجح أن يتلقاه عازفو الـجرانج كمديح أكثر منه كانتقاد، لكن ليس قيس رجا الذي يبحث عن رؤيا موسيقية جديدة ومستقلة. “في الولايات المتحدة كانت رؤيتي الموسيقية لا تزال مشوشةيقول لي، حاولت المزج بين الصوتين الرئيسيين اللذان شكلا هويتي الموسيقية: موسيقى الشرق بسحرها، وموسيقى الجرانج بقدرتها التعبيرية، حريصاً أن يحافظ هذا المزج على حيوية كلٍ من اللونين الموسيقيين، وتطورت هذه الرؤيا لاحقاً مع البيت العشوائي راجع الكاتب ألبوم يا عليم لـ البيت العشوائي. يوجد رابط المراجعة أسفل المقال“.

ربع ساعة مرَّت حتى الآن ولا تزال ابتسامة قيس ترفرف على وجهه، أفكر بسؤالٍ قد يضع صمود هذه الابتسامة تحت الاختبار: “قلتَ في إحدى المقابلات إن الموسيقيين قسمان: إما صادقين مع أنفسهم وهويتهم الموسيقية، أو يتبعون أهواء الجمهور، يهز رأسه موافقاً، وفق هذه الإفادة كيف تقيم مشهد موسيقى الروك في المنطقة العربية؟ بصراحة، يستشعر قيس الورطة، يحافظ على ابتسامته ويحاول تحويل الحديث نحو الفرق العربية المعتمدة بإسراف على الفكاهة والمزحة الشوارعية؛ هي ظاهرة موجودة، يقول ثمَّ يستدرك بسرعة: “لكن من الظلم أن أضع هذه الفرق في خانة من يعمل فقط لإرضاء هوى الجمهور“. يتحول الحديث فجأةً عن فرقة المربع، وكيف أنها تنسج مناخاً عاطفياً مظلماً في أغانيها، رغم أن المستمع الشرق أوسطي لا يكترث، برأي قيس، كثيراً للموسيقى المظلمة، حيث أن لدينا في الشرق الأوسط الكثير من الشمسمشرقة دائماً، يضحك مرغماً إياي على اختيار سؤال آخر.قيس رجا

السؤال الآخر كان حول أدائه الصوتي. فبينما يركز المغنون الشرقيون على خامة الصوت، يركز الغربيون بالمقابل على أسلوب الأداء الصوتي بشكل أكبر، خصوصاً في موجة إعادة إحياء ما بعد البانك التي لم تقدم الكثير من الخامات المبهرة بالمعايير الكلاسيكية، بقدر ما قدمت أساليباً بالأداء الصوتي أكثر موائمة وتزامناً من المشهد الموسيقي المعاصر. قيس، وسط كل هذا الزحام، يقف في المنتصف تماماً: “مع فرقة سيفيلايزد آيبس كنت أتقن أسلوب الغناء الجرانجي Grungy ذو البحة، متأثراً بمغنين مثل كيرت كوباين وجوليان كازابلانكاس. حاولت إدخال شيء من هذا الأسلوب مع البيت العشوائي، على الغناء بالعربية (الفصحى، التي يفضلها شخصياً على اللهجات المحلية، دون إنكار جمالية الأخيرة في إطار إثني محلي) وموازنته مع مخارج الحروف، باحثاً عن نتيجة يمكن هضمها، يتوقف قيس للحظة وكأنه يقارن في ذهنه بين ما قاله للتو وما أنجزه مع الفرقة، ثم يضيف: “آمل بتحقيق نجاح أكبر في هذا المجال في الأعمال المقبلة“.

نصف ساعة مضت من عمر المقابلة. قيس رجا الآن صامت، يبدو عليه الاستغراق بالتفكير: “هو يهودي ومن أصول تونسيةيقول لي، لكن لا أستطيع تذكر اسمه تماماً“. يعود لحالة الصمت دون أن يفقد ابتسامته، محاولاً تذكر اسم عازف جيتار في The Strokes Nick Valensi اسمه، أحاول التذكر معه ونخفق كلانا. يضحك ثم يعود للابتسام ويطلب مني تذكيره بالسؤال الذي شردنا عنه، لكنني نسيت السؤال أيضاً. نصمت مجدداً. “أوه تذكرت، أقول كاذباً، إذ أنني لم أذكر شيئاً سوى أن برنامج مايكروسوف وورد لا يزال مفتوحاً بجوار نافذة السكايب. أقرأ بتلقائية من الملف: “السؤال كان حول فرقة البيت العشوائي. قرأت في عدة أماكن أنكم لا تتشاركون وجهة نظر فنية واحدة، كيف تتعاملون مع هذا الأمر، خصوصاً أن خلافاً ناشئاً عن مواقف مماثلة قد أدى لتفكك فرق كثيرة، منها ذا ستروكس (التي يجتمع معظم أعضاء البيت العشوائي، إن لم يكن جميعهم، على تقدير موسيقاها) على الأقل بشكلٍ مؤقت؟“. عندما بدأ قيس بالحديث أدركت تماماً أن هذه المشكلة بالذات لا، ولن، تواجه البيت العشوائي. فقيس لا يتحدث عن أعضاء الفرقة كزملاء أو أصدقاء قدامى بقدر ما يتحدث عنهم كموسيقييه المفضلين: “أحمد الحاج، عازف الـبايس، لديه قدرة وموهبة هائلة جداً على تأليف الألحان. قدرة صادمة بالنسبة لي، هو فنان عظيم بحق، يقول قيس ثم ينتقل للحديث عن فراس عرابي، عازف الجيتار الرئيسي، والذي يصفه بأنه أكثر اهتماماً بالموسيقيين المنفردين وموسيقى الميتال، كما أنه مهووس بـ دريم ثياتر. ثم هناك أسامة عازف الطبول، والذي يشارك قيس إعجابه بـذا ستروكس، ويمتاز بقدرته على تأليف أنماط لحنية فريدة على الطبل لم تُسمَع من قبل“.

أما عن العملية التأليفية فمن المهم جداً أن يكون جميع أعضاء الفرقة راضين عن الناتج الموسيقي، كلٌّ وفق رؤيته الخاصة. فمثلاً هناك دائماً مساحة مخصصة لفراس ليقتحم الأغنية بمقطع عزف منفرد كاسح يدمر الدنياكما يقول قيس ضاحكاً، ثم يحاول تفسير السبب الذي دفع الفرقة لإنتاج عمل آلاتي أكثر منه غنائي، والابتعاد عن البنية التقليدية للأغنية، فيقول: يمكنك الإتيان بفكرة ما وترجمتها للحنٍ يعبر عنها، في هذه الحالة قد يحقق المستمع المطروب حالةً من الوعي والالتحام بالفكرة لم يكن ليبلغها بفضل الكلمات، إذ أن الكلمات تفرض المعنى بطريقة مباشرة ومقيَّدة زيادةً عن اللزوم.

تبدأ الأسئلة الرتيبة بالظهور، الأسئلة حول الصعوبات المادية التي تواجهها الفرقة، وخططها للقيام بحفلات أو جولات ممكنة للترويج للألبوم. هي أسئلة تنبئ أن المقابلة قد شارفت على نهايتها، لكن الشعور بالرضى الذي عادةً ما يرافق إتمام أمرٍ ما لا يزال غائباً: هناك أسئلة أكثر وأجوبة أقل من أن أتمكن من إطلاق حكمٍ ما أو تكوين فكرة معينة. أنا، على خلاف قيس الذي لا يكترث حسبما أخبرني لوضع مسميات أو إيجاد تصنيفٍ ما لكل شيء، أشعر بحاجة ملحة وغير صحية للوصول لنتيجة ما في نهاية أي تجربة. وها أنا أشرد بعض الشيء عن حديث قيس قلقاً من كوني لا أزال جاهلاً ما إذا كان الشاب المبتسم في الطرف الآخر من المكالمة قد عثر على سلامه الداخلي أم لم يفعل، وبالمثل ما إذا قد عثر على الموسيقى المختلفة والفريدة التي رغب بتأليفها. أتساءل عن ماهية الإجابات والنتائج التي توصل إليها، أو يعتقد بأنه قد توصل إليها، ولا يزال غامضاً بالنسبة لي مدى رضاه الحقيقي حول عمله الأخير، ولأي درجة سيحافظ على هذا المناخ الموسيقي أو سيبتعد عنه في العمل المقبل. لا أزال أطالب نفسي بأجوبة أكثر تحديداً عن هذه الأسئلة المصنفة بعبارة: لا أعرف. عندما أعود بتركيزي إلى قيس أتفاجأ بابتسامته التي غدت أكثر وضوحاً ومباشرةً هذه المرة، وأدرك أخيراً أنها ابتسامة شخص يقول ببساطة أنه لا يعرف أيضاً، لكنه مستمتع بالبحث.

مراجعة ألبوم يا عليم لـ البيت العشوائي.

إعلان

Leave a Reply