بدت من الخدر | أين ذهبت إيقاعات العباسيين

مقالات - كتابة: فادي العبد الله - ٢٠٢٦/٠٩/١٨
بدت من الخدر | أين ذهبت إيقاعات العباسيين
تحميل...

في مقالة سابقة، تتبعنا مسار ضرب المخمس في نحو ألف عام منذ العصر العباسي وحتى القرن العشرين. في هذه المقالة نسعى إلى توسيع الرؤية لما جرى لمختلف الإيقاعات العباسية القديمة، وكيف تحورت، وإلى محاولة استخلاص منطق وقواعد لفهم تركيب الإيقاعات والتغييرات التي تتعرض لها عبر الزمن.

يمكن التقاط الإيقاعات المستعملة في العصر العباسي في لحظتين مفصليتين قبل العصر الحديث:

ـ لحظة الصعود الإمبراطوري، بدءًا بكتابات الكندي ، التي يمكن لكتابات الفارابي وابن سينا وغيرهما أن تلقي ضوءًا عليها وتساعد في فهمها بشكل أفضل ،

ـ ولحظة الانهيار الأخير مع سقوط بغداد، وانتقال صفي الدين الأرموي من خدمة العباسيين إلى خدمة هولاكو ووجهائه.

ما قبل لحظة الكندي غير مدون، وبالتحديد الألحان العربية ما قبل لقاء العرب بموسيقات الروم والفرس وأهل مصر والعراق وغيرهم في العصر الأموي. هذا اللقاء هو ما نتج عنه أسلوب عرف بالغناء الحجازي الذي كان أبرز ممثليه لاحقًا إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق أو الغناء المتقن الموقّع على سبعة أو ثمانية إيقاعات. انتشر هذا الفن حتى الأندلس ، حيث كان الأمراء يقتنون الجواري المدربات في المدينة المنورة حتى فترة متأخرة من الحكم الإسلامي في الأندلس، عندما انتشرت أنواع أخرى من الموسيقى معتمدة على الشكل الغنائي الجديد، الموشح.

أما بعد لحظة الأرموي، فقد تنوعت الإيقاعات وتضاعفت أعدادها في المشرق العربي ومصر، ومن ضمن أسباب ذلك تأثيرات من آسيا الوسطى والأتراك والفرس . طالت الإيقاعات أيضًا كثيرًا وطالت الفراغات الصوتية ما بين نقراتها، فإيقاع سز ضرب، بحسب اللاذقي، هو من اثنين وثلاثين وحدةً زمنية لا تضرب منها إلا ثلاث نقرات، الأولى والتاسعة والسابعة عشر، فيكون بين نقرته الأخيرة وبين انتهائه ست عشرة وحدة، أما فتح الله الشرواني فيذكر إيقاع المئتين، وهو من مئتي وحدة زمنية

ما بين هاتين اللحظتين، ثم ما بين الأرموي واللحظة الثالثة أي زمننا، يمكننا أن نفهم أشكال تطور وتحور هذه الإيقاعات الأقدم، والنظر إلى ما بقي وما فُقد منها.

اللحظة الأولى | البدايات العباسية

في بداية العصر العباسي كانت الايقاعات الأساسية هي: 

ـ الهزج، وهو إيقاع متصل بحسب الفارابي، لا تنفصل نقراته المتكررة عن بعضها بفواصل متفاوتة الطول الزمني، كأن يكون مثلًا م ه م ه م ه، أو م ه ه م ه ه أو ما شابه. نستعمل هنا رمز م للنقرة وهاء للسكون، ولكل حرف منفرد وحدة زمنية واحدة، ولم يكن من تمييز في العصر العباسي ذاك بين النقرة الحادة والنقرة الجهيرة، أي ما صرنا نسميه التك والدم.

ـ الثقيل الأول، وخفيفه. 

الثقيل الثاني، وخفيفه، ويسمى أيضًا الماخوري. 

ـ الرمل، وخفيفه.

ليس الخفيف في الواقع إلا مسألة سرعة الإيقاع؛ حيث كانوا يميزونه عن الثقيل أي البطيء إذ يُعتبر عمومًا أن الخفيف ضعف سرعة الثقيل، أي إن ما كان يمكن تمثيله م ه في الثقيل سيصبح م فقط في الخفيف.

هذه باستثناء الهزج، إيقاعات منفصلة بحسب الفارابي، أي إن نقراتها تنفصل عن بعضها بأزمنة متفاوتة، فإذا أخذنا مثلًا إيقاع م م ه م م ه، فإن النقرة الأولى تبعد عن الثانية زمنًا واحدًا، هو زمنها، بينما تبعد الثانية عن الثالثة بزمانين زمنها وزمن السكوت.

ينقل الحسن الكاتب عن أقدمين لم يسمهم، أن الرمل كان يسمى ذا الزمن الواحد، والثقيل الأول بحسبه وبحسب مدرسة إسحاق الموصلي كان ذا الزمنين، والثقيل الثاني ذا الأزمنة الثلاث. المقصود أن الرمل في الأصل كانت به نقرتان بينهما زمن واحد، والثقيل الأول به ثلاث نقرات بينهما زمانان، والثقيل الثاني به أربع نقرات بينها ثلاثة أزمنة. كل ذلك قبل السكوت الذي يختم الدور (الطقم الإيقاعي) ويفصله عما يليه وهو ما يسمى بالفاصلة عند الفارابي.

باستقراء الكندي وإخوان الصفا والفارابي وابن سينا وغيرهم، يمكن اقتراح فهم هذه الإيقاعات على أنها تتابع رياضي، وبسبب تعدد التأويلات عند تحقيق هذه الرسائل في القرن العشرين، فإن مقارنتها بعضها ببعض، كما فعلنا، والتثبت من ذلك من خلال وصف الفارابي لها في إحصاء الإيقاعات يدل على التالي:

ـ الرمل: في الأصل (م ه) (م ه) (ه ه) أي إنه ثلاثي الوحدات، وقد انتشرت زخرفة مشهورة له بتضعيف النقرة الثانية؛ أي ضرب نقرتين في نفس الزمن، على ما يبدو أدت إلى حفظه كالتالي (م ه) (م م) (ه ه). من ثم كان خفيف الرمل عند الكندي (م) (م) (م)، وهذا اختفى لاحقًا، وكان خفيف الخفيف (م) (م) (ه)، وهو ما يبدو لنا إن اللاحقين سموه خفيف الرمل، وهو بالفعل أقرب إلى أصل الرمل كما ذكرنا.

ـ الثقيل الأول : (م ه) (م ه) (م ه) (ه ه)، إيقاع رباعي الوحدات، وخفيفه يمكن تمثيله بحذف هاء من كل منها فيصير (م) (م) (م) (ه).

ـ الثقيل الثاني : (م ه) (م ه) (م ه) (م ه) (ه ه)، إيقاع خماسي الوحدات، وخفيفه يمكن تمثيله بحذف هاء من كل منها فيصير (م) (م) (م) (م) (ه)؛ أو على الأقل هذا ما يقدمه الفارابي باعتباره أصل الإيقاع. أما صيغته المشهورة على ما يبدو فكانت بتسكين النقرة الثالثة فيصير (م ه) (م ه) (ه ه) (م ه) (ه ه)، ويصير خفيفه المسمى الماخوري (م) (م) (ه) (م) (ه)؛ وهذا حين يضرب بسرعة يولد دفقًا إيقاعيًا خاصًا، كونه إيقاعًا خماسيًا أعرجًا. على ما يبدو، كان يسمى هذا التنويع بطَي نقرة وتوليد دفق إيقاعي مخصوص بالتمخير.

ـ الهزج: كونه إيقاعًا متصلًا، فهنالك تفاوت في وصفه. عند الكندي على ما يبدو (م م) (ه ه) أو (م م) (ه ه) (ه ه)، بينما عند أبي عبد الله الخوارزمي والفارابي ما تتوالى نقراته متصلةً، أي يمكن أن تكون (م) (م) (م) إلخ، أو (م ه) (م ه) (م ه) إلخ أو (م ه ه) (م ه ه) إلخ. بينما يبدو عند الفارابي في كتاب إحصاء الإيقاعات مختلفًا بعض الشيء؛ فهو خمس نقرات وسكون، أي (م) (م) (م) (م) (م) (ه) أو مضاعفاتها، أي إبطاؤها. كما تبدو لنا السكتة الأخيرة مجرد محاولة لقطع استرسال الهزج وتحويله إلى إيقاع يمكن تحديد بدئه ونهايته بدلًا من الاستمرار دون تحديد.

بالمقابل، يبدو الهزج عند ابن سينا عودة إلى اعتبار الهزج الموصل، أي أن تتوالى نقراته على أزمنة متساوية، كأنها تأتي على شاكلة (م ه) (م ه) (م ه) مثلًا.

بذلك تكون الإيقاعات المذكورة على التوالي ثلاثيًا، ورباعيًا، وخماسيًا، وسداسيًا موصلًا ربما.

من الواضح إذًا أن لا علاقة اشتقاقية لأصول هذه الإيقاعات بالتفاعيل العروضية، فليس فيها أي إيقاع سباعي (مثل تفعيلات مستفعلن ومتفاعلن وتقليباتها)، ولا تتشابه إلا فعولن الخماسية مع الماخوري . يحذر الحسن الكاتب صراحةً من استعمال هذه الإيقاعات مع التفاعيل العروضية المشابهة لها، فهذا لا يكون إلا في الألحان غير المتقنة بحسبه. 

بل إن هذه الأصول الإيقاعية في الأصل ما هي إلا مجرد احتمالات رياضية للإيقاع: نقرة وسكون، أو نقرتان وسكون، أو ثلاث نقرات وسكون أو أربع نقرات وسكون.

اللحظة الثانية | الأرموي ونهاية العصر العباسي

تنبيه أولي وضروري

يمكن أن نقارن ما سلف بما ذكره الأرموي في ختام العصر العباسي عن الإيقاعات؛ وإن كانت الإشارة ضرورية إلى الاختلافات التي يمكن أن نجدها ما بين كتابيه الأدوار والرسالة الشرفية . لكن عرض كتابات الأرموي يستوجب الإشارة إلى اختلافين رئيسين حصلا في فترة القرون الأربع ما بين زمن الموصلي وزمن الأرموي:

ـ يتعلق فارق أساسي باختفاء مفهوم الفاصلة في رسالة الأدوار بعد أن كان الفارابي قد أدخله، وفي ظننا إنه كان مطابقًا لممارسة لحنية أقدم مرتبطة بالفصل بين شطري البيت الشعري أو بين البيت الشعري وتاليه، ولذا كان الفارابي يميز بين الفواصل الصغرى والوسطى والعظمى، والصغرى بين أجزاء اللحن والوسطى يغلب أن تكون بين شطري البيت، والعظمى بين البيت وتاليه. أي أنها كانت ممارسة تقطع تكرار الإيقاع (عدا الهزج، الموصّل) وانسيابيته، في الغناء الحجازي القديم على الأقل، بينما يبدو أن الإيقاع عند الأرموي تكرار مستمر للنقرات، فأصبح بإمكانه أن يمثل الإيقاع بشكل دائرة تدور وتستعيد الدور الإيقاعي مرة تلو الأخرى. على هذه الدائرة سيرسم الأرموي (أو نسّاخه) النقرات الإيقاعية والسكتات الفاصلة ما بينها.

ـ يتعلق فارق ثانٍ بتمثيل الإيقاع باستخدام الألفاظ مثل تن وتنن وتننن، أو بما يشابه الوحدات العروضية أي السبب والوتد والفاصلة بالمفهوم العروضي ، وتحويل هذه الألفاظ إلى أجزاء تشبه تفاعيل العروض؛ كتحويل وصف إيقاع يتكون من نقرة وسكون ثم ثلاث نقرات وسكون، إلى القول بأنه من سبب وفاصلة فإلى مفتعلن أو رسمه تن تننن. 

ينبغي التنبيه على التمييز بين استعمال إخوان الصفا وابن سينا لهذه الطريقة، حيث يكون لزومًا قبالة كل حرف متحرك نقرة، وبين استعمال الأرموي المتأخر، حيث يميز ما يسميه أعمدة الحركات (وهي مطالع السبب أو الوتد أو الفاصلة) وأعمدة السكون (وهي نهاياتها الساكنة) عما يكون بينها، حيث يكون هنالك اختيار للنقر أو للصمت. أي إن مفاعلن مثلًا عند ابن سينا ينبغي أن تكون (م م ه م م ه)، بينما يمكن عند الأرموي أن تكون مثلًا (م ه ه) (م ه ه) أو (م م ه) (م ه ه) إلخ. يمنع هذا الاختلاف التحويل الآلي بين الصيغة العروضية والصيغة النقرية ويتطلب باستمرار توضيحاً من الكاتب ، وهو أيضًا ما يجعلنا نخرج عن استعمال الميم والهاء للنقرات، لأن الممارسة الإيقاعية في ظننا باتت تنحو أكثر إلى تحديد حقولٍ إيقاعية، ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، تتضمن بداخلها مساحة أكبر للزخرفة ما بين أعمدة الحركات وأعمدة السكون.

زاد لاحقًا قصور النظام الذي يستعير هذه الأدوات المشابهة لتفعيلات العروض، عند استعمال الأجزاء العروضية كوحدات عد تحدد بداية النقرات اللازمة فقط، منفصلة تمامًا عن لزوم النقرات، بخاصة مع تطويل الإيقاعات وزيادة السكتات ما بين نقراتها. يمكن بذلك للاذقي أن يقول عن إيقاع جهار ضرب إنه من ست وتسعين نقرة لا تضرب منها إلا إحدى عشرة، وهذا ما يمنع استعمال الفاصلة كحقل إيقاعي فعلًا لأن السكتات بين النقرات باتت أطول من ثلاث. أدى هذا الانفصال، مضافًا إلى بدايات التمييز بين الدم والتك ، إلى إهمال تام لاستعمال الوحدات العروضية في تمثيل الإيقاع لأنها لا تفي بتوضيح الفارق بين الدم والتك، فضلًا عن أن فكرة لزوم أعمدة السكون سقطت أيضًا ودخلت إمكانية استعمال نقرات زخرفية بدلًا منها على ما نرى.

إيقاعات أرباب الصناعة عند العرب بحسب الأرموي

يبدو لنا إن الوحدات التي يذكرها الأرموي هي في واقع الحال حقول إيقاعية يتركب منها الإيقاع، فالشعور بالإيقاع ينتج عن تكرار ظاهرة صوتية بشكل منتظم، وأبسط أشكاله تكرار ثنائي مثل (م ه م ه) أو ثلاثي (م ه ه) أو رباعي (م ه ه ه)؛ إذا ضربنا صفحًا عن النقرات الزخرفية التي يمكن إضافتها داخل هذه الحقول الإيقاعية. تنتج الإيقاعات المركبة عن إضافة بعض هذه الحقول إلى بعض آخر، ومن أبسط أشكال ذلك إضافة حقل ثنائي إلى حقل ثلاثي فينتج إيقاع خماسي مثل (م ه ه م ه)، أي يمكن أن نكتب حقوله بالأرقام ٣٢ (وسنكتبها دومًا من اليسار إلى اليمين) أو تنويعًا عليه (م ه م م ه)، أو حقل ثلاثي إلى حقل رباعي فينتج إيقاع سباعي مثل (م ه ه م ه ه ه) أي ٣٤؛ وهذا ما ينتج عنه مثلًا إيقاع النوخت في زمننا (دم إس تك) (دم إس تك تك) إذا اعتبرنا التكات زخارف … إلخ

بناءً على ذلك يورد الأرموي الإيقاعات على الشكل التالي:

الثقيل الأول: وتدان وفاصلة وسبب وفاصلة، أي حقلان ثلاثيان ثم رباعي ثم ثنائي ثم رباعي أي ٣٣٤٢٤، ويذكره في الشرفية بالشكل العروضي أي مفاعلنْ فَعِلن مفتعلنْ، إلى جانب أشكال أخرى من العرض؛ ويذكر في الأدوار أن ضرب أصله يكون على بداية الفاصلتين (بالمعنى العروضي) فكأنه أصلًا (٤٢) (٤٣٣) أي ٣٥ مضاعفة إلى ستة وعشرة. يذكرنا وجود الحقل الخماسي هنا بالثقيل الثاني الخماسي عند الكندي، لكن أضيف إليه حقل ثلاثي يجعله مساويًا في الطول للثقيل الثاني .

الثقيل الثاني: ويكون عنده على تنن تنن تنْ تنن تنن تنْ أي وتدان وسبب ثم يتكرر، أو ٣٣٢ مرتين، ويورده في الشرفية بالصيغة العروضية على مفاعلاتن؛ ويذكر في الأدوار إن ضرب أصله على النقرة الأولى والنقرة الثالثة عشر، فكأنه أصلًا حقل من اثنتي عشرة نقرة ثم حقل من أربعة، أي بالاختزال، وهو أن نعيد الإيقاعات المطالة إلى أصولها الأقصر، ٦٢ أو حتى ٣١، ما يعيدنا إلى الثقيل الأول في حسابات الكندي ومن تلاه، أي ثلاث نقرات وسكون . في ظننا أن الأرموي تأثر في التسمية بمدرسة إبراهيم بن المهدي وإخوان الصفا حيث انقلبت تسميات الثقيلين بالمقارنة مع الموصلي.

خفيف الثقيل: على ما يبدو خفيف الثقيل الثاني (في مدرسة ابن المهدي) أي خفيف الثقيل الأول (في مدرسة الموصلي) وهو في الأدوار: تنْ تننن تَنَ / نَن تننن تَنَ، أو م ه م م م ه م م / م ه م م م ه م م. يذكر أنه يسمى أيضًا المخمس، أما في الشرفية فيورده على إنه فعلن، أي م م م ه، فتعود لتظهر النقرات الثلاث ثم السكون.

في الواقع هو يرجع عن التكرار الذي ذكره في الأدوار، حيث يبدأ الإيقاع مما يوازي لنْ في فعلن، إلى الوحدة الأصغر، وهي التي يظهر فيها إنه خفيف الثقيل الأول بحسب الكندي والموصلي، ويوضح آخرون إنه يسمى المخمس عندما تسكّن نقرته السادسة فتنقر منه خمس نقرات فقط، ومن هنا اسمه .

إيقاع الرمل (دور الأصل) بحسب كتاب الأدوار للأرموي
إيقاع الرمل (دور الأصل) بحسب كتاب الأدوار للأرموي

الرمل: يورد الأرموي في الأدوار ثقيل الرمل الذي يبدو تنويعًا على الرمل مضاعفًا قد يكون تناول الرمل نفسه أوضح، فهو عنده ستة أسباب ومنهم من يدرج نقرة السبب الأخير فيجعلها سكونًا، أي تن تن تن تن تننن، أي خمس نقرات وسادسة ساكنة أو م ه م ه م ه م ه م ه ه ه، ما يسمى الهزج عند الفارابي. لكن ضرب الأصل منه بحسب الأرموي النقرة الأولى والخامسة، فكأنه أصلًا حقل ثماني ثم حقل رباعي أي ٨٤ أو بالاختزال ٤٢ وهو نفس ٢٤ مزاحًا، والذي ينتج عنه (م ه) (م ه) (ه ه)، أي الرمل في صيغته الأصلية كما أوردها الفارابي. 

بكلام آخر، يبدو إن نقرتي الأصل هنا أيضًا نقرتا بدء الإيقاع القديم وبدء فاصلته، حيث أن ما كان يسمى دور الإيقاع (أي بدون احتساب الفاصلة) في الرمل كان م ه م ه (٤) وفاصلته كانت ه ه (٢).

أما الصيغة الأشهر من الرمل في فترة الموصلي أي (م ه) (م) (م) (ه ه) فيمكن كتابتها ٤٢٢٤؛ وهو ما نجده واردًا تحت تدوين صوت “على صبكم” في بعض نسخ كتاب الأدوار باعتباره تجزئة إيقاع الرمل.

بالمقابل، في الرسالة الشرفية يبدو الرمل في أغلب الحالات إزاحات من ٤٢٢٤ أو ٢٢٢٢٤، وثقيله تنويع على ذلك.

يورد الأرموي خفيف الرمل في الأدوار على إنه من عشر وحدات زمنية، ويقول إن دوره مساوٍ لدور الهزج مع أن هذا الأخير سداسي، لكنه صحح ذلك الخطأ (على ما نحسب) في الرسالة الشرفية، حيث يذكره على أنه سبب وفاصلة، أي ٢٤.

جلي أن التتابع ٢٤ أو ٤٢ قد ينتج عنه تصور لحقل سداسي، أي أنه أحد أشكال مضاعفة الحقول الثلاثية.

يذكر الأرموي أيضًا في الرسالة الشرفية أول مثال على ما نرى على تطويل الإيقاعات جدًا وزيادة السكتات ما بينها، أي ما يسميه مضاعف الرمل وينسبه للفرس، ويقول إنه من أربعة وعشرين نقرة المنقور منها الأولى والتاسعة عشر؛ فيكون مضاعف الرمل هذا في أصله ثلاث مرات مدة فعلاتن ثم فعلاتن إضافية، حيث لا تبدو بعض الإيقاعات آنذاك وبعده إلا عزف أكثر من دورٍ من الصيغة الأصلية دون الاحتياج بالضرورة إلى كسر التناظر، كما سيحصل لاحقًا في إيقاعات العرب.

أما الهزج في كتاب الأدوار عنده فيبدو تتابعًا من النقرات تن تن تن تن تن تن وكل دورين منه بإزاء دور من الرمل على ما يقول، أي إنه سداسي إذا كان الرمل اثني عشري، وضرب أصله عنده الأولى والرابعة، فهو إذًا مؤلف من حقلين ثلاثيين ٣٣، وهو ما يربطه مجددًا بالرمل. بينما في الشرفية يذكره على إنه تتابع من الأوتاد، أي تنن تنن تنن تنن إلخ، فيكون في هذه الحالة حقلًا ثلاثيًا متكررًا، ما يقربه مجددًا من الرمل.

كذلك يضيف الأرموي إن للفرس إيقاعات مختلفة، يذكر منها الفاختي، ويرسمه على أنه من حقلين رباعيين يتوسطهما حقل ثنائي ٤٢٤، وأورده أيضًا في الشرفية. كما ذكره آخرون بإزاحات مع الاحتفاظ بنفس الحقول، كأنه ٢٤٤ على ما سنرى أدناه. لا يخفى أن ٢٤٤ تقطيع الماخوري القديم، أي خفيف الثقيل الثاني في صيغته القديمة قبل أن تضاف إليه لاحقًا فاصلة ثلاثية لربط الثقيلين. لذا يبدو لنا إن الفاختي (وكُتب لاحقًا فاخت وفاخته)، وإن كان منتشرًا بين الفرس، على علاقة بالماخوري الأعرج القديم، ويضيف في الرسالة الشرفية الفاختي الزائد مضيفًا إليه حقلًا رباعيًا أخيرًا فأصبح ٢٤٤٤

إذا انتقلنا من زمن الأرموي إلى زمننا لأمكننا أن ننظر في مسألة تحول الإيقاعات المعروفة وتطور أشكالها. لكن ما سلف يمنحنا أمثلةً ولمحةً أولى، أوردناها ضمنًا على قواعد التحولات مثل الإزاحة والمضاعفة والزخرفة التي يمكن للحقول الإيقاعية أن تتعرض لها، والتي ينبغي أن نناقشها صراحةً قبل أن نخوض في تتبع الإيقاعات بعد الأرموي.

لمحة عن قواعد التحولات في البنية الإيقاعية

القاعدة الأولى التي ينبغي الإشارة إليها هي أن إبطاء الزمن أو مضاعفة العد لا تغير لوحدها من طبيعة الإيقاع، فإذا عددنا إيقاعًا مثلًا على إنه ثلاثي بطيء، مثل (م ه) (م ه) (ه ه) على إنه ثلاثي أو إنه سداسي، لا يغير شيئًا في بنيته الاصلية، مثلما أن تسريعه أيضًا إلى (م) (م) (ه) لا يغير هذه البنية. بالتالي لا فرق بنيويًا بين أن نعد إيقاعًا ما على أنه ٣٤، أي من حقل ثلاثي ثم حقل رباعي، أو على إنه ٦٨، أي حقل سداسي ثم حقل ثماني.

أما القاعدة الثانية فهي مسألة الازاحة. إذ حين أصبح الإيقاع متكررًا دائريًا لم يعد من فرق جوهري بنيوي بين أن نكتبه ٢٣٤ أو ٣٤٢ أو ٤٢٣، فهذه مجرد إزاحات لنقطة البدء بالعد، بينما ٢٤٣ سيكون مختلفًا. تصدق هذه الملاحظة خاصةً أن شرّاح الأرموي ابتدأوا بالإشارة إلى إمكانية الشروع في الغناء قبل أو بعد أو مع الدخول في الإيقاع، بالتالي انفصلت الدائرة الإيقاعية سريعًا بعد زمن الأرموي عن ضرورة البدء من البداية النظرية للإيقاع، التي يبدو إنها كانت القاعدة في زمن إسحاق الموصلي وقد بدأت بالتلاشي قبل الأرموي.

تتعلق القاعدة الثالثة بمسألة انقسام الحقول، بداخلها، عند مضاعفتها وإمكانية إرجاعها إلى أصلها. إذ أن تحويل أسلوب عد إيقاع من ٣٤ إلى ٦٨ قد ينتج عنه إمكانية تقسيم هذه الحقول التي تنبه السامع الآن إلى طولها داخليًا فيمكن أن يكتب هذا الإيقاع الأخير ٦ (٤) (٤) أو (٣٣) (٤٤) أو (٤٢) (٤٤). يمكن أيضًا أن نعيد الإيقاعات المضاعفة الطويلة إلى أصولها الأبسط بالاختزال، لا سيما أن الغالبية العظمى من الإيقاعات التي استمرت طويلًا ستعتمد ضرب الدم في مطلع الحقل الايقاعي ، فالمضاعفة تسمح بإمكانيات تنويع جديدة، بينما الاختزال يسمح باستكشاف البنية الأصلية التحتية.

كذلك ينبغي أن نذكر احتمال التصدير والاستتباع، فالاستتباع يعني أن يكون أحد الحقول أقوى من الحقل الآخر ]، فحين كان لدينا إيقاع نوخت مثلًا ٣٤ نرى أن النقرة الأقوى هي بدء الحقل الرباعي، وهي التي منها سيبدأ اللحن فعليًا، بينما يسبقه غالبًا دخول بعد مطلع الحقل الثلاثي وقبل بدء الحقل الرباعي وهذا الدخول قبل النقرة الأقوى، أي استباقها هو ما يمكن أن نسميه تصديرًا؛ والاصطلاح موجود منذ أيام ابن سينا للإشارة إلى دخول نغمي قبل الإيقاع. مثلًا تقع لفظة جل في مطلع موشح جل من قد صاغ بدرًا على النقرة الأخيرة من الحقل الثلاثي في إيقاع النوخت، فتكون تصديرًا، بينما النقرة الأقوى هي مطلع الحقل الرباعي التي تقع عليها لفظة من.

من تأثير التصدير والاستتباع عمليًا فك حقول طويلة، لا سيما عند مضاعفتها، فيتحول إيقاع ٨٤٨ مثلًا إلى ٨٤(٦٢) ثم إذا تعرض للإزاحة للبدء بالتصدير، فينفك الحقل الثماني الأخير إلى سداسي فثنائي. بهذا سيصبح سطحه الظاهر ٢٨٤٦ أي حقل ثنائي ثم ثماني ثم رباعي فسداسي، أو قد ينفك إلى ٢٦٤٨، أي فك الحقل الثماني الأول إلى ثنائي فسداسي . كذلك قد أشرنا أنه من الشائع قسمة الحقل الثماني إلى حقلين رباعيين .

الإزاحة والانقسام عند المضاعفة وكذلك التصدير هي العوامل الأساسية التي ينشأ عنها شكل جديد للإيقاع، والذي قد يصير ضربًا خاصًا منفصلًا عن أصله وإن كانت بنيته العميقة لا تزال تحمله.

أخيرًا علينا أن نذكر من جديد بأن الزخرفات أو الحشو داخل الحقول الإيقاعية ليست أساسية، وكثيرًا ما يختلف الكتّاب عليها، فيدوّن البعض مثلًا مطلع إيقاع المربع دم تك إس، ويكتبه آخرون دم تك تك ، مثلما يورده بعض آخر تك تك إس ؛ وليس بينها اختلاف جوهري.

إذا ما تنبهنا إلى قواعد التحولات هذه، أمكننا متابعة الإيقاعات العباسية وما جرى لها عبر القرون، بخاصة إذا تنبهنا إلى إمكانية انفصال الأسماء عن مسمياتها وانتقال الاسم او المسمى إلى ضرب آخر من الإيقاع.

اللحظة الثالثة | الإيقاعات العباسية من زمن الموصلي إلى زمننا

لفترة طويلة، على ما يبدو، بقيت الإيقاعات عمومًا مشتركة في الفضاءات الفارسية والتركية والعربية المشرقية للنظام الايقاعي في زمنه حيث تبرز إيقاعات وأسماء وطريقة وصف لا تشبه الكتاب الآخرين؛ وبدءًا من القرن السابع عشر على ما يبدو بدأت تحورات كثيرة في الفضاء الفارسي، ما أدى إلى عدم استقرار الإيقاعات المدونة في الفترة نفسها عندهم . سنلاحظ هذا في ما يلي.

١. الثقيل الأول وتحولاته 

كان الثقيل الأول بحسب الكندي والفارابي من ثلاث نقرات ثم سكون (م ه م ه م ه ه ه)، وهو ما صار عند الأرموي اسمه الثقيل الثاني، اعتمادًا على ما نرجح على مدرسة إبراهيم بن المهدي. تغير هذا أيضًا وصار على الشكل التالي ٣٣٢٣٣٢، مع نقرات أصله على الزمن الأول والثالث عشر بحسب قوله كما أسلفنا، ونقرتا الأصل، ما يربطه بأصله القديم .

ليس معروفًا سبب الانتقال إلى هذا التقسيم الداخلي الذي أثبته الأرموي، فقد تكون الإيقاعات الأصلية بالغة الطول فقرروا حشوها بتقسيم أصغر للوحدة الزمنية، فتصير الواحدة القديمة تساوي أربعًا، أو بالعكس، إنهم قرروا إبطاء الإيقاع ليتسنى لهم زمن كافٍ لتقسيمه على وحدات أكثر. على كلٍ، يسمح الاختزال بالعودة إلى النقرة الأقدم باعتبارها مطلع حقل إيقاعي بذاتها.

لم يتبق أي عمل من ضرب الثقيل على ما وصلنا من الموشحات العربية المشرقية من تسجيلات القرن العشرين ، وفي الفضاء الفارسي والتركي صار نصف هذا الثقيل، أي ٣٣٢ هو ما يعرف آنذاك بالمخمس، وظلت آثاره بارزة حتى اليوم في نهاية المخمس التركي المختلف عن المخمس العربي بأشكاله المتنوعة. 

الحق إن هذه القسمة أي ٣٣٢ نجدها أيضًا داخل إيقاع الوحدة المشرقي وهو دم إس إس / تك إس إس / تك إس سريعة، حيث أن إيقاع الوحدة في شكل ما تحور عن الثقيل الأول الموصلي.

أما خفيف الثقيل الذي يورده الأرموي تارة بصيغة فعلن وتارة تنْ تَنَنَن تنْ فهو ما صار المخمس العربي كما ذكرنا من قبل لاحتوائه على خمس نقرات، أو ما صار خمسة حقول إيقاعية (تنْ/تَ/نَ/نَنْ/تَن) وبمضاعفتها يصير ٤٢٢٤٤ وهو نفس المخمس المستعمل في مصر والشام، شرط البدء به من حقله الثنائي أي ٢٢٤٤٤ في الممارسة الشائعة. نسمعه مثلًا في موشح لما بان حبي الغضبان.

أي إن المخمس بشكليه التركي والعربي القديم والحديث منحدر من الثقيل الأول بشكليه الأصلي البارز في خفيف الثقيل عند الأرموي أو المتحور، الذي يسميه الأرموي الثقيل الثاني.

نتج عن خفيف الثقيل أيضًا إلى جانب المخمس إيقاع يسميه الشيرازي خفيف مشهور، وهو تنويع على خفيف الثقيل؛ فبدل أن يكون مزاحًا من تن تننن تن إلى تن تن تننن مرتين، أي ٢٢٤ مرتين، دخلت قسمة على الحقل الرباعي إلى واحد وثلاثة، فتبدو أزمنة الخفيف المشهور عنده ٢٢١٣٢٢٤.

الخفيف، في كتاب عثمان الجندي
الخفيف، في كتاب عثمان الجندي

إذا ما قارناها بالخفيف المصري الذي يمكن أن نعثر عليه بعد ما يدنو من ستة قرون عند المصري عثمان الجندي، لوجدنا الخفيف (والتقطيع إلى حقول منا، للإيضاح، وكذلك زيادة السكتة الأخيرة):

تم تم / تك تك تك / تم تم تك / تم تك / تم تك تك تك / تم (إس)

ويمكن استقراؤه ٢٣٣٢٤٢، فكأنه ٢(٢١)٢(٢٢)٢، لنجد إنه لا يبتعد كثيرًا عن الخفيف المشهور القديم لدى الشيرازي أما العمل العربي الوحيد المتبقي على هذا الإيقاع فهو موشح إن الهوى قضى الذي سجله بكري الكردي، لكن الايقاع فيه غير واضح. 

٢. الثقيل الثاني وتحولاته

الثقيل الثاني بحسب الكندي والفارابي بالأصل إيقاع خماسي، صيغته الأكثر شهرة وشيوعًا م ه م ه ه ه م ه ه ه، أو ٢٤٤، وقد رأينا وجود حقل خماسي في أصل ما يسميه الأرموي الثقيل الأول إشارةً على الأرجح إلى أصل هذا الإيقاع قبل أن يضاف إليه حقل ثلاثي. 

من هذا الإيقاع في أصله تنحدر في رأينا أصناف من الإيقاعات مثل الثريا أو الأقصاق التركي على شكل دم إس تك إس تك، فإذا بدأ به من التك الأخيرة لكان من نقرتين فسكون ثم نقرة فسكون أي تك دم إس تك إس، ما يطابق تمامًا الثقيل الثاني الأصلي لو ضربنا صفحًا عن التمييز بين الدم والتك.

كذلك يأتي الفاختي على ٢٤٤ أو تحوراته، وسنعود إليه أدناه، وفي ظننا ليس فارسيًا بخلاف ظن الأرموي، بل لعله الاسم الذي أطلق على الثقيل الثاني هنالك لتشابهه مع صوت طير الفاخت بحسب ما أورد إخوان الصفا في رسالتهم عن الموسيقى.

أما تحور الثقيل الثاني في فترة الأرموي، أي ما يسميه هو الثقيل الأول، بدأ يسمى من عهده بالورشان ، وهو أيضًا اسم طائر على ما يبدو. أسلفنا إن تقسيمه ٣٣٤٢٤ وسيستمر على نفس التقسيم وصولًا إلى الورشان المشرقي المعروف، وينبغي تمييزه عن البرفشان الذي يورده عمر البطش في جنكه والورشان التركي حيث تختلف التقسيمات قليلًا. 

الثقيل الأول عند الأرموي، وهو الورشان
الثقيل الأول عند الأرموي، وهو الورشان

الورشان مثلًا في كتاب مؤتمر الموسيقى العربية الأول بحسب أهل المعهد في مصر (والتقطيع منا):

دم إس إس إس إس تك إس / دم إس إس إس تك إس / دم إس إس إس تك إس تك إس / 

دم إس دم دم / تك إس إس إس تك إس تك إس

أي ٦٦٨٤٨، فإذا اختزلنا السكتات لكان ممكن أن يكتب:

دم إس تك / دم إس تك / دم إس تك تك / دم دد/ تك إس تك تك

دد أي اختزال دم دم تُعد زخرفية، لكن البنية تظل جلية ٣٣٤٢٤، أي بالضبط الثقيل الأول عند الأرموي. يمكن سماعه مثلًا في تسجيل الشيخ سيد الصفتي لموشح قاتلي بغنج الكحل   

يمكن أن نجد صدى لنفس التقسيم إذا ما ضاعفنا إيقاع البطايحي المستعمل في تونس، الذي يختلف عن المستعمل في الجزائر والمغرب، لإبراز قسمته الداخلية، فيعدونه على أربعة أزمنة، لكن للإيضاح نجعله على ستة عشر: دم إس إس / تك إس إس / تك إس إس إس / دم إس / تك إس إس إس.

في ظننا أن أحد تحورات الورشان أنتج أيضًا إيقاع الستة عشر نقرة بصيغته المعروفة الحالية وتقسيمه ٢٢٢٣٣٤ منذ وصفه لنا علي بن عبيد الله السيلكوني في مطلع القرن السادس عشر بأنه ثلاثة أسباب ووتدين وفاصلة، أي التحور من خلال البدء من الحقل الثنائي في الورشان وتقسيم حقله الرباعي الأخير إلى حقلين ثنائيين. تُجدر الإشارة إلى أن لا فارق حقيقي بين صيغ الستة عشر المختلفة المصري والحلبي الواردة في كتاب المؤتمر أو في جنك البطش مثلًا، فاختلافاتها زخرفية محضة. 

الورشان مستعمل في عدد من الموشحات مثل القسم الثاني من بدت من الخدر والترنم في يا ليلة الوصل وفي نرى العقد الذي سجله الشيخ الصفتي؛ ونسمعه هنا في شرح تعليمي من الأستاذ عادل شمس الدين في صيغة مضاعفة، كأن نقول دم إس تك إس، بدل القول دم تك، ويعني ذلك أن عده يصير على اثنين وثلاثين نقرة، لكن بنيته هي نفسها في الواقع.

ثم هناك صنف أخير من الإيقاعات يشابه الثقيل الذي يسميه الأرموي الأول، فإذا كان باعتبار نقرات أصله مكونًا من حقلين خماسي وثلاثي، أو من الثقيل الآخر إذا دمجناه على الشكل التالي ٣(٣٢)، فإنه يشابه عددًا من الإيقاعات الموجودة عندنا اليوم مثل الدويك والمصمودي ؛ إلا أن ليس لدينا أدلّة تربط ما بين هذه الإيقاعات والثقيل العباسي باستثناء المشابهة في الحقول.

فرضية عن ارتباط الثقيلين والبطايحيين

قدمنا ما سبق بناءً على ما اعتمده الأرموي في رسالتيه، على إن ملاحظة له، في كتاب الأدوار تسمح بعرض فرضية إضافية، لا تتنافى بالضرورة مع ما سبق. إذ يذكر الأرموي أن البعض يسمي الثقيل الثاني خفيف الثقيل ويسمي خفيف الثقيل بحسب الأرموي الثقيل الثاني ، وحجتهم إن دورين من ٣٣٢ يساويان دورًا من الثقيل الستة عشري ٣٣٤٢٤ الذي صار فيما بعد الورشان والبطايحي التونسي كما أسلفنا، وإنه يوقَّع بسرعة حتى إن من قد يوقع خفيف الثقيل (تننن) معه قد لا يلحق به.

تعني هذه الملاحظة إن الثقيل الأول الستة عشري والثقيل الثاني الثماني متعلقان ببعض، فيكون ٣٣٤٢٤ و٣٣٢ في البنية الأعمق واحد. يفترض هذا القول إن الثقيل الأول في زمن إسحاق قد تحول من ثلاث نقرات وسكون إلى ضرب من ثمانية أزمنة في ثلاثة حقول ثلاثيان وثنائي، أي ٣٣٢، وبالمضاعفة تحول إلى ٦٦٤ فانشطر حقلاه السداسيان، منعًا للتكرار، مرة إلى ثلاثيين، ومرة إلى رباعي فثنائي. 

مع انتقال تسمية الثقيل الثاني بحسب إسحاق إلى الفاختي، بقيت ذكرى الحقل الخماسي حاضرة في افتراض نقرات الأصل، بينما كان الثقيلان في الواقع يلتقيان في ضرب واحد ٣٣٢، يحتفظ بشكله هذا عندما يؤدى بسرعة، بينما سمحت إطالته بتقسيم مختلف له إلى ٣٣٤٢٤ عندما اعتبر ستة عشريًا. 

من نتائج هذه الفرضية ربط البطايحي التونسي ٣٣٤٢٤ بالبطايحي المستعمل في طرب الآلة المغربي وينقسم إلى ٣٣٢، واعتبار ارتباطهما معًا بالثقيل الأول العباسي الأقدم وتحولاته اللاحقة. 

٣. الرمل وتحولاته

تحول الرمل القديم كما أسلفنا من (م ه) (م ه) (ه ه) إلى (م ه) (م) (م) (ه ه)، ما أصبح في زمن الأرموي متشعبًا، فبعضه بحسب ما رأينا من الهزج، خمس نقرات ثم سكون، وبعضه يقبل تقسيمًا ٤٢٤٢ أو ٤٢٢٤، حيث يمثّل الحقل الرباعي الأخير الفاصلة القديمة بتعريف الفارابي، أي زمنا السكون الأخيرين؛ بينما يشير الحقلان الثنائيان إلى النقرتين القصيرتين في المنتصف على ما يرد في بعض نسخ كتاب الأدوار.

تجتمع هذه الصيغ كلها على كونها ثلاثية في الأصل، تذكر بإيقاع السماعي الدارج والطائر والسربند بأشكالها المختلفة ومنها دم تك تك دم تك إس ، أو دم إس تك. أما الخلعي فأورده في الموسيقى الشرقي على شكل دم تك دم تك تك إس، أي ٢٤.

استعمل الرحابنة مثلًا أحيانًا إيقاعًا من دمين وسكون، أي دم دم إس، المشابه أيضًا لأصل الرمل القديم.

كما يبدو لنا أن لهذا الرمل في صيغته المنقسمة إلى حقول ثنائية ورباعية علاقة أيضًا بايقاع المدور في صيغته الاثني عشرية (هنالك صيغة أخرى عشرية)، وتدون غالبًا بالبدء من التك الأخير؛ ولعل هذا سبب التسمية بالمدور، غير إننا سنقدمها للإيضاح بالبدء من الدم الأول:

دم إس تك إس / دم دم / دم إس إس إس / تك إس. أي ٤٢٤٢؛ ومن أشهر الأعمال عليه موشح فيك كل ما أرى حسن. 

من الرمل القديم الثلاثي تفرع الرمل القائم على اثنتي عشرة وحدة زمنية، وثقيل الرمل أو مضاعفه وما عرف بعد ذلك بأنه إيقاع الأربعة وعشرون، الذي كان لا يزال موجودًا حتى زمن البطش وتقرير مؤتمر ١٩٣٢، وهو غير مستعمل. بينما انتقل اسم الرمل إلى أنواع شتى من الضروب الإيقاعية، وفقد تدريجيًا ارتباطه بأصله الثلاثي، ليظهر مثلًا في تقرير ديرلانجيه في كتاب المؤتمر وفي جنك البطش على إنه من ٢٨ وحدة زمنية، ويذكره علي الدرويش في شكل رمل تركي من ٥٦ زمنًا، ولعله متولد عما يذكره الشيخ محبوب سيدي (الأناضول، القرن ١٥) إنه رمل قصير من ١٤ زمنًا، بينما الرمل الطويل عنده من ١٨ زمنًا، رغم وجود رمل اثني عشري كالمتوقع.

٤. الهزج وتحولاته

نلاحظ التباس الهزج منذ بداية التدوينات العربية حول الإيقاع، فالهزج ) متفاوت بين أن يكون نبضًا متصلًا ، وبين أن يكون تنويعات على هذا النبض المتصل.

بافتراض أن الهزج تواصل النقرات على نسق م م م، ومضاعفاتها م ه م ه أو م ه ه م ه ه، أو تضعيفاتها مثل م م ه ه م م ه ه إلخ، فإننا سنجد ما يشابه هذا الهزج في ما أسماه فتح الله الشرواني ضرب البيشرو ؛ تننن أي رباعي تنقر منه التاء الأولى ويطرح الباقي فيكون م ه ه ه.

البيشرو بحسب فتح الله الشرواني
البيشرو بحسب فتح الله الشرواني

يشابه هذا إلى حد ما ما يسمى في كتاب المؤتمر الوحدة السائرة و نظيرتها المكلفة. في ظننا يرجع سبب تسمية الوحدة أو الواحدة إلى كون هذا الإيقاع أحادي الحقل، حقل ثنائي أو رباعي متكرر، وليس ببعيد عن الصوفيان التركي والشامي، وكما يورده محمد ذاكر بك دم إس تِ كا، وله صيغ مزخرفة أخرى، غير إنه يعود إلى كونه حقلًا رباعيًا متكررًا مع زخرفات.

نجد أيضًا صيغة ملفتة للهزج عند الأرموي في الرسالة الشرفية حيث تنن تنن تنن إلخ، أي إنه إيقاع ثلاثي، على نفس صيغة إيقاع الرمل في الأصل. إن الرمل كان قد استطال في زمن الأرموي إلى اثنتي عشرة نقرة وفقدت صيغته البسيطة اسمها الأصلي وأُلحقت بالهزج، وقد رأينا من قبل الشبه بينهم. نجده أيضًا في هراة، في الحقبة التيمورية في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، إذ يذكر برجوادي إن علي شاه أوبهي يورد إيقاعًا يسميه هزجي ـ شنبر وبنيته ٤٢٤٢، أي حقلين سداسيين (مثل الرمل مكررًا)، أو فاخته عشريًا زائدًا حقلًا ثنائيًا، ما ارتبط لاحقًا بالشنبر كما سنرى أدناه.

أما ما عرف في القرن العشرين باسم إيقاع الهزج، فلا يبدو مرتبطًا بالفعل بأصل هذا الإيقاع، فيورد لدى البطش وفي كتاب المؤتمر على ٢٢ زمنًا.

٥. الفاختي وتحولاته

يبدو أن تسمية الفاختي أتت نسبة لطائر يسمى الفاخت (بحسب إخوان الصفا) وصوته يشابه إيقاعًا بحسب قولهم الإيقاع الخماسي المسمى عند الموصلي بالثقيل الثاني، وعندهم بالثقيل الأول على مذهب ابن المهدي، أي م ه م ه ه ه م ه ه ه ويوردون صوته على إنه يشابه “ككوكو”. إذ ينسب الأرموي الفاختي إلى الفرس فإننا نرى أنه كان موجودًا باسم عربي قبل الأرموي بأربعمائة سنة، ولا يسعنا بالطبع القطع بالأصل الأقدم الذي ربما كان فارسيًا أو لم يكن. 

عُرف سريع الثقيل الثاني بحسب إسحاق بالماخوري، م م ه م ه، ويبدو لنا أنه ما سُمي في الفضاء الفارسي في الحقبة التيمورية بالفاخته الصغير، بينما كان الفاخته الأوسط على عشرة أزمنة والكبير على عشرين . ينتج ذلك كله عن قسمة واضحة إلى ٢٤٤ التي ستظل مستمرة بهذه الصيغة أو على الشكل ٤٢٤ لفترة طويلة في كل المصادر العربية والفارسية والتركية

تنبغي أيضًا الإشارة إلى ما أسماه الأرموي بالفاختي الزائد، وهو على الشكل التالي ٢٤٤٤، وهو نفس تقسيم إيقاع المحجر. غير إننا لا نجد دليلًا مباشرًا يربط المحجر بهذا الإيقاع، وشهاب الدين العجمي لا يفسر أصل اسم إيقاع المحجر عنده وهو على ٢٨ زمنًا. ليس لدينا ما يفسر اسم هذا الإيقاع، سوى أن اسم المحجر ربما كان في الأصل المحجل الذي نجده عند اللاذقي من ست وخمسين نقرة، أي أربعة أضعاف الأربعة عشر، غير إن العلاقة هنا ليست واضحة تمامًا.

نجد لاحقًا الفاختي أو الفاخته عند الأتراك على الشكل التالي كما دونه حوالي ١٦٥٠ علي أفقي بالنوطة الإفرنجية، ما يعادل التقسيم منا لإيضاح الحقول ٢٤٤:

دم إس / تك إس إس إس / دم تك تكه تكه

وهو على الأرجح الحال في الفضاء الفارسي ، كما يرد في المخطوط العربي راح الجام لعسكر الحنفي الحلبي، سنة ١٦٧٢ كالتالي: دم تك دم تك تكه تكه (حيث ينبغي إضافة السكتات)، وهو على ما نرجح مطابق لعلي أفقي.

الفاختي من راح الجام
الفاختي من راح الجام

تحور الفاختي لاحقًا عند الفرس والأتراك (وسنعود إليه أدناه) على الأرجح في نفس الوقت عند منعطف نهاية القرن السابع عشر، متغيرًا من ٢٤٤ إلى ٢٣٣٢. 

الفاخته الحلبي والمصري، بتدوين عمر البطش
الفاخته الحلبي والمصري، بتدوين عمر البطش

أما عند العرب فشهد الفاختي تحورين. في الأول، وهو الأقدم على ما نحسب انتقل من ٤٢٤ إلى ٨٤٨، وشهد اعتياد البدء من الوحدتين الزمنيتين الأخيرتين فيه، فيصبح ٨٤٦٢ ومنها بالتالي ٢٨٤٦؛ وهو ما بقي في بلاد الشام على الشكل التالي ، تحت اسم الفاخته الحلبي بحسب ما يذكر عمر البطش (والتقسيم منا): 

دم تك / دم دد تك إس تك إس تك تك / دم إس تك تك / دم تك تك إس تك تك

أي ٢٨٤٦ كما أسلفنا. يذكر علي الدرويش أن موشح أي بارق العلم هو على إيقاع فاخت ورش.

أما في مصر، فيبدو إن اعتياد البدء بحقل ثنائي يعزز الحقل التالي له قد أثر في التركيبة المستعملة، لكن على شكل انقسام ٨٨٤ إلى ٢٦٨٤ وهو انقسام غير معهود يشبه التصدير دون أن يكونه حقًا، ما يدل ربما على أن هذا الاعتياد المشار إليه حصل بتأثير وصول ألحان على الفاخته الشامي أولًا، ما دفع إلى تمييز حقل ثنائي مختلف . كان هذا الفاخته حاضرًا في مصر، فيورده الخلعي على الشكل التالي:

دم إس / دم إس تك إس تك إس / دم إس إس إس تك إس تك إس / دم إس إس إس؛ وهو نفسه المذكور في تقرير أهل المعهد في مصر، وهو أيضًا وارد تقرير البارون ديرلانجيه في كتاب المؤتمر، تحت اسم فاخته عربي، لكن مع تغيير الحقل الثماني في المنتصف بإدخال زخرفة تعرف بالرباط (وهو ما نجده في جنك البطش أيضًا تحت اسم فاخته مصري) فيصير الإيقاع: دم إس / دم إس تك إس تك إس / دم إستك إس تك تك إس تك تك / دم إس إس إس. على هذه الصيغة مطلع موشح يا ليلة الوصل الذي سجله الشيخ درويش الحريري ونقله عنه طارق بشير وفرقة أوكسفورد مقام.

نتيجةً لذلك تعرض إيقاع الشنبر لتحور آخر، بالتوازي مع الفاخته ولارتباطه به . إذ يبدو منذ البداية إن الشنبر الاثني عشري كان إضافة حقل ثنائي إلى الفاخته العشري، أو رباعي إلى فاخته مضاعف من عشرين وحدة زمنية. 

حين كان الفاخته العشري يُكتب دم تك دم تك تكه تكه، كان الشنبر الاثني عشري يُكتب دم تك دم دم تك دم تك تك تكه تكه ، وفي تقديرنا إن تأويله دم تك دم دم تك إس إس إس دم تك تكه تكه، اعتمادًا على ما أوردناه عن علي أفقي من قبل. أي أن إضافة حقل ثنائي إلى شنبر كان لا يزال في صيغة ٢٤٤ فيصير ٢٢٤٤.

الشنبر (أو جنبر) من مخطوط رح الجام
الشنبر (أو جنبر) من مخطوط رح الجام

بعد نحو قرنٍ من الزمن حصل تحور كبير لهذا الإيقاع، فيدونه الكبيسي كالتالي والتقطيع منا :

دم تك / دم دد تك إس تك إس تك إس / دم إس تك إس / دم إس تك إس تك إس / دم إس تك (تك)

أي ٢٨٤٦٤.

مع انقسام الفاخته في الشام وفي تركيا وفارس إلى شكل جديد كما ذكرنا من قبل، تحور الشنبر بالتوازي معه ، إذ أصبح الفاخته في الشام ٢٨٤٦ وأضيف حقل رباعي إلى آخره فأصبح الشنبر الحلبي ٢٨٤٦٤ . يمكن أن نستمع إلى الشنبر الحلبي مثلًا في موشح كلما رمت ارتشافًا، وإلى الشنبر المصري في موشح يا حسن المعاني حيث يبدأ من التك الأخير.

الشنبر من سفينة الكبيسي
الشنبر من سفينة الكبيسي

أما في الفضائين التركي والعثماني، فيبدو إن تحورًا مختلفًا أصاب الفاخته والشنبر، فانتقل الفاخته من ٢٤٤ إلى ٢٣٣٢ في تدوين كانتمير وأمير خان غورجي (حوالي ١٧٠٠)

وهذا ما استمر حتى أيامنا فأصبح الفاخته، بحسب كتاب حقي أوزكان :

دم إس دم دم / تك إس تك إس تك إس / دم إس تا إس هك إس / تي كا تي كا

والتقطيع منه على إنه ٤٦٦٤ أو بالتالي ٢٣٣٢. يبدو أن هذه هي طريقة تقطيع حقول الفاخته بالنظر إلى الألحان الموجودة عند العثمانيين المتأخرين، وبالتوازي أصبح الشنبر أيضًا نفس الإيقاع مسبوقًا بحقل رباعي: دم إس تي كه. فيصير في تركيا ٤٤٦٦٤ أو ٢٢٣٣٢.

يختلف بشكل واضح عن الشنبر في صيغته العربية الشامية والمصرية، رغم الاشتراك في أن الشنبر المشهور هو فاخته عشريني، يدوران معًا زائدًا حقلًا رباعيًا.

جدول ارتباطات الإيقاعات عبر الزمن

جدول ارتباطات الإيقاعات عبر الزمن

عن الإيقاعات الجوفية

تلفت الأنظار بقوة قدرة تلك الإيقاعات السحيقة في القدم، والبسيطة في حقيقة الأمر، على التغير والتحوّر وبالتالي على الاستمرار وتوليد أشكال جديدة على السطح بينما تظل مستقرة إلى حد كبير في بنيتها العميقة الجوفية، كأنها تيار مائي يسري في خفاء تحت الأرض الظاهرة لنا. 

يمكن أن نفكر في قواعد للتفكير في الإيقاعات وتفكيكها وملاحظة قوانين تطورها وإزاحتها وعلاقات حقولها الداخلية، كأسئلة البنية والتقطيع والإزاحة والتصدير والاستتباع ما بيها. كذلك نعثر على أصول سحيقة لعدد كبير من الإيقاعات التي بقيت في الاستعمال، لا سيما بسبب الموشحات المشرقية المغناة، مثلما يمكن أن نقترح في بعض الأحيان أسبابًا لأسمائها مثل الواحدة والمخمس والفاختي والورشان والخفيف والستة عشر والأربعة وعشرون، وإن كان بعضها الآخر سيبقى عصيًا على التأويل محتفظًا بشيء من غموض التاريخ الذي يظل يستفز التفكير ويحفزه.

يلفت النظر أن ضروب الثقيلين والماخوري والرمل والهزج رغم أنها شهدت تغير المسمى، فإن بناها لا تزال مستمرة في إيقاعات كثيرة كما رأينا. يلفت النظر أيضًا بقوةٍ استمرارية بعض الأسماء والمسميات دون تغيير كبير منذ نحو ثمانية قرون تقريبًا، فلا تزال على حالها، إيقاعات المخمس العربي والمصري والورشان، ونجد صداه في البطايحي بنوعيه، كما ذكرنا في الفرضية أعلاه، وهو ما يعود إلى زمنٍ ربما كانت فيه المجتمعات من بغداد إلى مصر إلى بلاد تونس والمغرب على تفاعل موسيقي، إضافةً إلى الستة عشر، وهو متأخر عنهما بنحو قرنٍ ولم يشهد تغييرًا يذكر. أما الفاختي فإذا أرجعنا حقله المفكك إلى أصله لتحول الفاخته الشامي أو المصري مجددًا إلى أصله القديم الفارسي، وهو عين الثقيل الثاني الإسحاقي العباسي المعروف بالماخوري. 

سيكون من المؤسف، بل ومن المعيب، أن نخسر هذه الإيقاعات القادمة إلينا من قرون سحيقة، بانحسار مساحة الموشحات القديمة الفخمة، والتأليف اللحني المعقد الذي كان يعرف كيف يلاعب الضروب الايقاعية ولا يكتفي باستنساخها بسذاجة على المستوى النغمي.

ربما نحتاج إلى النظر في البنية، وتبسيط المقاربة بفهم أن الصيغ المختلفة للإيقاعات ما هي إلا تنويعات زخرفية سطحية، والتركيز على فكرة الحقول الإيقاعية التي تتركب منها هذه الضروب والإشارة إلى علاقاتها بعضها ببعض. قد يصلح ذلك بدايةً لتعامل جديد مع الإيقاعات هذه، لا يرهق الطالب والموسيقي بتمييزات سطحية وبالمطالبة بحفظ صيغ متعددة دون فهم ارتباطاتها، ولمحاولة الخروج في التلحين من أسر الإيقاعات البسيطة المستعملة اليوم وتكاد تكون كلها رباعية متكررة.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف