أستمع مع والدي إلى تسجيل لحفلة محمد عبده على مسرح المفتاحة عام ١٩٩٨، في الصيف الذي عاد فيه إلى الحفلات داخل السعودية، وتحديدًا لأغنية مثل صبيا، في تسجيلها الأجمل، فيستطرد أبي في قصة حضوره المضنية للحفل، والحواجز التي مر بها قبل وصوله إلى كرسيه. كان يأتي قبل البداية بخمس ساعات، ومع ذلك يكون محظوظًا لو دخل قبل صعود الفرقة بدقائق. ارتبطت تلك التشديدات بالخوف من تخريب المتشددين للحفل، ضمن صراع ظل يلاحق النشاط الثقافي، حتى أصبح الاجتماع حول الغناء يحتاج، إلى جانب حب الفنان، استعدادًا وصبرًا طويلًا.
أجد في مشقة أبي مدخلًا لفهم شيء من اختياراتنا في السماع اليوم، حين نترك نسخة الاستديو الصافية، ونبحث عن الأغنية نفسها في جلسة التقطها مسجل عادي، يختلط فيها صوت الغناء بأصوات الجالسين والتشويش. أعتقد أن صعوبة الحضور أسهمت في هذا الاختيار؛ فبحثنا داخل التسجيل عن تعويضٍ لما نفتقده خارجه، ثم وجدنا في العوض ما يستحق أن نفضله.
كانت مسارح الأندية الرياضية تتيح جانبًا من هذا الحضور خلال السبعينات والثمانينات، حين استضافت الفنانين ضمن نشاطها الثقافي والاجتماعي. كان الجمهور يأتي للغناء وتصل فائدة الطرب إلى ميزانية النادي ومكافآت لاعبيه، حتى أخذ هذا النشاط ينحسر أواخر الثمانينات، وضاقت معه فرص المستمع في حضور حفلة بمدينته.
لذلك احتلت حفلات صيف أبها، التي انطلقت عام ١٩٩٨، مكانتها إلى جانب حفلات جدة، وصار للجمهور موسم ينتظره ويرتب سفره حوله. تكشف أيضًا سيرة هذا الموعد مدى هشاشته؛ إذ تكررت حفلات أبها حتى ٢٠٠٤، ثم أُلغيت في عامي ٢٠٠٥ و٢٠٠٦، واقتصر موسم ٢٠٠٧ على حفلة يتيمة لمحمد عبده، ثم غابت الحفلات لسنوات. صار حتى الموعد الذي اعتاد المستمع انتظاره يحتاج إلى التأكد من إقامته.
بين هذه المواسم، كانت للفنان جلساته الخاصة التي يحضرها أصدقاؤه ومن يعرف أصحاب المجالس التي يُدعى للغناء فيها. أما المستمع الذي تربطه به سنوات من السماع، ويحفظ أغانيه ويرافقه صوته في تفاصيل يومه، يظل خارج تلك الدائرة لأنه لا يعرف من يدعوه إليها. من هنا أخذ التسجيل أهميته؛ حمل إلى المستمعين الطريقة التي يغني بها الفنان بين الناس، وأتاح لهم سماع ما يفعله وجود هؤلاء في أثناء أداء أغنية يعرفونها جيدًا.
قد يطلب رجل من آخر المجلس إعادة مقطع، فيعود إليه المطرب بأداء مختلف، أو يطيل موالًا ويستجيب له الإيقاعي بجانبه. مع تكرار السماع نحفظ الطلب وما غُنّي بعده، حتى يصبح صوت ذلك الرجل جزءًا ننتظره في النسخة التي نحبها.
من هنا يأتي الاحتفاظ بخمس نسخ للأغنية الواحدة، والدفاع عن كل نسخة بأسباب قد يطول شرحها أكثر من الأغنية، حتى يزاحم الفنان شريطه الرسمي، الذي وقفت خلفه شركة إنتاج ووقت ومال وجهد، بجلسة ربما لم تكلف سوى عشاء تلك الليلة.
صحيحٌ أن ثقافة الجلسات شائعة على امتداد الخليج، لكنها اكتسبت في السعودية وقعًا خاصًا خلال سنوات التضييق. كان يحمل التسجيل إلى غير المدعوّين للجلسة تفاصيل لقاء ربما تمنوا طوال حياتهم أن يحظوا بمثله، وما تركه رفاق الشغف المجالسين للمطرب؛ وهنا برز التمرد. قد يقتصر غرض أصحاب الجلسة على السهر والطرب، لكن الشريط حين يتجاوز المدعوين يمنح مقتنيه لذّة الاستمتاع بما عجزت أمامه تنظيمات كاملة مكرسة للمنع والتضييق.
يمتد هذا التمرد إلى بداية الفنان نفسه في تجربة مثل فتى نجران. نشأ مانع اليامي بين أناس مولعين بفنونهم الشعبية، لكنه يروي كيف تعذّر عليه العثور على من يعلمه العود بسبب النظرة إلى العازف، فتعلم بنفسه ووجد بين أصدقائه جماعة تمنحه فرصة ممارسة ما يحب؛ كان يغني لهم في نهاية الأسبوع خارج المدينة، فطلبوا منه تسجيل أغانيه لأن بعضهم يدرس بعيدًا عن نجران ويريد سماعها حين يعود إلى دراسته.
سجل لهم الفتى شريطًا بأغنيتين، وفوجئ بانتشاره في محلات التسجيلات باسمه: بن هامل. ثم صار الزبائن يطلبون شريط “فتى نجران”، فأخذت المحلات تسوّق له بهذا الاسم. أرسل صوته إلى الناس، فعاد إليه باسم لم يختره. ظل لثلاث سنوات يسجل جلساته بمسجل عادي، وتتولى محلات منطقته نسخها وبيعها؛ وحين عرّفه حسين العلي بالمؤسسات الفنية، كان يقدم لهم صوتًا سبق جمهوره عقد الإنتاج.
لامتلاك النسخة نصيب من متعة السماع. قد يعرف المستمع أغنية جيدًا، ثم يبحث عن جلسة نادرة سمع بوجودها ويستمر لأشهر في البحث عن من يملك شريطها، وربما أيامًا أخرى حتى يحصل على نسخة منه. حين تصل إليه، يحمل إلى سماعها حكاية الوصول، وقد يمنحها مكانة أكبر مما كان سيمنحها لو وجدها دون عناء. لديه تسجيل محدود التداول، وله معه قصة تخصه.
اختصر الإنترنت كثيرًا من هذه الرحلة، وجعل الكثير من أسباب تقدير موسيقى أو فنان ما تصبح ماضيًا غابرًا، فلا نسخًا محدودة ولا امتلاكًا للموسيقى ولا منحًا لقطعةٍ أثيرةٍ منها للمقرّبين. ربما أقرب تجربة حاليًا لما اختبره والدي هو إيجاد تسجيلٍ مذهلٍ ما لم يسمعه الكثيرون، والاحتفاظ برابط استماعه لمن يستحق.
أعود إلى مثل صبيا مع والدي، وأفكر في اختلاف ما نحمله إلى التسجيل نفسه؛ يستعيد هو مشقة الحضور، وأجد أنا أداءً أحببته من غير تلك المشقة. لهذا يبدو لي ردّ تفضيل هذه التسجيلات إلى الحنين أو عفوية الأداء اختزالًا لتجربة شارك فيها الجمهور في صنع ما يسمعه وحفظه، وأدخل في قيمته شيئًا من تعب الوصول إليه ولذته. أرى الشغف في ذلك الجهد الذي أتاح الغناء حين ضاقت فرصه، وفي أثره الباقي حين يختار التسجيلَ شخصٌ لم يعرف تلك القيود أصلًا.
