بوويس | باندا بير

كتابةعمار منلا حسن - فبراير/شباط 18, 2019

عندما سمعت موسيقى باندا بير (نواه لينوكس، من مؤسسي مجموعة أنيمال كولكتف) للمرة الأولى، أصابني صداع. كان الوقت شتاء ٢٠١٥، وقد صدر ألبوم باندا بير ميتس ذ جريم ريبر للتو. عندما بلغت الأغنية الرابعة، بدأت أدرك أن هذا الألبوم يحتاج ست آذان وثلاثة أدمغة. كل تلك السنثات والعينات وآلات الطبول والأصوات الغنائية المقطعة والخامات المختلفة والإيقاعات والألحان المتنافرة والمتغيرة باستمرار، جميعها شغّالة بنفس الوقت. بدت لي كل أغنية كألبوم قصير من أربع أغانٍ تم تشغيلها معًا، ولم أحب ذلك.

ما أنقذ علاقتي بالألبوم كان اللازمة سهلة الحفظ والدندنة من أغنية مستر نواه. لأشهر، استمريت بالعودة إلى هذه الأغنية بالذات، كنت أتحمل زحامها الصوتي مقابل دندنة اللازمة، حتى بدأ هذا الزحام يصبح مألوفًا لي، وأصبح سبب عودتي المستمرة إلى الأغنية. كل فترة وأخرى، كان هاتفي الجوال ينتقل لأغنية ثانية من الألبوم بينما أنا مستغرق في شيء ما. هكذا بدأت بالاعتياد على تهدجات السّنث في مطلع أغنية كروسوردز. عندما بدأت باستكشاف كم تو يور سنسِس، كان ما جذبني لها عنوانها المستفز، وشطارة باندا بير بكتابة كلمات بسيطة تقول كل شيء: “آر يو ماد؟ آر يو ماد؟ آر يوم ماد؟ يِس آم ماد!”. لزمني عامين، لكن بحلول ٢٠١٧ أصبح باندا بير ميتس ذ جريم ريبر أحد ألبوماتي المفضلة على الإطلاق، لا لشيء سوى للسبب الذي دفعني للتوجس منه في البداية: صوته المتاهاتي العملاق. لذا بإمكانكم فهم الحيرة التي أصابتني عندما شغلت أغنية دولفين، أول عينة من ألبوم باندا بير الجديد، ولم أعثر سوى على صوته وجيتار واحد وبعض النقرات على صنوج الـ هاي هات وعينات غريبة لصوت قطرات ماء. وجدت نفسي أمام أحد أكثر الألبومات التي أعرفها تقليليةً.

تبدو دولفين، أولى أغاني ألبوم بوويس، كتعاون غير متوقع بين بول مكارتني ومترو بومِن بعد أن تشارك كلاهما رحلة آسيد. تحمل الأغنية الكثير من أسلوب المغني / كاتب الأغاني، بتركيزها على الغناء المسترخي والجيتار الهوائي، أما إنتاجها فيذكرني بالصوت الحاد والمعاصر لأغاني التراب الحديثة، خاصةً تعاونات مترو بومِن و21 سافج. بينما تم استبدال السناير بعينات لأصوات قطرات ماء، تأتي نبضات السب بايس عميقةً في البداية، ثم تتوزع ببطء وكأنها حلقات الأمواج التي تظهر على سطح الماء. لو كانت معظم أعمال باندا بير السابقة تحاكي أمكان أو بيئات معينة، كالصوت الكاثيدرالي لـ يو كان كاونت أون مي والاستوائي الفضائي لـ تروبيك أُف كانسر، فإن دولفين تستحضر أحد أماكن باندا بير المفضلة، الشاطئ.

إعلان

لا تلتزم كل أغاني الألبوم بهذا التوجه. لا تحاكي كرانكد مثلًا أي مكان ما بقدر ما تشبه شخصًا يحاول بتخبط أن يخرج من رحلة مخدراتية أو حالة من خفة العقل: “لماذا بلغت هذه الدرجة المفرطة من الانتشاء؟” يؤنِّب باندا بير نفسه على بلوغه درجة من التأمل والتجريد والتأويل أسفرت عن انفصاله عن الواقع. إلى جانب أصوات مسدسات الليزر المصممة بعناية، وصوت باندا بير المغرق بالـ ريفرب كالعادة، تتكل الأغنية بشكلٍ أساسي على إيقاعات الجيتار الهوائي. من الصعب القول أن باندا بير “يعزف” على الجيتار هنا. لا يوجد أي من الانطلاق والاسترسال والانسيابية التي ترتبط بالعزف عادةً. هو يستخدم الجيتار لهندسة أسطر إيقاعية أو لحنية تصدر وتتكرر بانضباط وفق فواصل زمنية ثابتة، وكأنها لووبات loops، أو كأنها جيتار ماشين (نسبةً للدرم ماشين Drum Machine أو آلات الطبول).

الإيقاع الوتري الذي تبدأ به أغنية آي نو آي دونت نو هو توأم الإيقاع الذي تبدأ به كرانكد. حتى شازام قد يلزمه أكثر من بضعة ثوانٍ للتمييز بين الأغنيتين. لكن بعض الثواني هي كافية لكي تظهر آي نو آي دونت نو مزاجها المستقل. يتسلل صوت إلكتروني قريب من التصفير، ويبدأ برفقة البايس الحيوي بمنح الأغنية حسًا شبابيًا، كساوندتراك معاصر لرحلة مشي في سهول ريفية.

مع الوصول لأغنية الألبوم المركزية، ماستر، يغدو واضحًا أن أغاني بوويس لا تحمل شيئًا من بنية أغاني الروك التي ميّزت أعمال باندا بير المبكرة. لا يوجود صعود وهبوط وظهور واختفاء واحتداد وانسحاب. كل أغنية تنفرد بهدوء وانتظام، لتتوزَّع بشكلٍ متساوٍ على إيقاعها الذي غالبًا ما يكون متوسط السرعة. الشيء الوحيد الذي يتغير في ماستر هو درجة الدفء المحببة في صوت نواه الغني والمسجّل على أكثر من طبقة. تغدو نبرة الدفء أكثر حميميةً في بداية اللازمة: “لكنني أريد أن أخبرك / بأن هذا انتصارٌ لك / وأنا أهدي هذا لك / جزء من شكرٍ لك” دون أن نعرف على وجه التحديد ما إذا كانت الأغنية مباركة موجهة للذات، أو شعور متخفف بالهزيمة أمام شخصٍ عزيزي.

تشرد أغنية توكِن عن الجو التقليلي البسيط، بلووبات متأرجحة وبايس خفيف ولعوب وغناء متقطِّع ودائري يذكرنا بـ بويز لاتين، بينما يسجّل السّنث أحد أقوى حضوراته في الألبوم. تمتلك الأغنية التي تحمل اسم الألبوم، بوويس، صوتًا غامرًا وواسعًا بدورها. يعود باندا بير هنا إلى بعض أساسيات أسلوبه: الغناء المسجّل عدة مرّات في طريقة تجمع بين الآد ليبس والترقيع الصوتي، فوق أصوات دورية متكررة حتى لو لم تكن لووبات بالمعنى التقليدي، وكلمات باندا بير الشخصية الميّالة للعزلة، التي تعلق في لووبات خاصة بها، حيث تصل باستمرار إلى تجليات غامرة من الفهم والتصالح: “تخطر لي، بكل وضوح / ليس لي فقط، ليست أفكار مقيدة بمكان، لدي رحلة علي أن أقطعها”، لكنها تجليات وتصالحات لحظية وهشة، يشي بها التوتر في صوته، والذي يعرف أن الأمور ستعود للتعقيد والتوهان مجددًا قريبًا.

على الورق قد يكون بوويس ألبومًا تقليليًا، لكنه في الواقع ألبوم اقتصادي، يحصل على ما يريده بأقل كلفة. قد يكون هذا العنصر منه مراوغًا خلال السماعات الأولى، لكن بوويس لا يخفق بشدك إليه مجددًا، المرة تلو الأخرى، كأنك نسيت شيئًا أخيرًا تحتاج لأن تعود للألبوم للتحقق منه. مع إعطائه فرص الاستماع الكافية، يعثر باندا بير على طريقة لشد مستمعه المتوجس من أسلوبه التقليلي المفرط بالبساطة، كما عثر على طرقٍ لذلك مع المتوجسين من صوته المفرط بالتعقيد … ربما لأن بعض الأمور لا تتغير، أو كما يقول نواه في أغنية دولفين: “أيمكن ذلك حقًا؟ أكانت الأمور بالفعل على هذه الدرجة من الهدوء طوال الوقت؟ / (…) سأعثر عليك دائمًا / في النهاية.”

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply