إبان عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد، قدم إلى العراق المغني ابن جامع، ذو الأصول القرشية، وكان، بوصف أهل عصره، “حَسِن السّمت، كثير الصلاة، قد أخذ السجود من جبهته، يعتمّ بعمامة سوداء، يلبس لبس الفقهاء”؛ وبينما كان واقفًا، مرّ به قاضي القضاة آنذاك أبو يوسف القاضي، فأعجبته هيئته، وفطن إلى أصله القرشي على الفور.
أخذ أبو يوسف وابن جامع يتحادثان حديثًا مطولًا، إلى حدّ أثار استغراب تلاميذ القاضي؛ إذ لم يعهدوه، ولا غيره من أهل القضاء والفقه، يجالس المغنين. لكنهم افترضوا أنه لم يكن يعلم بهوية محدّثه، وهذا ما كان عليه الأمر فعلًا.
لم ينبّهه تلاميذه إلا في اليوم التالي، حين لاحظوا طلبه لقاء ابن جامع مرة أخرى، فانتظروا انتهاء اللقاء، ثم أخبروه أن جليسه هو ابن جامع المغني، وأن خبر مجالسته له قد شاع في أرجاء المدينة، وأن الناس أنكروا عليه ذلك.
في اليوم التالي، جاء ابن جامع إلى أبي يوسف، فوجده يردّ السلام بغير الوجه الذي عهده منه، ففهم من تلقاء نفسه أنه عرف بهويته. علا صوت ابن جامع مطالبًا أبا يوسف بتبرير موقفه الغريب المتناقض، وقال له: لو جاءك أعرابي جِلف، فأنشد بغلظة: “يا دار ميّة بالعلياء فالسّند / أقوت وطال عليها سالف الأبد”، أكنت لتنكر عليه فعله؟
قال أبو يوسف: لا؛ فتغنّى ابن جامع بالبيتين وقال: فإن قلت أنا هذين البيتين نفسيهما غناءً، أزدتُ فيهما شيئًا أم نقصت منهما ؟
كان موقف أبي يوسف، رغم التباسه وتناقضه الظاهري، منطقيًا تمامًا في سياق عصره. إذ اشتُهر أهل القضاء والفقه بمقتهم للغناء والمغنين، بوصفهم خط الدفاع الأخير عن الشرع، وهو الشرع الذي شرّع في مواضع كثيرة أحكامًا مجحفة بحق المغنين، أبرزها اعتبارهم ناقصي المروءة بمجرد امتهانهم الغناء، وردّ شهادتهم أمام القضاء تبعًا لذلك. إلى جانب هذا السبب المعلن، كان ثمة سبب آخر خفي، هو الحقد؛ فقد كان المغنون من أقرب الناس إلى الملوك والخلفاء، وكانت مكانتهم لديهم تفوق أحيانًا مكانة الفقيه أو القاضي نفسه. بشكلٍ أو بآخر أثّرت نظرة الفقهاء والقضاة على نظرة المجتمع للمغنين .
يزيد من فهم حدة هذا الحقد اختلاف الحاضنة المجتمعية للغناء بين العراق والحجاز؛ ففي الحجاز، احتضنت مختلف طبقات المجتمع الغناء والمغنين، فانتشر الفن بينهم انتشارًا واسعًا لا يقتصر على فئة بعينها . أما في العراق، فقد ظل حب الغناء مقتصرًا، إلى حد كبير، على الفئة الغنية القادرة على إقامة الحانات ومجالس اللهو الخاصة، بينما ساد المجتمع البغدادي، في المقابل، تيار من التشدد والغلو الديني أشد نسبيًا مما كان عليه الحال في المدينة؛ وهو ما تجلى في ظهور متطرفين من الحنابلة، كالبربهاري، ممن كانوا يدمرون الحانات ويضربون المغنية ويريقون النبيذ. هذا التزاحم بين حاضنة نخبوية ضيقة للغناء وتيار ديني متشدد يقظ له بالمرصاد هو ما جعل وجود المغنين في العراق، رغم قلة عددهم نسبيًا مقارنة بالحجاز، أكثر إثارة للاستفزاز وأشد وضوحًا كهدف للمقت الفقهي
حتى المكانة التي كان يحظى بها المغني كانت تبدو زائفة؛ فالاحترام الذي كان يُمنح له لم يكن احترامًا لذاته، وإنما احترامًا مشروطًا بما يقدمه من متعة، سرعان ما ينقلب إلى نبذ حين تُنسى المتعة ويُتذكَّر صاحب المهنة. هذا المنطق نفسه، وإن ظهر بأوضح صوره مع الشعراء المضحكين والندماء في بلاط الخلفاء، يلخصه موقف الشاعر الفكِه أبي دُلامة حين دخل على المهدي في مجلس، فحلف الخليفة ألا يخرج أبو دلامة إلا حين يهجو أحد الجالسين. أدرك أبو دلامة أنه أقل من في المجلس مكانة، فاختار أن يهجو نفسه: “ألا أبلغ لديك أبا دلامة / فليس من الكرام ولا كرامة / إذا لبس العمامة كان قردًا / وخنزيرًا إذا وضع العمامة.” حتى في قلب مجلس الخليفة، وبمباركة الخليفة نفسه، ظل الجليس الفَكِه، شأنه شأن المغني، يعرف موقعه الحقيقي: مكانة عالية في الظاهر، هشة في الجوهر، لا تصمد أمام أول اختبار جاد .
قد يظن قارئ كتب الفقهاء في تلك الحقبة أن الغناء كان يُمارَس خلسة بعيدًا عن أعين السلطة الدينية، لكن الأقرب إلى الصواب هو العكس تمامًا؛ فحضور هذا العدد القليل من المغنين في قلب بلاط الخلفاء أنفسهم، وكثرة انتشار الغناء في مختلف رِقاع الخلافة، هو ما كان يستفز الفقهاء ويدفعهم إلى التذكير المتكرر بأن المغني ناقص المروءة. هذا أمر منطقي في مجتمع تتزاحم فيه حيوات متعددة في وقت واحد؛ فمن يقرأ كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني يظن أن بغداد لم تكن تعرف سوى مجالس الشعر والغناء، ومن يقرأ سِيَر أعلام النبلاء للذهبي يظن أنها لم تكن تعرف سوى الفقهاء وهم يتناظرون. من الطبيعي أن تتقاطع هاتان الحياتان المتوازيتان، فتنتج هذا التناقض الصارخ بين سلطة تعشق الغناء وتعيش الترف، وفقهاء يمقتون الغناء ويحتقرون المشتغلين به، من المغني إلى العازف.
تجاوز هذا التناقض بغداد العباسية وظل يتردد صداه قرونًا تالية، متنقلًا بين حواضر العالم الإسلامي، حتى استقر، في صورة جديدة لكن بالمنطق القديم نفسه، في مصر القرنين التاسع عشر والعشرين. هناك أيضًا، وإن تبدلت أسماء السلطة من خليفة إلى خديوي وسلطان، بقي الفنان يعيش المفارقة نفسها لكن بشكلٍ معقدٍ أكثر نسعى لتفكيكه في الأسطر القادمة.
كان وضع الفنان في مصر أكثر التباسًا بكثير مما كان عليه في العصر العباسي. ذلك أن البنية المجتمعية في مصر اختلفت عما كانت عليه في سالف الدهر؛ فقد تكونت فيها طبقة بعينها كانت مصدر كل الثورات الفكرية في تلك الحقبة، وكانت هي نفسها التي ترد على بعضها البعض في الوقت ذاته، في غياب شبه تام لعامة الشعب الذي كان يعاني الفقر المدقع ولا صوت له في هذا الجدل. هذه الطبقة هي البرجوازية الصاعدة.
نشأ داخل هذه الطبقة الواحدة تناقض صارخ بين أفرادها في موقفهم من الفن. من جهة، نجد مواقف رافضة بشدة، كموقف أسرة يوسف بك وهبي حين أراد امتهان التمثيل، فاعتُبر ذلك مشكلة كبرى لا تليق بابن باشا. كذلك الموقف الذي يُروى عن السلطان حسين كامل، حين ذهب لحضور تمثيل مسرحية عزة بنت الخليفة التي أقامتها جمعية الشبان المسلمين، فرأى محمد بك تيمور ضمن الممثلين، فنهر السلطان والده أحمد باشا تيمور، ممتعضًا من أن أبناء الذوات أصبحوا يمتهنون التمثيل، وعيّنه في اليوم التالي ليشغل وظيفة أحد أمناء القصر السلطاني، في محاولة صريحة لانتزاعه من هذا العالم .
لكن في المقابل، نجد من الطبقة نفسها من دعم الفن ورعاه بلا تحفظ؛ فإدريس بك راغب، رئيس المحفل الماسوني في مصر، موّل كتاب الموسيقي الشرقي للملحن كامل الخلعي، وأحمد شوقي احتضن الموسيقار الشاب آنذاك محمد عبد الوهاب في قصره ودعمه. بل إن الملك فؤاد الأول نفسه، شقيق السلطان حسين كامل، دعم معهد الموسيقى الشرقي بكل ما أوتي من قوة، ولم يكتفِ بالتشجيع المعنوي، بل شجعه ماديًا أيضًا، وهو من وجّه بإقامة المؤتمر الدولي للموسيقى العربية تحت رعايته في مقر المعهد نفسه، الذي أقيم لاحقًا عام ١٩٣٢ .

لهذا التناقض الصارخ بين أفراد الطبقة الواحدة تفسير بنيوي؛ فالطبقة، في جوهرها، ليست بنية فكرية موحدة، إنما بنية اقتصادية يجمع أفرادها امتلاك رأس المال وما شابهه من مقومات مادية، لا وحدة الرأي أو المرجعية الفكرية. لذلك يصعب أن يُقال: “الطبقة البرجوازية ترى كذا”، ذلك أن أبناء هذه الطبقة جاءوا من منابع فكرية وثقافية متباينة تمامًا، فمنهم من تأثر بالفكر الفرنسي، ومنهم من ظل أقرب إلى المرجعية الإسلامية التقليدية، ومنهم من تبنى الخطاب الإصلاحي الناشئ، وهو ما يجعل من المستحيل توحيد موقف واحد لدى أبناء الطبقة نفسها حيال أي قضية.
يمكن تفسير هذا التناقض أيضًا من زاوية تاريخية أخرى، فالطبقة البرجوازية التي نشأت في عصر الخديوي إسماعيل كانت أصلًا طبقة تسعى للتجديد ومناقشة الأفكار الجديدة، كحقوق المرأة وغيرها من قضايا الإصلاح الاجتماعي، وكانت كرامة الفنان ووضعه الاجتماعي من بين هذه الأفكار المطروحة للنقاش.
حين تُطرح قضية بعينها أمام طبقة تتعدد روافدها وتياراتها الفكرية على هذا النحو، فمن الطبيعي أن يعبّر كل فرد فيها عن التيار الذي ينتمي إليه، وهو ما يجعل من الصعب رسم خطوط عريضة تجمع أفراد طبقة كاملة، تمثل في حقيقتها شريحة متباينة ومتنوعة جدًا من المجتمع المصري، لا يجمع بينها سوى امتلاك رأس المال.
بل أن التناقض لم يقتصر على الاختلاف بين أفراد الطبقة الواحدة، وإنما امتد أحيانًا إلى الفرد الواحد نفسه؛ فنجد السلطان حسين كامل لا يمانع حضور مسرحية بعينها، لكنه يمانع أن يمثل فيها ابن باشا، ونجد فنانًا يقبل الغناء مهنة لنفسه، لكنه يرفض أن يعمل بها أبناؤه، وآخر لا يجد أدنى مشكلة في أن يعمل ابنه بالفن، لكنه يمانع بشدة أن تعمل ابنته به. يوضّح هذا الاضطراب، على مستوى الفرد الواحد قبل الطبقة، أن قضية كرامة الفنان ظلت مضطربة وملتبسة إلى حد كبير، حتى جاءت ثورة ١٩١٩ لتغير كل المفاهيم السابقة، وتمنح الفنان أرضية جديدة يقف عليها ليطالب بكرامته كحق مستحق لكل من امتهن الفن.
قبل الدخول فيما أحدثته ثورة ١٩١٩ في قضية كرامة الفنان، لا بد أن نرى أولًا كيف كان وضع الفنان، وكيف كان يرى نفسه، قبل هذا التاريخ.

كان الفنان قبل الثورة شبه فاقد للأهلية في نظر الفقه والمجتمع معًا، وتوجد على ذلك مواقف عديدة موثقة. من ذلك أن عبد الحميد علي، رئيس أوركسترا شركة ترقية التمثيل العربي، حين مثل شاهدًا أمام المحكمة وسُئل عن مهنته فأجاب بأنه موسيقي، نهره القاضي وقال له أن شهادته لا تجوز، وحين تساءل عبد الحميد عن السبب، أجابه القاضي بأنه لا تجوز شهادة “المزيكاتي والأدباتي والقرداتي” وأمثالهم، ثم طُرد من المحكمة . موقف آخر لا يقل دلالة، أن الشيخ سيد درويش حين أراد أن يتزوج بصفته موسيقيًا، أبى المأذون توقيع العقد، مبررًا موقفه بأنه لا يمكن لأي مأذون إتمام عقد زواج لموسيقي؛ فانصاع سيد درويش لهذا الشرط، وأثبت نفسه في العقد بصفة أستاذ، وبالفعل، عند مراجعة عقد زواجه، نجده خاليًا من أي إشارة إلى مهنته .
في الفترة نفسها تقريبًا تظهر قضية أخرى، قد تبدو، للوهلة الأولى، متناقضة تمامًا مع ما سبق، وهي قضية الشيخ أحمد عاشور، أشهر ناظمي الأغاني في عصره، ضد سليم أفندي سركيس صاحب مجلة سركيس. إذ أعلن سركيس عن مكافأة مالية قدرها عشرة ريالات لمن يترجم النشيد الأيرلندي It’s a Long Way to Tipperary بكلمات دارجة مناسبة للغناء على اللحن نفسه، وتقدم لهذه المسابقة ثلاثة: عزيز يوسف، ويونس القاضي، والشيخ أحمد عاشور؛ لكن سركيس ماطل في إعلان الفائز، إذ لم ير أن أحدًا منهم يستحق الجائزة بعد. لم يسكت الشيخ عاشور عن حقه، فرفع قضية على سركيس، وجرت المحاكمة في مدرسة الموسيقى الأهلية بحي الظاهر، أمام قاضي محكمة الأزبكية مصطفى بك أبو زيد، وخُصصت ثلاثة مقاعد للمطربين وخمسون مقعدًا للحضور، الذين تعددوا بين موسيقيين ووكلاء نيابة وصحفيين. اقترح القاضي، بعد عرض المقطوعة على خبراء من أمثال منصور أفندي عوض وسامي أفندي الشوا وأحمد أفندي صادق، حلًا بالتراضي يقبل فيه الشيخ عاشور نصف المكافأة، لكنه أبى، مطالبًا بالمكافأة كاملة، على اعتبار أن موقف سركيس ينال من سمعته وقيمته الفنية. قضت المحكمة بالفعل لصالح الشيخ عاشور بالمكافأة كاملة، في قضية وصفتها الصحف حينها بأنها من أولى القضايا الفنية في مصر .
لا يُفهم هذا التناقض الظاهري، بين قاضٍ يرفض شهادة الموسيقي في قضية، وقاضٍ آخر يقر للمغني بحقه المادي كاملًا ويناقش معه تفاصيل فنية دقيقة في قضية أخرى، على أنه ازدواجية حقيقية في القانون المصري، وإنما يحتاج إلى النظر في بنية هذا القانون نفسها وقت وقوع الحادثتين. إذ من الصعب اليوم، بعد اتساع رقعة القانون المصري وتشعبه، أن نتخيل طبيعته في تلك الحقبة المبكرة، حين كان قائمًا أساسًا على فهم كل قاضٍ الشخصي للقانون الفرنسي الذي استُقي منه، دون تدوين شامل يغطي كل التفاصيل والاستثناءات. كان القانون، بعبارة أخرى، فضفاضًا، تاركًا مساحة واسعة لاجتهاد القاضي الفرد وخلفيته الثقافية الخاصة. يجعل هذا تحيز قاضٍ بعينه، يحكم بحكم موروث لا سند رسمي له في نص القانون، أمرًا واردًا جدًا، كما حدث في قضية عبد الحميد علي.

تكمن أهمية تلك المواقف في أنها توضح أن مسألة احتقار الفنان واعتباره ناقص الأهلية ظلت كما هي منذ القدم، متوارثة بين الفقه القديم والحديث دون انقطاع يُذكر.
أما من ناحية نظرة الفنان إلى ذاته، فيمكننا أن نستقطب نموذجين متباينين تمامًا من أشهر فناني تلك الفترة، ونرى كيف أثرت نظرتهم لأنفسهم في أمور كثيرة، أهمها توثيق سيرتهم الذاتية: الشيخ يوسف المنيلاوي، الذي عرّف نفسه كتاجر طلبًا للوجاهة الاجتماعية ، والشيخ سلامة حجازي، الذي لم يتنازل لحظة عن تعريف نفسه كفنان.
اليوم نجد سيرة كلٍّ من الشيخ يوسف المنيلاوي، الذي كان باشتغاله في الغناء أغنى مطربي عصره، كما تثبت عقوده مع شركات التسجيل، وكذلك الشيخ محمد عبد الرحيم مسلوب، أحد أهم ملحني الموشحات في عصره، في مهب الرياح. لا نعرف عنهما شيئًا يُذكر، سوى قليل من الترجمات المبتذلة، التي تأتي غالبًا في صورة عبارات إنشائية متكررة، من قبيل وصف أحدهما بأنه “البلبل الغريد والمغني الفريد، نزهة النفس وريحانة الأنس، الطائر الصيت في رخامة الصوت بين جميع عشاق السماع والغناء، والحائز رئاسة أكبر تخت في مصر عند دعوته لأفراح الملوك والأمراء والعظماء والوجهاء”، وهي عبارات لا تسمن ولا تغني من جوع، إلى جانب النزر اليسير من الأشياء المعلومة بالضرورة، كأسماء الشركات التي سجّل لديها الشيخ يوسف، أو الحرفة التي أفنى عمره فيها الشيخ المسلوب.
على الجانب الآخر، نجد مطربًا عظيمًا حظي بمكانة مماثلة لمكانة الشيخ يوسف والشيخ مسلوب، هو الشيخ سلامة حجازي. لكن الفرق أننا نجد عنه معلومات وافرة، لدرجة أنه كان أول فنان يصدر عنه كتاب ترجمة مخصص بالكامل، هو كتاب الدكتور محمد فاضل الصادر سنة ١٩٣٣ ، وكان من الطبيعي جدًا، حين تمسك يديك بأي مجلة أو جريدة بتاريخ الرابع من أكتوبر من كل عام، وهو تاريخ وفاة الشيخ سلامة، أن تجد مقالًا يستعيد ذكراه.
تفسير هذه المفارقة بسيط، فالشيخ يوسف المنيلاوي، بانصرافه إلى التجارة، أصبحت دائرته الاجتماعية مقتصرة على المشتغلين بالتجارة والوجهاء الذين يحيي أفراح أبنائهم، بينما الشيخ سلامة، باعتزازه بفنه، أصبحت دائرته المقربة كلها من الأدباء والمثقفين، أمثال أمين عطا الله ومحمد فاضل وخليل مطران وكثيرين غيرهم، الذين سعوا جاهدين، بحكم وفائهم له، وبحكم أن فنه يعنيهم مباشرة ويتقاطع مع طبيعة عملهم، إلى تخليد ذكراه. بفضل هذه الجهود، توفرت عن الشيخ سلامة حجازي معلومات دقيقة، لم نملك مثلها عن أي فنان آخر في ذلك العصر.
يلخص هذان النموذجان وضع الفنان ما قبل ثورة ١٩١٩. في الغالب، كان الفنان ينصرف إلى التجارة، ويرفض أن يعرّف نفسه فنانًا، صغورًا منه للمجتمع وطلبًا للوجاهة الاجتماعية، كما فعل الشيخ يوسف والشيخ مسلوب؛ وفي أحيان قليلة، كان الفنان يفتخر باشتغاله بالفن، كما فعل الشيخ سلامة، وكان هذا الموقف يُعد آنذاك موقفًا ثوريًا استثنائيًا. لكن الصبغة الثورية لهذا الموقف انعدمت بعد ثورة ١٩١٩، إذ أصبح ما كان استثناءً هو القاعدة.

أضفت ثورة ١٩١٩ روحًا ثورية ووعيًا بالحقوق شمل كل الطوائف، بما فيها طائفة المشتغلين بالفن؛ فأصبحت عبارة “كرامة الفنان” شائعة في الأوساط الفنية والثقافية، وأسهمت في ظهور جيل من الفنانين الواعين بقيمة ما يقدمون، الساعين دائمًا لتقدم هذا الفن ورفعته، أمثال الشيخ سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وزكريا أحمد وأم كلثوم. بحكم الأقدمية، يُعد الشيخ سيد درويش أول من ثار لحقوق الفنان؛ إذ استغل شهرته الجارفة وعلاقاته الواسعة ليرفع تقييمه المادي، وهو ما أسهم بدوره في رفع أجور باقي الفنانين، كما يذكر ابنه حسن درويش.
لكن المكسب المادي، رغم أهميته في إثبات قيمة الفنان، لم يكن كافيًا وحده لمحو وصمة قرون؛ فالفنان الذي يتقاضى أجرًا محترمًا قد يظل، في نظر مجتمعه، مؤديًا مأجورًا لا أكثر. أدرك فنانو ما بعد ١٩١٩ أن المعركة الحقيقية كانت على الاعتراف بكرامة المهنة نفسها، وهو ما تحول تدريجيًا إلى المحرك الأساسي لمواقفهم، حتى فوق اعتبارات المال والمصلحة الشخصية.
يتجلى هذا الوعي بوضوح في رؤية زكريا أحمد، أحد أبرز موسيقيي هذا الجيل، لسر نجاح أم كلثوم الطاغي؛ فبينما فسّر كثيرون هذا النجاح بإعجاز صوتها، أو بعلاقاتها بأهل السلطة، رأى زكريا أن السر الحقيقي هو “أنها فنانة أصيلة، ولأنها حفيظة على كرامتها وشخصيتها، هذا سر إعجاب الناس بها، وسر بقائها على عرشها طوال هذه الفترة الطويلة.” كان زكريا أحمد يتحسر دائمًا على الفجوة بين وضع الفنان في مصر ونظيره في الغرب، مستحضرًا مصير الموسيقار العظيم كامل الخلعي، الذي انتهى به الحال يمسح الأحذية في الشارع، في مقابل مكانة الموسيقار الإيطالي توسكانيني، الذي بلغ من تقدير الرئيس الأمريكي روزفلت له أن نزل من مقصورته الرئاسية خصيصًا ليؤدي له تحية إجلال. كان زكريا، انطلاقًا من هذا الإحساس بالفجوة، يدعو دائمًا إلى التكاتف والتضامن بين الفنانين، حتى يصبحوا قوة واحدة قادرة على حماية نفسها بنفسها، لا أفرادًا متفرقين تحت رحمة كل صاحب نفوذ .
تجسد هذا الوعي الجماعي الجديد في مواقف فردية حاسمة، كموقف محمد عبد الوهاب حين رفض طلب الأمير مجيد أرسلان، وزير الدفاع اللبناني، أن يغني له سنة ١٩٤٧. اختلفت الروايات في تفاصيل ما جرى بعد هذا الرفض بالضبط، لكنها اتفقت على وقوع مشاجرة بين الطرفين. أُشيد بهذا الموقف في مقال نُشر بمجلة الرسالة تحت عنوان شخصية الفنان، رأى فيه كاتبه أن رفض عبد الوهاب يُبرز شخصية الفنان وكرامته، ويؤكد أنه لا يكون طوع إشارة من وزير أو غيره، مهما علا نفوذه.
هكذا تحولت كرامة الفنان، عبر هذه المواقف المتراكمة، من مطلب فردي متفرق إلى قناعة جماعية راسخة، تراكمت شيئًا فشيئًا حتى تبلورت لاحقًا في مطلب منظم بضرورة وجود كيان نقابي يحمي هذه الكرامة بنص قانوني صريح، لا يترك أمرها لمزاج قاضٍ أو مأذون أو صاحب نفوذ. هذا التحول من الوعي الفردي إلى التنظيم الجماعي موضوع يستحق مقالًا مستقلًا بذاته.
على أن هذا الاضطراب المجتمعي حيال قيمة الفنان لم ينته عند جيل العشرينات والثلاثينات، حيث إنه استمر في التصاعد والخفوت عبر عقود تالية، وبلغ من أطواره الكاشفة ما شهدته فترة لاحقة من هيمنة خطاب ديني متشدد على الوجدان الشعبي، ذهب في بعض تجلياته إلى إحياء المنطق القديم نفسه الذي نطق به قاضٍ مصري قبل عقود حين رفض شهادة “المزيكاتي والأدباتي والقرداتي”. لكن هذا الطور، على كشفه لبقاء الاضطراب حيًا، لا يعبر عن انتكاسة تُلغي ما تحقق قبله؛ فالدليل على أن نضال جيل العشرينات والثلاثينات خلق قيمة حقيقية للفنان لا رجعة فيها، هو استحالة العودة إلى نقطة البداية ذاتها، حتى في أوج المد المعادي للفن.
حين ننظر إلى وضع الفنان في السبعينات مثلًا، رغم صعود هذا الخطاب المعادي، نجد أنه بات من المستحيل أن يرتد الفنان إلى نقطة العشرينات، حين كان لا يطالب إلا بأن يُرى، أو إلى ما قبلها، حين كان يتهرب من هويته الفنية بالكلية، ولو كانت مصدر رزقه الوحيد. ذلك أن الفنان لم يعد فردًا معزولًا يواجه احتقارًا متفرقًا، بل أصبح جزءًا من عجلة إنتاج ضخمة، اقتصادية وثقافية، قائمة عليه هو وأمثاله وحدهم دون سواهم. يمكننا القول إن هذا النضال الفردي، وإن عجز عن معالجة الاضطراب المجتمعي جذريًا، وهو أمر طبيعي في مجتمع محافظ، قد نجح بقوة في أن يثبت نفسه ويفرضه على الساحة، فرضًا لا رجعة عنه.
حين ننظر إلى هذا المسار كاملًا، من فنان صاغر لرجعية الوسط المحيط به، إلى فنان يرفض طلب وزير دفاع ويشاجره دفاعًا عن موقفه، ندرك أن ما تغير كان علاقة الفنان بهويته وبذاته.
هذا بالضبط ما لخصه المحامي مجدي العمروسي، حين استعاد كلمات محمد عبد الوهاب نفسه عن مكانة الفنان: “الفنان أهم من أي إمبراطور أو أي ملك أو أي رئيس (…) مين فاكر رئيس جمهورية النمسا منذ ١٠٠ سنة؟ ولا واحد … من يعرف صاحب السيمفونية الخامسة، وكان موسيقيًا فاقد السمع؟ طبعًا بيتهوفن، يعني بيتهوفن أهم من إمبراطور النمسا، وكذلك بالنسبة لألمانيا أو روسيا أو بولندا أو أي بلد … الفنان أبقى من أي إمبراطور أو ملك. أهو بيتهوفن مولود سنة ١٧٧٠، مين يعرف بقى مين كان رئيس ألمانيا في ذلك الوقت؟ ولا واحد!”
صورة الغلاف من أرشيف نواف سليم.
