ما بين اللفظ والمعنى | أثر ابتهال الأعجمي بكلماتٍ عربيّة

مقالات - كتابة: فاطمة جابر - ٢٠٢٦/٠٩/٢٤
ما بين اللفظ والمعنى | أثر ابتهال الأعجمي بكلماتٍ عربيّة
تحميل...

في بعض أدعية القرّاء الإيرانيين، ثمة ما يربكني في كل مرة. أعرف مخارج الحروف، وأعرف أين ينبغي أن يستقر اللسان، وألتقط مواضع الخلل حين تقع؛ ومع ذلك، حين يرتفع صوت لا يتقن العربية إتقانًا كاملًا، يصلني منه أحيانًا ما لا يصلني من الصوت العربي الفصيح.

المفارقة أن ما يشدني إلى هذا الصوت هو عين ما يبعده عن الفصاحة. إذ كثيرًا ما لا يستقر الحرف عند القارئ الإيراني في موضعه المألوف؛ بل يميل قليلًا وتتسرّب إليه الفارسية من كل مكان. لكن ما نسميه، من زاوية اللغة، عيبًا أو لكنة، يصير في فم الداعي شيئًا آخر تمامًا: إحساسًا عاريًا، كأن الصوت لا يقول “أدعو”، بل يقول: “لا أملك هذه اللغة، ومع ذلك أرفعها نحوك.”

هنا تبدأ المسألة، لأن الدعاء أصلًا ليس كلام المكتفي، بل اعتراف بالحاجة. فمن يملك اللغة يقف أمامها واثقًا، محكم المخارج، ثابت المد، يعرف أدواتها الصوتية ويصرّفها بثقة، بينما من لا يملكها يقف أمامها صغيرًا، واللغة أكبر منه. هذه المسافة الصغيرة، بين قارئ ولغةٍ لا تطاوعه تمامًا، هي التي تأسرني؛ إذ ثمة فرقٌ حقيقي بين أن تستمع إلى من يملك الكلام، ومن يتوسل به: الأول يهب الأذن جمالًا، والثاني يهب القلب رجاءً وخشية.

لعل ذلك يعود إلى أننا لا نستمع إلى الكلمات وحدها. قبل أن نفهم الجملة، نسمع نبرتها؛ نلتقط تردد الصوت وارتفاعه، وطول النَّفَس الذي خرجت به، وموضع انقطاعه، قبل أن يبلغ المعنى العقل أصلًا.  هذا ما تذكّرني به حكاية وجدتها في أرشيف تسجيلات السيد جواد ذبيحي، ولا تزال تلازمني منذ قرأتها: كاتب إيراني يروي أنه في الثالثة عشرة من عمره كان يستمع إلى دعاء الافتتاح بصوت ذبيحي، ثم وجد بعد سنوات تسجيلًا قديمًا لنفسه وهو طفل يقلّد ذلك الأداء نغمة نغمة، رغم أنه لم يكن يفهم حينها من العربية كلمة واحدة. كانت الأنغام وحدها، دون معجم ولا قواعد، ترسم في وجدانه صورة عن المعنى.

من الأمثلة التي تجعل هذه الفكرة أكثر تعقيدًا قراءة محسن فرهمند لدعاء الصباح وهو الدعاء المنسوب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والذي جرت العادة أن يُتلى عقب صلاة الصبح، حتى صار من أكثر الأدعية حضورًا في الذاكرة الشيعية وترديدًا على الألسنة. في أداء فرهمند تميل الصاد في كلمة الصباح إلى السين ميلًا خفيفًا. قد لا يبدو هذا شيئًا يستحق الالتفات، لولا أن كلمة الصباح في هذا الدعاء بالذات هي الصورة التي يدور حولها النص كاملًا: “يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلّجه”؛ فحين تأتي الكلمة التي يقوم عليها الدعاء بأكمله بصوتٍ لا يطابق صورتها العربية تمام المطابقة، لا يختفي المعنى ولا يتعطل النص عن بلوغ تمامه، لكن المسافة بين الكلمة وصوتها تتغيّر.

غير أن حالة السيد جواد ذبيحي تضع الفكرة أمام اختبار مختلف؛ إذ لا يمكن تفسير كل اختلاف صوتي بالعجز عن النطق بالعربية. فالمصادر المتخصصة بتاريخ المناجاة الفارسية، ومنها دراسة محمد رضا ممتاز واحد عنه، تذكر تمكنه من أداء المناجاة العربية وأساليبها، ومع ذلك اتجه في جانب كبير من أعماله الدينية إلى المناجاة بالفارسية وتلحينها. كان يخفف محمد رضا، في أدائه الديني، من بعض التحارير والزخارف الصوتية التي كان يستخدمها في غنائه غير الديني، مفضلًا وضوح الكلمة ونقل المعنى على استعراض المهارة. هنا يصبح ما نسمعه مختلفًا. فإذا كان التكسّر عند فرهمند أثرًا يتسرب إلى الأداء من غير قصد، فإن اختلاف النطق عند ذبيحي يمكن أن يُفهم بوصفه اختيارًا فنيًا وروحيًا لصوتٍ تظل فيه لغته الأولى حاضرة.

تكشف أيضًا تجربة المؤذن الإيراني رحيم مؤذن‌ زاده أردبيلي عن وعي خاص بهذه الفروق؛ فالعربي ينطق كلمة لا بحركةٍ أقرب إلى الفتحة الخفيفة، بينما كان المؤذن يحرص على نطقها واضحة كما هي. يتيح هذا الوعي بالفارق النطقي لهذين المبتهلين تحويله من عقبة إلى جزء من الهوية الصوتية للأداء.

يتضح هذا الفارق أكثر عند القفل، أي اللحظة التي تُختم بها الجملة الدعائية؛ فحين يقرأ أباذر الحلواجي دعاء عرفة، تصل كل كلمة إلى مخرجها الصحيح، وتُختم الجملة الأخيرة، “والحمد لله وحده”، بنطقٍ لا لبس فيه. أما مهدي سماواتي فيحمل صوته الاهتزاز نفسه من أول الدعاء إلى آخره، حتى إذا بلغ الجملة التي يُغلق بها كل شيء، خرجت الحاء هاءً. هنا يصبح الأمر لافتًا: إذ يقع الاهتزاز في الكلمة التي يُغلق بها الدعاء كله؛ وفي القفل، خلافًا لبقية الجملة، لحظة يُفترض أن يبلغ فيها اليقين ذروته، وحين يتسلل إليها الاهتزاز نفسه الذي رافق النص من أوله، لا ينغلق الدعاء بقدر ما يبقى مفتوحًا على هشاشته.

ربما يكون أجمل ما في صوت القارئ غير العربي أنه يكشف لنا شيئًا ننساه ونحن داخل لغتنا: أن اللغة ليست المعنى كله. النص كامل، لكن الصوت ليس كاملًا، وربما يحتاج الدعاء أحيانًا إلى هذه الفجوة بالذات لكي يصبح أكثر إنسانية.

لستُ معنيةً هنا بإثبات أن قارئًا إيرانيًا أفضل من قارئ عربي، بل أفضّل أن أترك السؤال معلقًا: لماذا يصير صوتٌ لا يتقن العربية إتقانًا مثاليًا أقرب طريق، أحيانًا، إلى قلب العربية نفسها؟ لهذا، حين أعود إلى بعض تلك التسجيلات، أبحث عن الصوت الذي يُذكّرني بأن خلف الكلمات إنسانًا يخاف، ويرجو، وينكسر، ثم يرفع، بلغته الناقصة، صوته نحو ما لا تسعه لغة. هناك، في تلك اللحظة تحديدًا، يسبق الصوتُ المعنى إلى القلب.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف