من السبعة وأربعين إلى أبو نعيم | الحياة الموسيقية في سورية الجديدة

مقالات - كتابة: رافاييل لايساندر - ٢٠٢٦/١٠/١٢
من السبعة وأربعين إلى أبو نعيم | الحياة الموسيقية في سورية الجديدة
تحميل...

حين تصعد الطريق نحو مسرح دمر المفتوح، شمال دمشق، فإن أول ما يستقبلك هو مفاجأة صادمة تتخذ هيئةَ بناءٍ معماري. المسرح محفور في سفح الجبل؛ متواضعٌ، يترقب الحدث، وتغمره تلك الآمال البسيطة المرتبطة بأمسية موسيقية وشيكة، وفوقه مباشرةً، وكأن مُخرجًا مولعًا بالقسوة هو من وضعه هناك، يتربع مركز للشرطة. 

من الأسفل، قد يبدو المبنى جزءًا من المجمع نفسه؛ ربما مبنًى للخدمات أو ملحقًا للتدريب على المسرح والفنون؛ وهذا هو الظن الذي يتبادر إلى ذهنك – من باب حسن النية – إلى أن ينهار هذا الافتراض وتدرك حقيقة ما تراه: إنه برج مراقبة. لم يكن النظام القديم يبني بتواضع أو خفاء، وإنما يبني ليكون مرئيًا، وليُشعر الناس بوطأته تلامس أقفيتهم.

لا يُفترض أن تُفتح الأبواب قبل السابعة، لكن الطابور يبدأ في التشكل بحلول السادسة؛ التزامٌ بالمواعيد يوحي بالشغف والتعطش. تتأمل الصف، فتروي لك الحشود قصتها قبل أن تُنطق كلمة واحدة: إنهم شباب، يرتدون ملابس معاصرة، وثمانية من كل عشرة منهم يُلقي كوفية فلسطينية أو شماغ أحمر بمرونة فوق الأكتاف، وكأن القماش بمثابة بطاقة تعريف أو شارة انتماء. تتوالى السيارات في الوصول، بعضها فارهة، وكثير منها من النوع الذي لا يملكه من يحسبون تكلفة الوقود – وتجد نفسك تحسب الأرقام دون قصد: تصطف هنا شريحة محددة؛ ميسورة الحال، من الطبقة ما فوق الوسطى، ومدنية، ودمشقية بامتياز؛ مع استثناء وحيد يمكن تمييزه لناشطة دأبت على الحضور في كل تجمعٍ ذي شأن على الخريطة السورية، وقد جاءت من حلب.

بالقرب من سيارة شيفروليه كامارو تصدح بأغاني إيمينيم بمستوى صوت مرتفع تقف مجموعة من الشبان والشابات، أما البقية فيفعلون ما تفعله الحشود عادةً قبل فتح الأبواب: الوقوف متلاصقين للغاية مع التظاهر بالاسترخاء والهدوء.

تخترق هذا المشهد حافلة مبيت عسكري نوافذها مغطاة بشبك حديدي وينزل منها نحو عشرين رجلًا يرتدون ملابس سوداء ويبدأون السير رَمَلًا، نحو طابور الحضور. لحوالي أربع ثوانٍ يمر الطابور بأكمله بنوع من رد الفعل الجسدي الجماعي. كان المشهد عبارة عن عدد كبير من السوريين الذين استعادوا، في آن واحد، “برمجية” قديمة، تلك التي كانت تعني “غادر الآن واسأل لاحقًا”، ليكتشفوا هذه المرة أنه لم يعد لتلك البرمجية مكان للتطبيق؛ إذ تبيّن أن الرجال العشرين بملابسهم السوداء هم طاقم تنظيم الفعالية، وقد اصطفوا بسرعة وانضباط عسكريين مبهرين، متخذين أماكنهم بمجرد صدور أمر من القائد. يتميز عدد كبير منهم بلحًى ذات طابع يرتبط عادةً بنوع معين من الجدية الدينية. مع ذلك، لا يبدو على أي منهم أدنى انزعاج من تولي مهام أمنية لحفل موسيقي.

في تلك اللحظة تقريبًا، تندفع دراجة نارية يركبها شخصان بسرعة مفرطة وارتباك، وتكاد تخترق مدخل مركز الشرطة مباشرة، بعد أن ظنوا، وهو ظن منطقي بالنظر إلى التصميم المعماري للمبنى، أنه مدخل المسرح.

قبل عامين، كان من الممكن أن يكلف هذا الخطأ المرء قضاء فترة ما بعد الظهر في التحقيق وفقدان بعض الغضاريف. أما الليلة، فيكتفي الضباط بالضحك وتوجيه الراكبين نحو البوابة الصحيحة، وتنتهي الحادثة عند هذا الحد.

أسأل مجموعة الكامارو: كيف تصنّفون الموسيقى التي تُعزف هنا اليوم؟ فتتوزع الإجابات حول: موسيقى إلكترونية، ودبكة، وراب. لا أحد منهم، أو من الآخرين الذي سألتهم في انتظار فتح الأبواب، يستخدم مصطلحًا مثل إندي (موسيقى مستقلة)، ولم يذكر أحد مصطلح شام ستيب، وهو ابتكار خاص بفرقة السبعة وأربعين لوصف نوع موسيقي يجمع بين إيقاعات الشعبي والدبكة وبين الإنتاج الموسيقي الإلكتروني.

ربما لم يذكروا ذلك لأن الكثيرين في هذا الحشد لم يأتوا في رحلة مخصصة لسماع السبعة وأربعين بقدر ما جاءوا بدافع الرغبة العامة في قضاء سهرة ممتعة تخرج قليلًا عن المألوف السائد، بغض النظر عمن يقدمها. عندما سألت الحاضرين، لم تكن سوى قلة قليلة منهم قد سمعت باسم وائل القاق – العائد من باريس – قبل هذه الليلة.

الجهة المنظمة لهذا الحدث هي حجرة ورقة مقص، التي شارك في تأسيسها يامن مقداد، العائد مؤخرًا من لندن. كانت الجهة نفسها قد نظمت حفلًا للفنان سينابتيك في المكان ذاته في تموز الماضي، وحملت ملصقات الأمسيتين العبارة الترويجية نفسها وهي “لأول مرة في سوريا”، وكأنها عبارة تقرر أنها تشكل ركيزة أساسية للحدث. يبدو أن أي خلل شاب حفل سينابتيك السابق قد جرى تداركه وتصحيحه؛ ففي هذه الليلة، وعلى الأقل حتى الآن، تسير الأمور بسلاسة وكفاءة تامة.

تبدأ السهرة بمقطع موسيقي قدمه دي جاي خليل ولم يلحظه أحد تقريبًا، لأن الجمهور كان لا يزال يتوافد ويأخذ أماكنه ويمارس تلك الطقوس المعتادة للحشود في الدقائق الخمس عشرة التي تسبق تحولهم فعليًا إلى جمهور. ثم يدخل وائل القاق ويستعين في توليفته بأغانٍ يمتلكها الجميع بالفعل من الناحية العاطفية مع دمجها بموسيقى إلكترونية: من مفرق جاسم، وجنة جنة، وارفع راسك فوق، ويا طيرة طيري يا حمامة. أغانٍ تعمل كنوع من كلمة سر مشتركة، ويكون تأثيرها على الجمهور، الذي لا يعرف غالبيته هوية وائل، فوريًا ومؤثرًا لدرجة تثير الدهشة؛ إذ يبدأ الغرباء بالغناء والمشاركة، لأن الأغنية نفسها هي التي تدعوهم لذلك، وتشعرهم بأنهم جزء مما سيحدث، وأنهم ينتمون إليه بالفعل.

ثم تأتي استراحة، تليها صعود فرقة السبعة وأربعين ناقصةً عضوًا واحدًا؛ وهو ولاء من أراضي الـ ٤٨. ثم، وفي اللحظة التي كانت الفرقة تستعد فيها للبدء، صدح صوت شابة من بين الحشود بالهتاف: “من الميّة للميّة، فلسطين عربية”؛ ليلتقط المدرج بأكمله الهتاف دفعة واحدة، في مشهد لا يحدث إلا حين تكون المشاعر كامنة وجاهزة للانطلاق، مشحونة بالكامل وتنتظر فقط من يطلق الشرارة الأولى. بدا التأثر واضحًا على أعضاء الفرقة، وهو أمر متوقع. لكن ما لم يكن متوقعًا بالضرورة – أو على الأقل ما لم أتوقعه أنا، حين دخلت المكان محملًا بافتراضات مسبقة حول هوية هؤلاء العشرين رجلًا من طاقم وما قد يتقبلونه، هو أنهم تأثروا هم أيضًا وهم يستمعون لآلاف الغرباء يهتفون لفلسطين. ربما يضع هذا المشهد علامة استفهام صغيرة أمام الافتراض بأن طاقم الأمن المحافظ دينيًا والشباب الذين يرتدون الكوفية ويستمعون لموسيقى الإندي يعيشون في عالمين ثقافيين متباعدين، وربما حتى متوجسين من بعضهما. لا نعرف ما الذي يجري في دواخل كل واحد منهم، لكن الاحتكاك، حتى حين يكون عابرًا، قد يكشف عن مساحات مشتركة لا يمكن استنتاجها من المظهر أو الانتماء الثقافي. 

في نفس الساعة تدور في الريف الجنوبي لدمشق حفلةٌ من نوع مختلف يحييها مغنٍّ شعبي يُدعى أبا نعيم القابوني. إذا أردتَ أن تدرك النطاق الحقيقي لما يعنيه المشهد الموسيقي السوري الجديد حاليًا، بعيدًا عن ذلك الجزء الذي تلتقطه وسائل التواصل الاجتماعي، فعليك أن تضع الصورتين معًا في ذهنك في آن واحد. في حفلة أب نعيم، التجهيزات المادية متواضعة جدًا مقارنة بحفل دمر، لكن الحشد ليس أصغر عددًا وفقًا لأي مقياس مرئي، مع أنه يقتصر تمامًا على الرجال كذلك؛ بدءًا من المراهقين ووصولًا إلى رجالٍ يبدو أنهم يستمعون إلى أبي نعيم منذ ما قبل ولادة بعض أفراد جمهور مسرح دمر. لا أحد يرتدي ملابس فاخرة، ويوحي المظهر العام بأنهم قدِموا للتو بعد إغلاق متاجرهم، وهو ما حدث بالفعل بالنسبة للكثيرين منهم. لا يوجد أي أثر لفرق أمنية، سواء كانت رسمية أو غير ذلك، لأن نسبة كبيرة من الرجال في هذا الجمهور هم أنفسهم عناصر في الجيش أو الأجهزة الأمنية خارج أوقات الخدمة، أو أنهم على صلة وثيقة بذلك العالم، لدرجة أن مسألة من يتولى الأمن تجيب عن نفسها تلقائيًا بحكم الواقع.

تتألف الفرقة الموسيقية من عائلة واحدة، فالجد يتولى هندسة الصوت، والأب يعزف على العود الكهربائي، والابن يعزف على الأورغ (الكيبورد). لو راقبتَ هذا الجمهور وهو يتوافد إلى المكان، تلك الملامح والوضعية الجسدية التي تعكس إرهاق نهاية أسبوع طويل، لربما راهنتَ أن هذا الجمهور لا يرتضي سماع المعازف. لكن ما إن يبدأ أبو نعيم في الغناء حتى ينهض رجل في الستينيات من عمره ويبدأ بالرقص وسط الحشد، سابقًا كل الشباب. أعتقد أن هذه هي النتيجة الفعلية هنا، وهي أن سوريا الجديدة عدة حشودٍ متباينة للغاية: طبقة وسطى دمشقية تستقل سيارة كامارو، وجمهور غني يدفع ٥ أضعاف متوسط الراتب السوري لحجز المقعد في الصف الأول من حفل أصالة نصري، وجمهورٌ ريفيٌّ قوامه بالكامل من الذكور يتابع فرقةً عائليةً تمتد عبر ثلاثة أجيال؛ وكل هؤلاء يصلون – بدرجة أو بأخرى – إلى النتيجة ذاتها عبر مساراتٍ مختلفةٍ تمامًا، مفادها أنه بمجرد أن تبدأ الموسيقى، عليك أن تنهض وترقص، وأن تؤجّل كل ما عدا ذلك.

هنا نصل إلى مسألة التذاكر. تراوح سعر التذكرة بين عشرين وثلاثين دولارًا، حسب موعد الحجز؛ وهو سعر أقل فعليًا من أرخص مقعد في حفل للفنانة أصالة نصري. مع ذلك، لم تصل المبيعات إلى المستوى الذي كان يأمله المنظمون، لدرجة أنه أُعلن قبل أيام قليلة فقط من موعد الحفل التحول إلى بيع التذاكر عند مدخل القاعة مباشرة.

ثمة فجوة حقيقية هنا بين حجم الاهتمام الذي يثيره الحفل وبين عدد الأشخاص المستعدين فعليًا لدفع المال لحضوره في بلد يُعد فيه إنفاق عشرين دولارًا قرارًا ماليًا كبيرًا لمعظم الأسر. لا تزال الموسيقى المستقلة – مهما بلغت قيمتها النقدية أو الرمزية – تطلب من الناس إنفاق مالٍ حقيقي على شيءٍ اختياري، في ظل اقتصادٍ لا يترك مجالًا كبيرًا للخيارات غير الضرورية؛ وهذه الحقيقة تؤثر في تشكّل المشهد الموسيقي السوري الجديد على أرض الواقع أكثر بكثير من أي تغطيةٍ عبر منصة إنستجرام.

عندما سألتُ إحدى الحاضرات عما تعتقد أنها ستتذكره فعليًا من هذه الليلة بعد أن يضيع كل شيء آخر في ضباب الذاكرة، لم تتردد في الإجابة: هتاف فلسطين؛ قالت إن ذلك كان الجزء الأجمل، تلك اللحظة العفوية التي تعيدك فجأة إلى طفولتك حين كنت تؤمن بأغنية مثل الحلم العربي. ثم النغمات الأولى لعرض فرقة السبعة وأربعين، ومقدمة إيقاع الشام ستيب. قالت إنها لا تعتقد أنها ستنسى ذلك أبدًا، ثم أضافت أن حقيقة أن كل هذا يحدث في سوريا، هو ما لا تزال تعجز عن استيعابه تمامًا، سواء في لحظة الحدث أو عند استرجاعه لاحقًا.

لا أعتقد أنها تبالغ في العاطفة، ولا أظن أنني أفعل ذلك أيضًا، حين أقول إن الأمر نفسه يكتسب وقعًا مختلفًا بمجرد تذكر ما كان يعنيه سابقًا أن تُحيي فرقة موسيقية حفلًا في دمشق. كان ذلك يعني شيئًا أقرب إلى إعلان تأييد منه إلى مجرد أداء فني؛ اسألوا فيروز، التي تحول حفلها في دمشق إلى ما يشبه دليلًا على الولاء لنظام كان يستميت لربط اسمه باسمها. كانت الموسيقى هناك جزءًا أساسيًا من حاجة الحكومة لأن تظهر بمظهر من يحظى بإعجاب شخصيات لها وزنها وقيمتها.

لعل هذا هو المقياس الحقيقي – وغير البراق – لما تغير: ليس توقف مركز الشرطة عن فرض ظله المهيب فوق المدرج، ولكن الحضور لسماع أغنية ما، ولو لأمسية واحدة، لم يعد بالضرورة مؤشرًا على ولائك لأحد؛ وأن أولئك الرجال العشرين الذين يرتدون الأسود يمكن أن يتأثروا بالهتاف ذاته الذي يردده الحشد الذي يراقبونه؛ وأن الخطأ في اختيار المدخل قد يُقابل بالضحك بدلًا من الضرب. حقائق صغيرة وبسيطة، لكنها أيضًا، وحتى وقت قريب جدًا، كانت خيالًا.

ثمة أمر يستحق التأمل فيه قبل أن نغادر منطقة الربوة: فالجهة التي نظمت أمسية السبعة وأربعين هي ذات الجهة التي أحيت ذكرى سقوط الأسد عبر تنظيم حفلة رايف في مركز تجاري مهجور بدمشق؛ وهو حدث حظي بتغطية في مجلة جي كيو ميدل إيست بوصفه رمزًا لحياة المدينة الليلية وهي تتنفس الصعداء لأول مرة منذ خمسين عامًا. ما يعني أن عرض السبعة وأربعين هو مؤشر ضمن رهان أكبر تراهن عليه الجهة المنظمة بوجود جمهور في دمشق متعطش لأنشطة لم يكن من الممكن قانونًا إقامتها قبل ثمانية عشر شهرًا، ويبدو أن الشركة تكسب هذا الرهان حتى الآن. مع ذلك، يجدر بنا التساؤل عن طبيعة الدلالات التي تحملها فعليًا حفلة صاخبة في مركز تجاري أو عرض لفرقة فلسطينية-أردنية تمزج الأنماط الموسيقية في مدرج مفتوح؛ فعبارتا “عودة الحياة الليلية إلى دمشق” و”عودة المشهد الموسيقي إلى سوريا” لا تعنيان الشيء نفسه عند التدقيق، رغم أن الكثير من التغطيات الإعلامية لهذه المرحلة تدمجهما معًا.

لنبدأ بجانب الأمل، فهو حقيقي وملموس ولا يستهان به. لقد تلاشت الرقابة الحكومية بمفهومها المباشر والصريح؛ والدليل على ذلك ليس إعلانًا رسميًا عن سياسة جديدة، ولكن عودة أشخاص بعينهم للوقوف على مسارح محددة. على سبيل المثال، عاد هاني السواح المعروف فنيًا باسم الدرويش في شهر كانون الثاني بعد غياب دام ثلاثة عشر عامًا، وقدم عروضًا كاملة العدد في دمشق القديمة، مؤديًا أعمالًا ذات طابع سياسي جريء؛ وهي أعمال كانت ستؤدي إلى مصير مختلف تمامًا لو قُدّر له تقديمها في ظل النظام السابق.صرّح الدرويش لوكالة أسوشييتد برس لاحقًا بانتيابه لشعور غريب بأنه “لم يغادر قط”، وهي عبارة تحمل في طياتها مشاعر جميلة وأخرى قد تكون نذير شؤم، وذلك يعتمد على كيفية تفسير العبارة عند إسقاطها على فترة غياب قسري امتدت لثلاثة عشر عامًا. ثم في شهر أيلول، وبحجمٍ يفوق بمراحل أي حفل موسيقي “أندرجراوند” (غير رسمي) أو عرض في مدرج عام، عادت أصالة نصري إلى الوطن بعد غياب دام خمسة عشر عامًا؛ حيث أقيم الحفل في صالة رياضية أعادت وزارة الثقافة تجهيزها، وصعد وزير الثقافة بنفسه إلى المسرح ليصفها بـ “ابنة دمشق”، وهي مبادرة تحمل دلالات عميقة وهادئة، إذ أن الدولة هي التي تتولى مراسم الترحيب هذه المرة، وليس متعهدي الحفلات.

هنا تحديدًا تبدأ مشاعر الأمل في التكدر قليلًا، أو على الأقل تزداد تعقيدًا؛ ذلك أن عودة أصالة لم تُقابَل بالترحيب أو تُعتبر خبرًا سارًا لدى الجميع حتى داخل البلاد. إذ ضغط رجال دين محافظون وأطلقوا حملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي للمطالبة بإلغاء الحفل تمامًا. هكذا، تجد نفسك أمام بلدٍ مستعد لأن تعيد الدولة بناء مسارحه وأن يصعد وزيرٌ إلى منصته، ولكنه في الوقت ذاته بلدٌ يضم تيارًا فاعلًا في هذه المرحلة الانتقالية يفضل ألا يكون لك ذلك المسرح من الأساس. يشكّل كلا المشهدين واقع المشهد الموسيقي الحالي، ولا يلغي أحدهما الآخر.

كما يكشف الجانب “السري” (أو غير الرسمي) من المشهد عن نسخة أغرب للقصة ذاتها؛ فالمجموعات التي دأبت على تنظيم حفلات الموسيقى الإلكترونية الصاخبة في سوريا قبل عام السقوط كانت تضمن استمراريتها في ظل النظام القديم عبر دفع الرشى للأجهزة الأمنية؛ وهي رشى وفّرت ما يشبه “العبور الآمن” غير الرسمي للحفلات. أما في مرحلة ما بعد البعث، فقط سقط الأسد، لكن قوانينه وبيروقراطيته ما تزال تطبق دون الترتيبات السابقة التي كانت تسمح للفرق ببعض المناورة. لم يصبح الحصول على التصاريح أسهل.           

عبّر صاحب نادي خاص يحاول الحصول على ترخيص بالقول: “لم يعد المزاج العام كما كان”، وهي طريقة حذرة للقول إن التحرر من القيود لا يعني بالضرورة تحسنًا في الأوضاع، وإن المشهد الفني الذي اعتمد في الخفاء على نمط معين من فساد النظام القديم لا يحصل تلقائيًا على وضع أفضل لمجرد زوال ذلك النظام.

تحت هاتين القصتين تكمن الحقيقة الاقتصادية الصارخة ذاتها التي كشفتها بوضوح أمسية السبعة وأربعين: لا أحد من المشاركين يملك المال، وهذا أمرٌ بادٍ للعيان. حتى عودة دار الأوبرا في دمشق إلى الحياة، التي بدأت في شباط من العام الماضي بحفل سيمفوني، شهدتتصريحًا لعازف كمان (في الثالثة والثلاثين من عمره) أخبر فيه أحد المراسلين بأن الأوركسترا لم تكن تتلقى أي دعم مالي في عهد الأسد أيضًا؛ ما يعني أن غياب تمويل الدولة ليس أمرًا جديدًا، بل الجديد الوحيد هو غياب الرقابة التي كانت تفرضها الدولة. لا تزال الفرق المنتمية للمشهد الفني غير السائد تواصل عملها كما كانت تفعل خلال أصعب سنوات الثورة وما قبلها: تسعى للحصول على منح إقليمية، وتعمل في وظائف نهارية، وتتعامل مع ثمن تذكرة الدخول باعتباره مطلبًا ماليًا حقيقيًا وجوهريًا. أما التيار السائد، فحين يظهر يأتي مدعومًا من وزارة ما أو شركة ضخمة، وتحت لافتة مهرجان دولي في حين يظهر المشهد المستقل بدعمٍ ممن تمكن من حجز خانٍ قديم أو مساحة في مصنع مهجور، آملًا أن يحضر عدد كافٍ من الناس لتغطية تكاليف مهندس الصوت.

عندما نربط النقاط ببعضها من منطقة دمر إلى حفلة الرايف في المركز التجاري، ودار الأوبرا، وصالة الفيحاء الرياضية، وحفلات الخانات في المدينة القديمة، نجد أن أيًا من هذه الفعاليات لا يحدث إلا في دمشق، أو في أماكن لا تبعد عنها أكثر من رحلة نهارية قصيرة. يبعث هذا بحد ذاته على حزنٍ صامت إذا كنت تكتب هذه السطور من أي مكان آخر في البلاد: إنه نهوض ثقافي وطني يقتصر – حتى الآن – بشكل شبه كامل على دمشق، في بلدٍ لا تحظى مدنه الأخرى (بما فيها حلب، التي كانت يومًا ما تنافس على لقب المركز الثقافي والتجاري لسوريا) بصالات رياضية مُجدَّدة، ولا بزيارات وزارية، ولا بأي شيء يُذكر، باستثناء متابعة أخبار ما يحدث في مكانٍ آخر.

لكن أيًا من ذلك لم يغيّر ما رأيته يحدث في منطقة دمر، أو ما حدث على بعد خمسين دقيقة جنوبًا في التوقيت نفسه، داخل قاعة أصغر بكثير ومع جمهور أكبر سنًا؛ جمهور لم يسألني أحدٌ منهم عن رأيي في أي شيء، قبل أن ينهض رجل ستيني بمفرده – وقبل أن يقرر أي من الشباب الحاضرين أن الليلة مناسبة للرقص – ويبدأ بالرقص رغم كل شيء.

مهما كانت ملامح المشهد الموسيقي في هذا البلد بعد خمس سنوات – سواء اتسع أو تقلص، أو أصبح أكثر حرية أو خضوعًا للرقابة، أو انحصر في دمشق أو تحول أخيرًا إلى شيء مختلف تمامًا – فإن تلك اللحظة تظل أمرًا لا أعتقد أن أحدًا سيتمكن من محوه أو التراجع عنه. ثمة شخص ما، في مكان ما من سوريا، يرقص دائمًا – وبشكل مسبق – متقدمًا بخطوةٍ طفيفةٍ على ما قد يقرر المسؤولون السماح به.


غلاف المقال من تصوير آية النملي.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف