فن العصاية الصبر | أصول التحطيب في الصعيد

مقالات - كتابة: صالح عمر - ٢٠٢٦/٠٨/١٧
فن العصاية الصبر | أصول التحطيب في الصعيد
تحميل...

في ليلة حنّة من ليالي عام ٢٠٠٥ أمسك الخال محمد السيد (أبو الشيشان) عصاه، ودخل الساحة متراقصًا مع آخر على أنغام الربابة، بينما كان صوت فنان شعبي يطربنا بأغنية أم كلثوم أنساك. كانت الحلبة تضج بالفرح والعصي تدور في الهواء، تتلاقى وتنفصل في رقصة مفعمة بالفخر والمهابة. هناك، وسط الزغاريد والضحكات، جسدت العصا ظلًا ممتدًا لتاريخ طويل، تتقاطع فيه الحكايات من أيام الفراعنة إلى يوم الناس هذا.

بعد عشرين عامًا تقريبًا، في قاعة مكتبة مصر العامة بالأقصر، وفي حفل ابنتي الغالية خرجت كارمينا هاني (١٧ سنة) إلى المسرح، تمسك عصاها بثقةٍ لافتة، وتواجه زميلها كيفين رامي في مباراةٍ قصيرةٍ تحت أنظار الجمهور. تحركت بخفةٍ وإتقانٍ مبهرةً الحضور ومربكةً الصورة الذهنية عن لعبةٍ ارتبطت بالرجال قرونًا طويلة.

منذ آلاف السنين، لازمت العصا رجال الصعيد في حروبهم وأفراحهم، في العمل والفخر، رمزًا للقوة والكرامة ورفيقة للذاكرة؛ من ضربة التحطيب في الساحات إلى مشية الفلاح في الحقول، ومن نقش العصا على جدران المعابد إلى إدارجها في قائمة اليونسكو للتراث غير المادي عام ٢٠١٦.

لعبة أم رقصة

في طفولتنا، كان كلٌ منا يمسك عصًا صغيرة يلاعب بها صاحبه، نطوي الأيام شوقًا إلى أن نكبر ونلعب كما يلعب الكبار في الساحات العامة. شهد كل دربٍ صغير على ألعابنا، وكل ساحة مسرحًا لنزال الصعايدة في ليالٍ يحتشد فيها الناس كما يحتشد النيل في فيضه.

كان أبرزنا ابن عمي مصطفى علي. فتنته العصا يلاعبها ويداعبها حتى أصبحت امتدادًا لذراعه. حين التحق مصطفى بالخدمة العسكرية، كانت كتيبته في سوهاج، وهناك فوجئ ذات رمضان أن الجيش يحتفل بليلة ٢٧ على طريقته: “كان القائد عامل حلقة تحطيب، واللي له في التحطيب يطلع. استغربت، جيش وفيه تحطيب! لكن لما سمعت المزمار، قلت خلاص دي ليلتنا.”

يحكي مصطفى ضاحكًا: “نزلت ولعب وكلت اتنين من زمايلي في اللعب، القائد سلم عليّ واتشهرت مصطفى بتاع العصاية. لكن جه عادل من فرشوط بعد كدا وسأل عليا وهو ما كانش حاضر الحلقة اللي حصلت في رمضان، وقاللي انت مصطفى بطل العصاية قلت له أيوه، قالي تعالى علمني، وقتها كنت فاكر نفسي ما فيش مني اتنين، لكن هو كان فنان تحطيب وراح وقف العصاية على راسي من الخلف المنطقة اللي بنسميها الخزنة عشان يعلم عليا ويعلمني اللعب على أصوله، خدت معاه فترة الجيش كلها واتعلمت كتير منه وحببني في العصاية.”

بعد سنوات، وجدت المشهد يتكرر لكن بملامح جديدة. ذهبت إلى جمعية الصعيد للتربية والتنمية في الأقصر، لأشهد تدريب فريق التحطيب تحت إشراف المدرب مايكل بشرى، أحد أوائل لاعبي التحطيب بالجمعية. هناك قابلت كارمينا هاني (١٧ سنة)، وريتا جرجس (١٥) وجاسيكا بشرى (١٥) وميرنا ماجد (١٥) وبولا عماد (١٥) ومارتن مايكل (١٣) وكيفين رامي (١٥) وكيفين مايكل (١٠)، يتدربون جميعًا على التحطيب كما كنا نفعل في الدروب، لكن بفارق واحد، احتراف وانضباط.

لكن، هل التحطيب لعبةٌ أم رقصة؟ وهل يختلف اللفظ في شيء عن الجوهر؟ في وعي الجماعة الشعبية التحطيب لعبة تمارس في أوقات الفراغ، لا رقصة كما تبدو. إذ يرى المجتمع الصعيدي، بعاداته الصارمة وتقاليد المتوارثة، في الرقص خروجًا عن الوقار والرجولة، لذلك ظل التحطيب محتفظًا بمسماه الشعبي كلعبة، رغم ما يحمله من حركات وإيقاعات راقصة.

من تلك الحركات وُلد ما يعرف اليوم بالتحطيب الاحتفالي الراقص، وهو شكل فني مكتمل العناصر الجمالية، وإن غلفه الوعي الجماعي بثوب اللعبة حفاظًا على الهيبة الذكورية. يمكنك أن تراه في عروض فرقة رضا للفنون الشعبية أو في الأفراح الصعيدية.

هكذا أصبح التحطيب اليوم ثلاثة وجوه، التراثي وهو ما نجده في الموالد والساحات، حيث الأصالة والإيقاع الشعبي، والرياضي كما تمارسه جمعية الصعيد، حيث يلتقي الموروث بالتدريب المنهجي، والتحطيب الاحتفالي الراقص في العروض الفنية.

تاريخ العصا

على حائط معبد الكرنك بالأقصر، لوحة منقوشة تمثل الإله حورس وهو يعلم الملك أمنحتب الثالث (١٤٤٨ – ١٤٢٠ ق.م) أصول هذه الرياضة الشعبية، وعلى جدران مقابر الملوك والنبلاء في بني حسن وتونة الجبل وسقارة، يمكن أن نرى رجالًا يقفون في وضع المبارزة، عصيهم مرفوعة في الهواء، تتقاطع بخفةٍ ودقةٍ في مشهد يشبه الرقص أكثر مما يشبه القتال. كانت تلك البدايات الأولى للتحطيب، يوم كان الفراعنة يمارسونه كرياضةٍ قتاليةٍ يتدرّب عليها الجنود ويحتفي بها الملوك.

يذكر هيرودوت أن المتبارزين بالعصي كانوا يتلقون إصاباتٍ حقيقية، وربما قاتلة أحيانًا، غير أن غاية التحطيب لم تكن القتل بل الإتقان؛ مهارة الدفاع والهجوم وتوازن الجسد والعقل. كان الملوك يشرفون بأنفسهم على تلك المبارزات، وتُقدم الجوائز للفائزين كما تُظهر النقوش في مقبرة بني حسن، حيث يُرى أحد المحطبين وهو ينحني تحية للجمهور بعد فوزه، بينما يقف الآخر مكرمًا من الحاكم. بالإضافة إلى كونها تدريبًا عسكريًا، كانت تلك المشاهد القديمة طقسًا جماليًا يصيغ القوة في صورةٍ منضبطةٍ ومقدسة.

مع مرور القرون، تبدل شكل اللعبة ولم تتبدل روحها. حين نزلت من ساحات الملوك إلى ميادين العامة، تبدل الجمهور من الفرعون إلى الناس، لكن ظلت الحركة هي نفسها والروح واحدة. صارت العصا أداة فخرٍ في الأفراح والموالد، وظل التحطيب يحافظ على مزيجٍ نادر من المهابة والجمال.

يؤكد الباحث حسام الدين محسب في كتابه التحطيب في الصعيد أن اللعبة تحمل مضمونًا دراميًا متجذرًا في السيرة الهلالية، في استمرار لفكرة الفروسية الشعبية وبطولة ابن النيل في مواجهة التحدي دفاعًا عن الجماعة. بطولة لا تقاس بالنصر، بل بقدرة المرء على الحفاظ على الشرف وسط الصراع.

مع الوقت، اتخذ التحطيب شكله الشعبي المعروف اليوم، الحَلَقة التي تُقام في الموالد والأفراح بعد صلاة العصر حتى الغروب. يضع أصحاب الحلقة دككهم حول الميدان، ويهبط اللاعبون تباعًا متبارزين في لعبة ممتعة للجمهور واللاعبين لا خصومة فيها، قوامها استعراضٌ للمهارة والنبل.

ساحات التحطيب

في كل قرية ومدينة صعيدية، يجتمع في حلقات التحطيب مئات من الرجال والشباب في دائرةٍ مهيبة يتوسطها العصا والمزمار.

في أرمنت الوابورات، حيث أنتمي، تُقام تلك الحلقة طيلة أيام مولد النبي محمد الاثني عشر من شهر ربيع الأول في ساحة المسجد العتيق. يتولى تنظيمها معلمو التحطيب من قبيلة بني هلال المقيمة في الوابورات منذ مئات السنين، والتي ترى في التحطيب إرثًا عائليًا مقدسًا.

هكذا تتكرر الحكاية في مدن الصعيد وقراه من برديس في مركز البلينا بسوهاج شمالًا إلى دراو بأسوان جنوبًا، في شريطٍ جغرافي يُعد الحاضنة التاريخية والأم الكبرى لفن التحطيب.

تقام الحلقات عادة في الموالد، مولد النبي أو موالد الأولياء المحليين، وتبدأ بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس. يفتتح اللعب أصحاب الحلقة أنفسهم، ثم يتقدم من يرغب في المشاركة بلا عصا مرددًا كلمة سو، أي أرغب في اللعب. يقدم له اللاعبون العصا، معلنين بدء جولة جديدة، وهكذا تتوالى النزالات على إيقاع المزمار والطبلة.

لكل حلقةٍ يومٌ رئيسي ضمن الأيام الاثني عشر، تتوافد فيه إلى الميدان نخبة من لاعبي التحطيب من شتى محافظات الصعيد، في مهرجان كبير يُكرِّم الأداء والمهارة. يقدَّم اللاعبون الضيوف أولًا، ثم تُفتح الساحة لمن يشاء أن يختبر مهارته أو يلاعب خصمه أمام الجمهور الذي يتفاعل بحرارةٍ واعتزاز.

تنصب حلقة التحطيب أيضًا في مولد الحسين بالقاهرة، حيث يتجمع معلمو التحطيب من مختلف المحافظات في طقس احتفالي فريد. هناك، تنسجم العصا الصعيدية مع إيقاعات القاهرة، وتلتقي الأجيال القديمة بالجديدة في مشهد يذكر بأن التحطيب، رغم جذوره القروية، ما زال فنًا مصريًا جامعًا.

تلك الساحات الشعبية هي القلب النابض للتحطيب التراثي، ومعترف بها رسميًا منذ مئات السنين، تُقام بموافقة الدولة ولا يمكن لأحد إيقافها. أما التحطيب الرياضي كما تقدمه جمعية الصعيد للتربية والتنمية، فيُمارس على المسارح بلاعبين محترفين من الجنسين، حيث تتقدم الفتيات الصفوف إلى جوار الفتيان. في مقابل ذلك، يتخذ التحطيب الاحتفالي الراقص شكلًا استعراضيًا خالصًا كما في عروض فرقة رضا للفنون الشعبية، حيث تصبح العصا أداةً فنية.

النزال

في أصله، التحطيب تمثيلٌ رمزيّ لمفهوم البطولة في المخيال الشعبي الصعيدي. إذ يمثّل كل محطّب قريته أو عائلته أو بلدته التي تهتف له وتحتفي بانتصاره باعتباره انتصارًا للجميع. يستطيع أي شخصٍ صحيح الجسد أن يمارس التحطيب، غير أن التفوق فيه يحتاج إلى قوةٍ عضلية وسرعة بديهة، وشجاعةٍ عالية.

بين صفير العصا وهي تشق الهواء، دق الطبول، صرخة المزمار البلدي، هتاف الجمهور، ووقع القدمين على الأرض، الإيقاع هو الحكم الأول في اللعبة وضابط الحركة. لا يُهزم أحد في التحطيب، لأن الفوز الحقيقي هو الحفاظ على التوازن بين القوة والاحترام، والهجوم والاحتواء. يبدأ التحطيب بالسلام وينتهي بالسلام.

يقول بولا عماد، أحد لاعبي جمعية الصعيد للتربية والتنمية: “لما بمسك العصاية بحسها جزء من جسمي.” لذا العصا في التحطيب رفيقة تُختار كما يُختار السيف للفارس. يشترط أن تكون من الخيزران، خفيفة ومرنة، لا يزيد طولها عن ذراع ونصف، وأن تتساوى العصايتان في الوزن والطول ليظل اللعب عادلًا.

كان الأجداد يستخدمون “الشومة الغشيمة” أو “شوم محلب” الغليظة، تُنتزع من الشجرة عنوة فتحتفظ بخشونتها وقوتها، لكن الزمن روضها فاستبدلها بالخيزران الرفيع، الذي يسمح بالمهارة أكثر من العنف. طريقة الإمساك بالعصا هي أول اختبار للفروسية، فتارة يمسكها المبارز بيدٍ واحدة ليُظهر خفة الحركة، وتارة بكلتا يديه كمن يحمل رمحًا دفاعيًا، وأخرى يوازنها بين كفيه.

يقول لاعبو جمعية الصعيد: “عندنا قوانين، ما ينفعش تدوس على العصاية، ولا نرميها، ووممنوع نهاجم حد بيها. إحنا مش بنرقص، إحنا بنمارس رياضة.” أول ما يلاحظه الناس في المحطب هو كيف يمسك بعصاه، إذ تفصح مسكته عمّا في داخله، ثقته، وعن سيطرته على جسده وذكائه في المراوغة.

يضرب المحطبون عصيهم بكل قوة، لدرجة أنك تشتم رائحة البارود من الخشب. تقول المدربة إيفون أسعد عن لقائها مع طلابها على قناة دي إم سي في برنامج السفيرة عزيزة: “طلعنا دخان من العصيان، فالكاست اللي ورا الكاميرا خافوا ورجعوا ورا ووقفوا وشالوا الحاجات اللي ورانا.” لتصف طاقة اللعبة المشتعلة التي لا تحتاج إلى مؤثراتٍ خاصة كي تُدهش.

في الأسواق الشعبية بالصعيد، لا تزال العصا تُباع إلى اليوم، يتناولها الشيوخ بفخر ويحملها الشباب استعراضًا. منها الخيزران، ومنها الزان، ومنها الشوم والنبق، ولكل نوعٍ مقامه وسيرته. عرفت بها قنا في حروبها ضد الفرنسيين، كما رفعها شيخ العرب همام في وجه المماليك. 

الزي

الجلابية الصعيدي هي الزي الرسمي غير المكتوب للعبة، ويُفضل لأنه فضفاض يمنح الجسد حرية الحركة، ويسمح بالخطوة الواسعة. 

الجلباب واحدٌ في الشكل من أدنى الصعيد إلى أقصاه، لكن التفاصيل الصغيرة هي التي تفرق بين الأجيال؛ فيختار كبار السن أكمامًا واسعة تصل أحيانًا إلى نصف متر، ترفرف مع كل حركة، أما الشباب فتضيق أكمامهم إلى شبر ونصف تقريبًا، لتناسب السرعة والمراوغة.

أما العمامة – أو اللفة كما نسميها في الجنوب – فهي تاجُ الرأس وعنوان الكرامة. لونها في الغالب أبيض، لكنها تختلف في الشكل من قريةٍ إلى أخرى. في دندرة مثلًا، يعتني الرجال بلفة قصيرة لا يتجاوز طول شاشها مترين، ملفوفة بعناية على نحوٍ جمالي يوحي بالاتزان والاعتداد. أما في دراو فتطول العمامة وتثقل الرأس بهيبة، يستخدم فيها إلى حد خمسة أمتار من القماش الأبيض.

أيضًا، لا تكتمل هيئة اللاعب دون الكوفية اللامعة التي تُلقى على الكتف، تلمع تحت شمس النهار أو أضواء المولد. في العقود الأخيرة، بدأ بعض اللاعبين يظهرون بالملابس المدنية – بنطال وقميص – ربما لأنهم يعملون في مؤسسات حكومية، لكنهم ما إن يدخلوا الميدان حتى تعود في حركاتهم تلك الأساليب القديمة، كأن الجلباب لم يغادر أجسادهم.

الجمهور

يتحلق الرجال في دائرةٍ تتسع وتضيق كما يتنفس الصدر، تتشكل المسافة بين المتبارزين من حرارة العيون وصيحات التشجيع، فكل هتافٍ أو تصفيقة هو دفعةٌ جديدة للعب، وكل سكونٍ مفاجئ علامةُ انتظارٍ لما سيأتي.

الجمهور في التحطيب كائنٌ جماعيٌ فاعل، يتنفس بالتصفيق والتهليل والهمهمات. أحيانًا يمد أحدهم يده مشيرًا بحركةٍ توجيهية كأنه مدربٌ على حافة الميدان، وأحيانًا يتدخل لفض نزاع احتدَّ أكثر مما ينبغي. هؤلاء الذين يطوقون الساحة لا يجلسون خلف خطٍ فاصل كما في مباريات الكرة، بل يقفون على بعد خطوةٍ من العصا، يتقاسمون العرق والحماسة.

في لحظات الذروة، يتحول الجمهور إلى مرآة لبطولة اللاعبين. يهتفون لا لأن أحدهم أصاب خصمه، بل لأنه تمالك غضبه أو أتقن صد الضربة في لحظة خاطفة.

أدب التحطيب

في حلقات التحطيب الأدب هو القانون الأعلى، واللعب دون أدب لا يُعد تحطيبًا، بل خروج على سُنة الأجداد.

يبدأ أدب التحطيب قبل أن تُرفع العصا. إذا أراد أحدهم النزول إلى الحلقة، يقف ويقول سو، أي هات العصا. لا أحد يعرف أصل الكلمة على وجه الدقة، لكن يرجعها بعض المؤرخين إلى اللغة المصرية القديمة، شأنها شأن اللعبة ذات الجذور الفرعونية. ينزل اللاعب بلا عصا، وعلى أصحاب الحلقة أن يقدموا له واحدة، أما إن كان أحد الضيوف، فيقدم له صاحب الحلقة العصا بنفسه.

تبدأ الحلقة بقراءة الفاتحة وتنتهي بها تحويطًا للاعبين ودرءًا للعين؛ وفي بعض القرى، لا يزال الوضوء شرطًا للدخول إلى الحلبة، واللعب حافي القدمين دلالة على التواضع والزهد.

ثم يطلب كل لاعب من الآخر أن يبدأ، فلا تضرب العصا قبل الإذن. من الأدب والمهارة ألأ تصل العصا إلى الرأس أو الوجه كما يوضح مصطفى: “من الأدب والاحترام إنك توقف العصاية متوديهاش في الراس. اللي يوديها غشيم لكن اللي يوقفها دا فني تحطيب. ولو تقدر تعفي اعفي، لأن العصاية ملهاش كبير، ولو عفيت النهاردة بكرا حد يعفي عنك.”

يبدو كلام مصطفى متناسقًا مع ما قاله عم دياب أحد كبار المحطبين في الصعيد: “هي قليلة أدب مع قليل الأدب ومؤدبة مع المؤدب.”

يقول عبد الرحيم الشريف لاعب عصا من محافظة قنا: “التحطيب له ٣ قواعد، الصحة والصنعة والأدب، يعني صنايعي وصحة لكن متسرع هتنضرب، أما إذا اجتمعت الصحة والأدب مع المهارة وجد اللاعب نفسه في كل الحلقات والموالد، لأن التحطيب يعتمد على الشدة والقوة والمهارة في ضرب العصا، وتفادي لمس عصا الخصم للجسم.”

نفس القواعد والآداب موجودة لدى لاعبي التحطيب الرياضي بجمعية الصعيد للتربية والتنمية. يحكي مايكل بشرى عن موقف في رحلتهم لكوريا الجنوبية، عندما ضُرب على ساقه قبل اللعب فأشار زميله إلى الإصابة قبل اللعب أمام الجميع ثم تجنب مكان الإصابة طوال اللعبة، مظهرًا أن الموضوع قيمة لا فوز وخسارة.

بعد انتهاء حلقة التحطيب، يصلي اللاعبون المغرب معًا، ثم يتجمعون في قهوة أو مجلس قريب لتصفية النفوس. إن حدث خطأ من لاعب تجاه زميله، تُحل الأمور بالعتاب، فيما هناك قاعدة أساسية تقول: “من مات في الحلقة مالوش تار.”

في ميدان العصا، تختلف أنماط اللعب باختلاف الجغرافيا، ففي قرى الجبل يغلب العنف والقوة، أما في قرى وادي النيل فتميل الحركات إلى الرشاقة والاستعراض، وكأن الطبيعة نفسها تملي إيقاع العصا على أبنائها.

الإيقاع والموسيقى

لا تبدأ اللعبة إلا حين يعلو صوت المزمار. يقف العازفون عادة على أحد جانبي الساحة أو في ركنها، يحملون مزاميرهم وطبولهم، ثم تبدأ الفرقة بعزف مقطوعات مألوفة لجذب الناس من بعيد: يا جريد النخل العالي، يارب توبة، أو حتى مقاطع من أغاني أم كلثوم.

لا يدخل اللاعب الميدان إلا بعد أن يحيي الفرقة و”ينقطها” بالمال. يقول مصطفى علي: “ممكن تلعبها من غير الزمارة، بس هتبقى من غير روح، الزمارة بتخلي الحركة أسرع، وتخلي اللي برا يتحرك معاك.”

الإيقاع هنا هو قانون اللعب الخفي، هناك تقسيمة هادئة، وأخرى سريعة تعرف بـ تلت الزمارة ترفع حماس الجمهور وتدفع اللاعبين إلى التسخين، وكأن الطبل هو القلب، والمزمار هو النفس.

حين تشتد المنافسة، تصعد النغمة تدريجيًا حتى تبلغ ذروتها. تعرف الفرقة متى تشتد العصا، ومتى تُخفض نغمتها لتترك للجسد مساحة التأمل والاستعراض.

للفرقة الموسيقية المرافقة للتحطيب أكثر من صيغة، لكنها لا تخلو أبدًا من المزامير والطبول، فالمزمار بأحجامه الثلاثة، الكبير المعروف بالآبا، والوسط (الشلبية)، والصغير الحاد (السيسي)، هو القائد الأول للمشهد. يفتح صوته الحاد كالسيف الميدان ويعلن بدء المبارزة، فيما يتولى الطبل البلدي والنقرزان ضبط الإيقاع وتثبيت النغمة التي يدور حولها اللعب.

كان هذا المزمار، الضارب في عمق التاريخ المصري القديم، يومًا ما يُعزف في معابد الخلود، رمزًا للسكينة والاتزان، قبل أن يتحول في الصعيد إلى لسانٍ شعبي ناطق بالحياة. يُصنع من خشب المشمش أو البندق، ويُنفخ فيه بريشة مزدوجة، فيطلق صوتًا يشبه الأنين. أما الطبل البلدي فهو القلق الذي يخفق في صدر الساحة، يُعلق على كتف العازف، يُضرب بعصا غليظة على جانبٍ، وبشريحة رفيعة على الجانب الآخر، ليخلق مزيجًا من الخشونة والدقة، تمامًا كما هو المزاج الصعيدي.

تنقسم موسيقى التحطيب إلى ثلاث مراحل، الافتتاحية بلحن يارب توبة، لجمع الناس حول الساحة، والتقاسيم الارتجالية عند دخول اللاعب وتحيته للموسيقيين، والثالثة عند ذروة الصراع، حيث تُعزف يا جريد النخل العالي أو سلم علي.

يفهم جمهور التحطيب مجريات اللعب من صوت المزمار وحده، زغروطة حادة من المزمار تعني فتح باب جديد في اللعب، ونغمة حادة أخرى تُعلن نهاية الدور.

ليست الربابة من العناصر الأساسية في حلقات التحطيب، لكنها تطل في أجوائه الاحتفالية الراقصة، أكثر مما تحضر في ميادين المنافسة الحماسية، فحين يتحول التحطيب إلى فرجةٍ في الأفراح الصعيدية، تتقدم الربابة المشاهد.

أما في عروض جمعية الصعيد، فتأخذ الموسيقى بعدًا مسرحيًا حديثًا ممزوجًا بالتاريخ الفرعوني، يقول مايكل بشرى المدرب واللاعب: “إحنا بنألف موسيقانا مع الموسيقي أحمد بونجا حسب العرض والتدرج بتاع اللعبة، عشان يبقى فيه اندماج.” يقول مارتن أحد لاعبي الفريق “لو مغمضين، نعمل نفس الحركات على الرتم.”

العناصر الحركية

ينقسم الأداء إلى مجموعتين من الحركات، الاستعراضية والمبارزة. في الأولى، يعرض اللاعب قوته ورشاقته أمام الجمهور، يمشي في دائرة بخطوات واسعة متزنة، يجر العصا على الأرض لتصدر نغمة احتكاك خفيفة، وهو ما يسمى السلام، ويستأذن كل لاعب من منافسه، قبل أن يرفع عصاه عاليًا في الهواء لتخترق الصمت.

ثلاث خطوات للأمام وقفزة، حجلة، دوران، كلها تفاصيل دقيقة تصنع موسيقى بصرية متكاملة. تُضبط كل خطوة على لحن المزمار، وتستقبل كل قفزة بهتاف المشاهدين الذين يتابعون الدور.

أما المرحلة الثانية فهي المبارزة. تتلاقى العصيان في الهواء فيما يسمى بالمسالفة، وهي الضربات المبدئية التي يختبر بها كل لاعب صلابة خصمه. في قلب هذه الحركات يبرز الرش، التلويح بالعصا في الهواء؛ لإظهار السيطرة على العصا والذات في آنٍ واحد. تدور العصا فوق الرأس أو أمام الجسد أو إلى جانبه، بخفة تجعلها تبدو كأنها تتحرك وحدها.

ثم تفتح الأبواب، فتأتي الطعنات والصدات، نصف التفاف، أو ميلانٍ بسيط يغير مسار الهجوم. باب الرأس له احترامه، وباب الصدر يُعامل بحذر، وباب الرجل امتحانٌ للرشاقة.

أبواب التحطيب

في ساحة التحطيب يدور النزال حول ما يُسمى الباب. الباب هو نقطة الضعف، المنفذ الذي يُفتح للحظة واحدة ليُدخل الضربة الحاسمة، أو يغلق في الوقت المناسب ليحفظ الكرامة والجسد. يقاس الانتصار بلمسة خفيفة، أو حتى بإشارة دقيقة إلى موضعٍ قاضٍ في جسد الخصم. لا يحتاج المحترم أن يُصيب، يكفي أن يفتح الباب.

عدد الأبواب في جسم الإنسان، كما يقول الحواة القدامى، هو بعدد عظامه، مئتان وستة أبواب، ولكلٍّ منها أسلوب دفاعٍ وهجوم. غير أن أخطرها أبواب الرأس، حيث توجه ضربة الفرادية بيدٍ مفردة لا تُرد، لا تُوقف، ولا تُلعب إلا اضطرارًا، لآن نهايتها قد تكون قاتلة. تليها ضربة الفرش التي توجه إلى البطن بطرف العصا.

يرى لاعبو التحطيب أن الفوز الحقيقي يتحقق بقدرة اللاعب على فتح باب الرأس، أما باقي أجزاء الجسد فتعد نقاطًا غير مهمة لمن يبحث عن القاضية. يقول خميس الرافعي، لاعب تحطيب من إسنا: “فيه عصاية تحت وفيه عصاية فوق، اللي تحت مالوش تمن ورخيص.” أي أن الضربات السفلية تُعتبر بلا قيمة، بينما تكمن مهارة اللاعب في قدرته على رفع العصا إلى الأعلى والتمكن من الصد أو الفتح في لحظة واحدة.

يحكي مصطفى علي عن الراحل حجاج الهواش قائلًا: “كان أسطورة وعلم في العصاية، ما فيش أسرع من عصايته، تخوف أي حد في الحلقة، كان يمسك العصاية من طرفها، يضربها في الأرض، يمسكها من النص، تبقى ضاربة وصادة في نفس الوقت. بقوته يضرب عصايتك جنب الكف توقع، ولو ضربها في الطرف تخن، يعني تنزل العصاية وانت تفضى، فيكشف راسك ويضربك على الفكين.”

كان حجاج الهواش خفيف الحركة يلعب على مشط رجله، لا يكاد يُرى إلا وقد انتقل من أمام خصمه إلى خلفه في لحظة، فيكشفه من كل الجهات.

جمع الباحث بحبح الحباظي، في عدد من كتبه توثيقًا دقيقًا لسير أعلام التحطيب، مبرزًا اتساع رقعة هذا التراث وتنوع مدارسه. أحصى الحباظي ١٠١ من أعلام اللعبة في قنا، و٥٦ في سوهاج، و٥٧ في الأقصر، وفي أسوان، من الراحلين والمعاصرين.

صد العصا

لا تتوقف المهارة على فتح الباب، ولكن أصولها صده وإحكام الإغلاق، يقول عبد الغني أبو رية، عميد التحطيب في الأقصر إن “فن العصاية اللقا فن العصاية الصبر.” 

يقول مصطفى علي “فيه ناس تشوف طرف العصاية تعرفها رايحة وين، وفيه ناس من رجل اللي قدامك تعرف عصايته هيوديها وين” لكنه يستدرك لأن بعض اللاعبين يعتمدون على الخداع يلمحون بحركة في القدم بينما يوجهون الضربة في اتجاه معاكس: “هي خوانة يعني اللاعب مفروض ما يديش الأمان لما يشوف الرجل بس المفروض يرجع يشوف طرف العصاية لأن ممكن اللي قدامه تكون رجله رايحة في حتة وهو يعكس العصاية.”

تنتهي المبارزات في الساحات الشعبية بما يُعرف بالفكة، وهي لحظة الفصل بين جولةٍ وأخرى؛ إما أن يتقدم لاعب من خارج الحلقة طالبًا العصا ليبدأ دورًا جديدًا، أو يتدخل أصحاب الحلقة حين تحتد المبارزة أكثر مما ينبغي، فيفصلون بين اللاعبين. كما يصف مارتن، لاعب التحطيب في جمعية الصعيد: “لما بنكون في مبارزة بيبقى في بينا تواصل بصري عشان نقول لبعض نقفل المبارزة ودي أسوأ لحظة، إنك تنهي لحظة بتحبها.”

التحطيب في الأساس لعبة ارتجالية فردية، لكن جرى دمج الأداء الفردي مع الجماعي في جمعية الصعيد، كما يوضح مايكل بشرى أنه أصبح هناك تشكيلات فردي وزوجي وجماعي. كما تقيم الجمعية بطولة لفرقها في المحافظات، حيث حصل مكاريوس إسطفانوس من فريق الأقصر على المركز الأول في المبارزة فردي، بينما حلت كارمينا هاني في المركز الثاني ضمن التشكيلة الجماعي، وهو ما يعكس كيفية تنظيم الأداء الفردي والجماعي في نفس الوقت.

جهود الحفاظ على اللعبة وعدم اندثارها

رغم أن التحطيب ظل قرونًا طويلة يُتوارث عبر الذاكرة الشعبية والممارسة الحية في الموالد والأفراح، فإن تراجع المظاهر الريفية وتمدن الصعيد جعل اللعبة مهددة بالاندثار، حتى أن الكاتب يسري أبو القاسم في كتابه من قلب النجع ـ أوردها ضمن فصل حاجات راحت عليها. لكن الواقع يظهر عودة للاهتمام باللعبة، وهو ما أرجعه عبد الغني أبو رية إلى حب الجيل الجديد للكاميرا: 

“شباب اليوم يلعب موضة. يطلع عايز يتصور مع الناس ويقول ان لاعبت فلان وتفوقت عليه، دا اسمه لعب زي ما بيقوله في السياسة لعب العولمة لعب الكاميرا.”

عدا عن الكاميرا، يبدو أن الجيل الجديد قد تعلق قلبه بالعصاية. يقرر بعض الشباب الخروج لإقامة مباريات تحطيب، يحكمها بالأساس العلاقات الشخصية والأسرية وروابط الصداقة والجيرة. يقول مصطفى علي: “لما تاخد فترة ما تلعبش بيبقى نفسك في طابق عصاية كأنك خرمان. فاتصل أو يتصلوا بيا صحابنا ونقعد أحيانا عند المراعزة أو عند كوبري الشهيد بأرمنت الحيط، من بعد ١٠ بالليل ونشغّل سماعة صغيرة ونلعب كام طابق زي الماتشات الودية.” وكذلك في الدهامشة بالمحاميد قبلي بأرمنت، كل عيد يُنصب العصا للعب عدة طوابق في منافسة أخوية.

لم تتوقف الجهود على البعد الفردي، ففي ملوي جنوب المنيا قرر مجموعة من الشباب إحياء العصا بطريقتهم. داخل مبنى سينما بالاس القديمة تأسس قبل ربع قرن مركز مدحت فوزي لفنون العصا تحت مظلة فرقة الورشة المسرحية، ليصبح أحد أهم محاولات إنقاذ اللعبة من النسيان. يقول المدرب محمد فتحي إن المركز يُعلم الأولاد فنون العصا على إيقاعات الطبول، تمامًا كما كان يفعل أجدادهم، وقدم عروضًا في قطر والبرازيل وبلجيكا والهند.

من بين أبرز عروض المركز، رقصة مدحت فوزي الأولى، المأخوذة من روح التحطيب، التي ما زالت تحظى بإقبال كبير، فيما يتوافد الأطفال لتعلم اللعبة، مدفوعين ببهجة العروض وحكايات الفتوات؛ ولأن المكان المستأجر لا يليق بتاريخ اللعبة، حول الفريق سينما بالاس المهجورة إلى بيت مؤقت للعصا، يمولون إيجاره من عائد العروض وبعض الدعم من المهتمين، على رأسهم المخرج حسن الجرتلي، مؤسس فرقة الورشة. رغم تواضع الإمكانيات، حصد المركز جوائز دولية، أبرزها العصا الذهبية، إلى جانب تكريمات في فرنسا ودول أخرى.

في القاهرة، التقت الجهود الفردية بالمؤسسات الثقافية في محاولة لتوثيق هذا الفن. يشير سامي صديق، مدير فرقة رضا للفنون الشعبية، إلى أنهم جعلوا فقرة التحطيب جزءًا ثابتًا من العروض منذ تأسيس الفرقة، لما تلقاه من إعجاب جماهيري داخل مصر وخارجها؛ ويضيف أن تدريب جيل جديد من الشباب على فنون العصا أصبح ضرورة لحماية اللعبة من الزوال، بعد أن تقدم معظم حامليها في العمر.

كما طالب عبد الغني أبو رية وزارة الثقافة والشباب والرياضة وهيئة اليونسكو بإنشاء كيان أو نقابة للتحطيب المصري.

أيضًا، تشهد في كل عام ساحة أبو الحجاج بالأقصر مهرجان التحطيب الدولي، والذي بدأ في ١٩٩٥. يمتد المهرجان لعشرة أيام، تشارك فيه فرق من ثماني محافظات.

ثم في عام ٢٠١٦ نجحت مصر في تسجيل فن التحطيب ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي باليونسكو، بعد محاولتين متعاقبتين ﻹثبات أن هذه اللعبة طقس ثقافي يعيد إلى الذاكرة فلسفة الفروسية واﻻحترام كما تبناها الفراعنة قبل آﻻف السنين.

غية الرجال التي اقتحمتها نساء الصعيد

لقرون طويلة ظل التحطيب فنًّا رجوليًا خالصًا، تتصدر عصاه ساحات الرجال وموالدهم، حتى باتت تُعرف بـ غيّة الرجال. لكن جمعية الصعيد للتربية والتنمية قررت قلب المعادلة.

تقول نيفين وجدي مديرة برنامج التنمية الثقافية بالجمعية أنهم في ٢٠١٦ قرروا أن من حق الفتاة ممارسة موروث بلدها، رغم مواجهة صعوبات بسبب إقران التحطيب بالرقص، لكن بتقديم الجمعية التحطيب كفن دفاع عن النفس عودةً إلى جذوره الفرعونية، اكتسبوا ثقة واحترام الأهالي في الصعيد.

من هذه الفكرة وُلدت ست فرق تحطيب رياضي في محافظات الجنوب. صار العدد بين الأولاد والبنات متساويًا، وفق منهجية تربوية ورياضية متكاملة.

من بين قصص النجاح، تبرز مريم نبيل التي بدأت لاعبة ومدربة أثناء دراستها الجامعية، ثم سجلت الماجستير عن التحطيب المصري، وهي الآن تحضر للدكتوراه.

بهذه الوتيرة، لو أعاد بحبح الحباظي إحصاء أعلام اللعبة خلال عشر سنوات سنفاجأ بعدد اللاعبات، وبمجموع عدد الأعلام الجدد الذين أعادوا للعبة بريقها وضمنوا لها على الأقل عقودًا أخرى من البقاء والتجدد.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف