روح يا نوم | أصوات وأغاني الليل الطويل

مقالات - كتابة: آية أيمن - ٢٠٢٦/٠٩/٠٧
روح يا نوم | أصوات وأغاني الليل الطويل
تحميل...

بالنسبة لكثيرين، بحلول الليل تنتهي الالتزامات والمهام، ويأتي أخيرًا الوقت المفتوح الذي يعطينا حرية اختيار ما نفعل.

عندما يختار الفرد في فراغه ليلًا سماع الموسيقى الدسمة المكتنزة بالمشاعر أو التلاوات والتواشيح، يتغير نمط الممارسة عن النهار، فبدلًا من أن يكون السماع في الخلفية أو على هامش مهام اليوم، أو حتى في أوقات الفراغ النهارية، حيث يمكن للتفكير في المهام والأحداث أن يجور على الاندماج؛ السماع في الليل ممارسة مركزية؛ حيث يتوفر للسامع الوقت والانتباه، وتتغير طريقة الإصغاء فتحشد كامل الحواس التي صارت متفرغة بدورها.

يظهر هنا نمط الاختيارات السماعية الأكثر تعبيرًا عن المزاج الشخصي، بصورة تتقاطع مع ما يمثله فضاء الليل للسامع من مساحة للسكينة والاتصال مع النفس، أو مساحة للحرية في التعبير عن الذات باختيارات سماعية غير نمطية.

بين طويس والموصلي

توطدت العلاقة بين الليل وجلسات السمر منذ القدم، ففي العصر الجاهلي نجد الليل حاضرًا بقوة في الشعر، بوصفه فضاءً يتسع لوصف السهر والبكاء على الأطلال ومراقبة النجوم والتأمل، وفضاءً نفسيًا يحتمل مشاعر معقدة ثقيلة الوطأة، كما نجد عند امرئ القيس:

وليل كموج البحر أرخى سدوله / علي بأنواع الهموم ليبتلي

عرف العرب الليل وقتًا للهدوء والإنصات، وتآلفوا مع السماع قبل حتى أن يعرفوا الغناء، فانتشرت مجالس السمر كوقت للتأمل والوجد، وسماع الأخبار والشعر، وسماع تلاوة القرآن مع دخول الإسلام.

بحسب كتاب الأغاني، في بدايات زمن الخلافة كانت هناك بعض أسمار يلتقي فيها علية القوم، ويغني فيها طويس الأهازيج والأشعار. كان طويس مغنيًا ضاربًا بالدف، بزغ نجمه في قريش ويُذكر أنه أول من غنى غناءً موقعًا بالعربية في المدينة المنورة.

تبلور الليل فضاءً زمنيًا مفضلًا لجلسات السماع في العصر العباسي، ففي بغداد الحاضرة المتنامية عُرفت مجالس السماع الليلية كنشاط ثقافي مستقل. ذاع صيت تلك المجالس وأصبحت جزءًا مهمًا من المشهد الثقافي للمدينة، كملتقى للنخبة الحاكمة، والعلماء والشعراء، واشتهرت أسماء موسيقيين مثل إبراهيم المهدي وإسحاق الموصلي، وزرياب.

كان واقع هذه المجالس اجتماعيًا صاخبًا، حيث تتداخل الأحاديث والنوادر المتبادلة بين الحاضرين مع الغناء، بالتوازي مع إنشاد الشعر والمناقشة في الألحان. تغير هذا الأمر تدريجيًا بمنح بعض الخلفاء والسلاطين مكانةً أكبر لمغنيهم تجعل أداءاتهم مشروطة بالهدوء والإنصات، ليصبح كل مستمع يتعامل مع الأداء وكأنه له وحده.

أهل الهوى | عن الليل والطرب

أرى أن الليل يتيح للطرب فرصة سماعية تسمح لجمالياته بالتجلي، مع وفرة الوقت والسكون وتفرغ الذهن والحواس، حيث يتاح التركيز على دقائق الزخرفة والارتجالات وإشباع أو مباغتة التوقعات.

أيضًا، ربما يكون السماع الجماهيري المنظم للطرب ليلًا على أثير الإذاعة، مع قدم ثقافة الممارسة، قد أسهم في تكوين الرابطة بين الليل والطرب، في ما يشبه اتفاقًا ضمنيًا على أن الليل بعد انقضاء الأشغال هو أنسب وقت للسماع.

من ناحية أخرى ارتبطت عبارة “يا ليل” بتنويعاتها بالأداءات الطربية، ونستطيع سماعها في تسجيلات من الموروث الطربي من أوائل القرن الماضي. يروي الكاتب أحمد أمين في كتابه قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية أنه حضر حفل زواج أحياه عبده الحامولي، ويصف لنا المجلس: “بدأ بتقسيمات قانون وعود إلخ، ثم بدأ عبده الحامولي يغني ’يا ليل’ بطبقات مختلفة، ثم بعد أن يغنيها يوقع القانونجي على القانون بالنغمة التي قال بها يا ليل، ثم يبدأ في غناء الأدوار.”

نسمع أداءات الليالي في التسجيلات القديمة لعبد الحي حلمي وصالح عبد الحي وغيرهم، كما ارتبطت بالموال الذي يسبق الغناء، أو كأداء حر داخل الأغنية استعراضًا لقدرة المطرب على الارتجال والتنقل بين المقامات. ظلت الليالي مستمرة باشتقاقاتها حتى وجدت طريقها إلى أغاني البوب الحديثة.

من منظور دلالي غير مقيِّد، يرى عباس العقاد أن عبارة “يا ليل” مرتبطة بالسهاد؛ ونستطيع توسيع التفسير الدلالي أن الليالي كارتجالات صوتية، تؤسس إطارًا للتلقي، وتهيء الحواس للدخول في سياق زمني مختلف بعيدًا عن الإيقاع النهاري المتسارع. إذ تهيئ الليالي سمعيًا لاستقبال إيقاع الغناء المتمهل، وشعوريًا لاستقبال مواضيعه عن الهجر والغدر والفراق والانتظار، وحتى الغزل. [على الهامش تبرز مفارقة، فيقال بأن والد أم كلثوم في بداياتها منعها من أن تغني “يا ليل يا عين” حيث أن العوالم يؤدونها وهم يحيون سهرات تمتد حتى الفجر، ففضل الشيخ إبراهيم البلتاجي أن ينأى بابنته عن ذلك الربط. وقتها بالطبع لم يدر الشيخ إبراهيم أن ابنته ستكون أشهر عنصر سماعي طربي في جلسات السهر، يمتد حتى ليل زماننا.]

عبده الحامولي في ليالي الحسين وقصر الخديوي

في مصر ترسخت علاقة خاصة بين السمّيعة والليل، وللمدخلات الإسلامية كالتواشيح والأذان دور مهم في هذه العلاقة. في أوائل القرن الماضي، تعود الناس على سماع الآذان والتسابيح التي ينقلها الأثير بعد العشاء وقبيل الفجر بصوت الشيخ علي محمود، أو الجلوس بمقهى الأفندية في محيط الحسين لسماع الشيخ درويش الحريري. إذ تتداخل أصوات الجمهور وتعليقاتهم مع صوت المؤدي أو القارئ، والتي يمكن أن تغطي عليه وتقطعه أحيانًا توسلات للإعادات، مثلما نسمع في التسجيلات القديمة للمشايخ والمنشدين.

يخبرنا خليل مطران أن عبده الحامولي لبى طلبًا في شهر رمضان بإنشاد التسابيح من مسجد الحسين، ويصف مطران لنا المشهد: “وأخبر بعضهم من بالجامع أن عبده سينشد تسابيحًا بعد أذان العشاء، ففرحوا؛ وما لبثت الإشاعة أن جالت جولة البرق بين الجماهير في الحي كله، فلم يأزف وقت الأذان حتى كانت المقاهي وشرفات المنازل المجاورة، والساحة الممتدة أمام المسجد تحتوي من الخلق ما لا يدرك البصر آخره … وقف كثيرون فوق سطوح المنازل العالية في الأحياء المجاورة لحي الحسين يرهفون السمع إلى صوت سي عبده وهو يكاد يغطي نصف القاهرة القديمة.” 

تأثر الحامولي نفسه في نشأته بالليالي التي يحييها المنشدون والمداحون في مولد السيد البدوي في طنطا، واحترف في بداياته إحياء ليالي المقاهي في الأزبكية، واشتهر الحامولي أيضًا بإحيائه أمسيات خاصة في المجالس الطربية في قصر الخديوي بحضور الأمراء والأثرياء. 

في تلك المجالس يكون المطرب مع التخت في صدر المجلس، وأمامهم الحضور، ثم يبدأ الغناء غالبًا بموشح أو تقاسيم ثم ينتقل إلى الدور؛ وتتكرر عبارات الاستحسان طلبًا لإعادة الجملة أو إطالة الارتجال. قد يطلب أحد الحضور أداء مقطع بعينه إذا كان المجلس خاصًا، ويقرأ المطرب استجابة الجمهور لحظتها، فيكرر الجملة الموسيقية أو يغير الزخارف الصوتية حسب مزاجه وتفاعل الحاضرين.

الفونوغراف | إمكانية السماع الفردي

حتى نهايات عصر الحامولي، كان وجود المؤدي شرطًا للسماع؛ بالطبع مع وجود السامعين ووجود حيز يقام فيه هذا المجلس، ومن ذلك كان السماع حدثًا اجتماعيًا بطبيعته. قدم الفونوغراف أول وسيلة تتيح سماع أداء موسيقي بصورة منفردة في غياب المؤدي. 

في ذلك الوقت مطلع القرن العشرين، إذا كنت محظوظًا بامتلاك فونوغراف في منزلك، وكنت محظوظًا أكثر بامتلاك أحد الأسطوانات المعدودة التي سجلها عبده الحامولي، فسوف تستطيع صنع أمسية خاصة في صالون منزلك يحييها الحامولي ويعيدها متى شئت. تحولٌ يمثل إحدى البدايات التاريخية لإمكانية السماع الفردي الحديث؛ الإمكانية التي ظلت مساحتها تتسع مع تطور الوسائط وتطور الوسط المعيشي.

ليلة أم كلثوم | بين المسرح والصالون

لطالما ارتبطت أم كلثوم بالليل، رغم أن جمهورها يرحب بسماعها في كل وقت، لكن سماعها في الليل نشوة مضاعفة، وهذا ما يؤكده لنا الساهرون في المقاهي.

بُنيت علاقة أم كلثوم بالليل على مهل، فمنذ البداية ارتبطت صورتها الغنائية بالسهر، من إحيائها للحفلات العامة والخاصة، وتعاقدها المبكر مع الإذاعة في بدايتها لتقديم حفلات مسائية.

صحيحٌ أن النشاط الفني ليلًا هو الأصل للمطربين، لكن استمر الليل بوصفه أحد أهم أركان سماع أم كلثوم حتى بعد مرور أكثر من قرن، حيث لا تزال الإذاعة المصرية تبث أغانيها قبيل منتصف الليل إخلاصًا لتلك العلاقة، والتي تقوم على عدة أسباب، أهمها حفلات الخميس الأول من كل شهر.

في المحيط المباشر للحفلات يكون السماع تشاركيًا، حيث أفراد الجمهور يصيحون بعبارات استحسان، أو تشجيع للمغنين في الحفلات، كما يعبر بعض المستمعين عن الاستياء بصوت عال، فيتشكل الأداء بالانطباعات. كانت أم كلثوم في الحفلات تقدّر ردود الفعل الواعية من السميعة في الأوقات المناسبة من الأغنية؛ وقد داومت أم كلثوم بلا استثناء تقريبًا، منذ الثلاثينات، وحتى ١٩٧٣، على تقديم مواسم من الحفلات الغنائية التي تذاع ليلة الخميس الأول من كل شهر. كانت الحفلات تبدأ من التاسعة والنصف وتستمر إلى ما بعد منتصف الليل بمدًى غير محدد تدفعه الإعادات والارتجالات التي تتألق في الليل كفضاء ممتد.

كان مستمعو حفلات أم كلثوم الإذاعية امتدادًا لجمهور قاعة الحفلات. ففي النصف الأول من القرن العشرين كانت الأسرة أو الجيران يجتمعون حول جهاز واحد لسماع حفلات أم كلثوم الشهرية ليلة الخميس كسلوك تفاعلي، يأكلون ويشربون ويتناقشون بين الأغاني. يوثق نجيب محفوظ تجربة السماع في الليل في رواية ميرامار: “ليلة أم كلثوم متوجة حتى في بنسيون ميرامار. أكلنا وشربنا وضحكنا. خضنا في كل موضوع حتى في السياسة.”

تفسر أغاني أم كلثوم مثاليتها لِلَّيل بأدائها، وصوتها القادر على استحضار المشاعر المعقدة، وبمواضيعها التي تدور كثير منها في فلك الليل، مثل أهل الهوى، ليلي ونهاري، وكل ليلة وكل يوم، وليلة حب، وأغنيتها الأشهر ألف ليلة وليلة؛ أو بانغماسها في ما يؤرق نوم المحب من هجر وانتظار ولوعة وشجن، أو حتى تضمين الليل في سياق الأغنية. تتغنى أم كلثوم في الكوبليه الأخير من لسه فاكر بأن الليل “عمر غالي” استنكارًا لتقليل المحبوب مما يمثله بوصفه إياه بـ “لعبة الخالي” كأنه مجرد وقت فارغ.

ضمن مساحة التأويل، أرى أن جزءًا مهمًا من اكتمال الاندماج في السهرة السماعية، هو الإيهام في الأداء الغنائي. ما أقصده هو تعميق أثر الأداء الغنائي في وجدان السامع، بإكمال الإيحاء بمعايشة المطرب للحالة الشعورية، بحيث لا يظهر أنه يعيد استحضار الشعور أو يمثله، بل يوهم بأنه يعايشه في هذه اللحظة.

نستطيع رؤية ذلك عند أم كلثوم، في الأطلال مثلًا، على مستويات فاعلة في صناعة ذلك الأثر؛ كما في الإعادة للآه في “آه من قيدك أدمى معصمي” بإخراج النفس لآخر مداه. أيضًا عندما تجسد جملة “وإذا النور نذير طالع” بضم كفيها وحني رأسها، قبل أن ترفعه وهي تصعد بإيقاع الجملة تدريجيًا. نراه مثلًا عندما أغمضت عينيها مندمجة مع صولو القانون لعبده صالح السابق لكوبليه: “أين مني مجلس أنت به”، ونظل نراه حتى عندما قطع اندماجها تعليق صاخب لأحد الحاضرين في الصالة، فانكسر الإيهام جزئيًا، لتتجهم وتشير بيدها اليسرى مستنكرة، ثم باليمنى لعبده صالح كي يعيد. 

كذلك نشهد مثالًا بارزًا على إدارة انفعال الجمهور بالأداء، عندما أشارت بالنهي لبعض الجمهور الذي بدأ يصفق بالتزامن مع إيقاع “هل رأى الحب سكارى”، حتى لا ينقطع تدفق الأغنية وينكسر الاندماج بالتصفيق خلال الغناء.

تزدهر كل تلك العناصر في سهرة ممتدة، ففي الموروث المصري طول السهرة علامة على نجاحها؛ وتكمن جودة المطرب أن يستمر في الغناء طوال الليل، وكلما لاقى الأداء قبولًا، كلما زادت الاستعادات واستمر الأداء حتى الفجر.

كانت أم كلثوم تحرص على هذا الجدول الزمني دائمًا، بل وأصرت عليه حتى عندما غنت في باريس، الأمر الذي أثار دهشة المسؤولين والمستمعين من غير العرب. حيث سجل طول حفلاتها التي انتهت في الثالثة صباحًا واستمرت نحو سبع ساعات، رقمًا قياسيًا جديدًا في باريس، وقيل في وسائل الإعلام أن الأمر قد استلزم الحصول على تصريح خاص مقدم من السلطات المحلية في باريس؛ فمسرح الأولمبيا لم يسبق أن بقي مفتوحًا حتى هذا الوقت المتأخر.

مع امتلاك السامع لأسطوانات أم كلثوم، العديدة على عكس الحامولي، تمكّن من استدعائها متى شاء، فمن الممكن أن يستمع إلى هذه ليلتي متبوعةً برق الحبيب أو إن كنت اسامح، أو أي أغانٍ لم تجمع الست بينها في حفلة، تبعًا لقانونها غير المعلن بعدم غناء ما مر عليه أكثر من عشر سنوات. بفعل ذلك يختلف معنى الأطلال بين من حضر حفلتها الحية، وبين من تدور أسطوانتها في غرفته مستمعًا وحيدًا بعد منتصف الليل، ويتفاعل انتقائيًا مع أداءات بعينها، يسقط دلالتها على حالته الوجدانية.

كاسيت السيارة | حيز سماعي متنقل

في فترة دراستي للكلية واستقلالي المواصلات العامة بصفة شبه دورية، كان هناك تشابه في أنواع الأغاني المختارة تبعًا للوقت من اليوم، تشابهًا يكاد يكوّن نمطًا لا يخلو من اختلافات بطبيعة الحال. في الصباح الباكر يكون الراديو على إذاعة الأغاني أو غيرها، حيث أغان خفيفة تناسب بداية اليوم، وفي الظهيرة تسيطر أغاني المهرجانات وجورج وسوف، وفي العصر، سمعت مرات كثيرة حفلات طويلة لوردة وفايزة ونجاة. في الليل تُلتمس بعض الألفة، مع مطربي التسعينات المفضلين، أو أغاني حفلات كلاسيكية لعبد الحليم وأم كلثوم. تتغير الأغاني تبعًا للجو العام للقيادة روتينية أو ترفيهية، وتتغير الإيقاعات تبعًا للوقت من اليوم. أحيانًا يلجأ الاختيار لمنطقة آمنة – خصوصًا مع الطرقات الطويلة – بإيقاعات رصينة تجعلنا نندمج شعوريًا وتشتتنا قليلًا عن الوحدة التي تزيد مع هدوء الطريق، وتمدنا ببعض الألفة والونس، أو يكون فرصة للتماهي مع الوظيفة الحرفية للسيارة، فيخترق بها المجال العام حرفيًا ومجازيًا بأصوات مرتفعة للكاسيت أو السماعات.

بظهور الكاسيت كوسيط موسيقي متنقل، تحرر السامع من التقيد بالمكان والخيارات التي تفرضها الإذاعة أو حتى العائلة، يختار من أغانيه المفضلة ويعيدها وفق ما يلائم مزاجه، كوسيلة للتنفيس في ظهيرة حارة، أو رفيقًا على الطريق في الليل حيث تقل الإضاءة والضوضاء، فتكتسب الموسيقى حضورًا وجدانيًا أكبر. من أغان عاطفية طويلة بنقلات درامية أدائية ولحنية، مثل بودعك لوردة وعيون القلب سهرانة لنجاة، أو كان يا مكان لميادة، إلى هاني شاكر في مشتريكي ولو بتحب وأصالة في كتبتك وقد الحروف، وغيرهم كثير. ربما تشترك تلك الأغاني في أن حدة النقلات وكثافة الإيقاع تسمح باقتسام التركيز بينها وبين القيادة، وتوفر بعاطفيتها المكثفة الرفقة المطلوبة.

أيضًا، حفظ الكاسيت مكانًا بارزًا للأغاني الشعبية على الطريق، وانتشارًا أوسع بين المواصلات العامة، خصوصًا على الطرق ليلًا. من أغاني عدوية، رمضان البرنس، وشفيقة، وعبد الباسط حمودة. في طفولتي كنت أردد كتاب حياتى لحسن الأسمر التي حفظتها من تكرار سماعها في طريقنا للمنزل بعد الزيارات العائلية، كانت روتينًا ليليًا شبه ثابت في المواصلات العامة، حتى بعد عقدين على إطلاقها؛ والقائمة ممتدة.

لأغاني المواصلات عمومًا، والشعبية خصوصًا، ديناميكية وظيفية فى السماع الليلي، حيث غالبًا ما يكون الركاب قد أنهوا مهامهم اليومية وفي الطريق إلى البيت، يتعرضون لأغان يفرضها السائق، يتفاعلون معها كلٌّ تبعًا لحالته الوجدانية مع انقضاء يومه، أو موقع الأغنية من تفضيلاته السماعية. من الممكن أيضًا أن تتسلل تلك الأغاني لتفضيلات الركاب، بعد أن كانت تقع ربما خارج ذائقتهم المعتادة.

جورج وسوف | استحضار السهرة

بعد الانتقال الوسائطي إلى الكاسيت وما وفره من حرية سماعية، برزت أسماء بعض المطربين كتفضيل لإحياء السهرات الاجتماعية وجلسات السمر، حتى لو كانت عبر الوسيط، أو الاضطلاع بليلة طربية للسامع الفرد، بنفس درجة الاقتدار، جورج وسوف أبرز هذه الأسماء.

ضمن نقاش على ريديت، يتساءل أحدهم عن أنسب وقت لسماع جورج وسوف، فتتنوع الإجابات بين أن سماعه مناسب في أي وقت، أو أن الليل هو الأنسب. حملت بعض الإجابات في هذا السياق تخصيصًا أكبر مثل: “الساعة ٢ بليل على طريق السفر” أو “الساعة ٢ بليل وتكون في الشارع أو قاعد في السطح أو البلكونة مثلًا أهم حاجة يكون معاك كوباية شاي” أو اشترطت أغانيَ بعينها، أو نصحت بعمل دماغ لإكمال جو السهرة.

يدلل ذلك أكثر ما يدلل على الحالة السماعية التي يستدعيها جورج وسوف. في أغاني جورج وسوف مثل طبيب جراح أو صياد الطيور أمثلة بارزة، فمن أسباب ملاءمتها لليل والسهر تضمينها للاستعارات التي توفر مساحة لاستحضار مشاعر كالحنين والفقد ورثاء النفس، أو حتى الانتشاء ومشاعر أخرى ليست بالضرورة سلبية، تجد مساحتها للخروج في سكون الليل. الأهم ما يقدمه فيها أداء جورج بالوقفات ومواضع الهمس التي يختارها، والاقتراب من الميكروفون، منطقة للحميمية مع السامع، ليعايش معاني الأغنية، في مساحة ذاتية للتأويل يستحضر فيها ذكرياته وتجاربه ويصبح معها لدقائق بطلًا للأغنية.

يشترك جورج وسوف مع أم كلثوم في شيوع مفردات الليل والسهر في قاموس أغانيه: ليل العاشقين، سهرت الليل وصاحي الليل، ويتداخل مع أم كلثوم في مساحتها للسلطنة بأن غنى أغانيها أيضًا. هناك من يعتبرونه أحد أفضل من غنى للست، لدرجة أن البعض يفضل سماع جورج وسوف يغني أم كلثوم عن سماع الأصل.

أرى أن أرجح تفسيرات هذا التفضيل أن جورج يبدأ الأغنية من نقطته هو، لا من حيث بدأ صاحب الأغنية، ويؤديها من مساحته بسلاسة وارتجالات وتقطيع بشكل لا يحيل إلى مقارنات أدائية، وبعيدًا عن أي محاكاة لأداء أم كلثوم – الفخ الذي يقع فيه الكثيرون. تولد أصالة أداء جورج إحساسًا يسبغ على الجمل الغنائية معان جديدة مختلفة عن المعاني المستوحاة من أداء المغني الأول. بدل أن يغني لأم كلثوم، يغني جورج وسوف أنا في انتظارك أو بعيد عنك التي غنتها أم كلثوم.

عندما يبلغ السامع أقصى درجات الطرب، يقولون بأنه قد تسلطن. ملاحظتي للسلطنة مع أغاني جورج، أنه في المجالس والسهرات لسامعي حورج وسوف تكون السلطنة مشتركة، يصنعها التفاعل المتفرد لكل شخص، داخليًا بما تثيره فيه الأغنية، وخارجيًا بما يضيفه لفضاء السهرة من ترديد الأغنية، التهليل وإطلاق عبارات استحسان، أو إذا استثار الأداء مواضع للحكي. في السماع الفردي، يتركز الانتباه على الأغنية، ولا يتوزع بينها وبين تفاعل باقي السامعين، فيأتي التفاعل داخليًا ويجتر مشاعر السامع الذاتية، فتتكون السلطنة من الأعماق.

تستحضر تعليقات ريديت السابقة بعض الطقوس المثلى للسهر مع صوت جورج، التي تتشابه وتتفرد فى الوقت ذاته مع كل سامع.

سماعات الرأس | تطورات فردانية السماع

ظهرت سماعات الرأس لتضيف إلى التطورات المتعاقبة في فردانية السماع، فأصبح يمكنك خلق فضاء خاص بك، يمكنك أن تدعو فيه شخصًا مقربًا لأن تشاركه أحد طرفي السماعة، لكن تلك الدعوة تظل محدودة مهما طالت لأنك في النهاية ستستعيد ذلك الطرف.

ظهر الووكمان كأداة تمكن من الانفراد بسماع الموسيقى. يتأمل كوروكي مصمم شعار سوني في ثورية الفكرة: “تخيل أن تجد سيمفونية بيتهوفن الخامسة تدوي بين أذنيك.”

مع تطور سماعات الرأس ازدادت سمات الخصوصية وسهولة الانسحاب من المجال العام. صار بالإمكان أن تسير مع شخص في نفس الشارع ليلًا، وكل منكما منعزل في عالمه. حتى في التجمعات، يخلق كل فرد بالاستماع لموسيقاه الخاصة عبر سماعاته عوالم صوتية متعددة في مكان واحد، تصل فيها الموسيقى إلى الحواس مباشرة بدلًا من أن تصحب بتعليقات السامعين أو الأصوات المحيطة، ما يخلق أعلى درجات الحميمية مع الأغنية.

في حين أصبح يغلب على بيئات السماع الأكثر اجتماعية مثل الكافيهات والمواصلات أن يكون الليل خليطًا من مواضيع سماعية أو أنواع موسيقية، فلم يعد السائد هو نجم أوحد تحيي أغانيه السهرة مثل عبد الوهاب أو أم كلثوم أو جورج وسوف. يتركز الاتجاه عمومًا على أغانٍ أقصر، حتى الأغاني الطربية الطويلة، تتوفر منها نسخ مجزأة أو مقتطعة ضمن قائمة تضم مقاطع لأكثر من أغنية، تقارب وقتًا سماعيًا لوصلة طربية طويلة. كما أصبحت تلبي أغاني البوب لتامر عاشور وشيرين وإليسا وغيرهم، الانفتاح الليلي الشعوري، بأغان قصيرة وإيقاعات حديثة وتركيز مباشر على معالجة قصيرة المدى للمشاعر التي تستحثها الأغنية.

كأحد المخلصين للسماع في الليل، أُفضِّل تجربة السماع الفردي مع السماعات، بما توفره من أقصى انعزال عن المثيرات الخارجية، فيزداد اندماجي مع الأغنية بشكل يضاعف متعة التجربة. في نفس الوقت، أرى أن سماعات الرأس مثلما أضافت إلى السماع التأملي في الليل، فإنها أخذت بعضًا من خصوصيته، فخفوت الأصوات الأخرى في الليل وفرته السماعات بأقصى إمكانية عزل للأصوات الخارجية في كل وقت، مجردةً الليل من أحد أهم ميزاته.

مع ذلك، استمرت الحميمية فى طقس السماع المتأمل بالليل، وإن فقد اجتماعيته، فبعد يوم طويل نحتاج لأن نفرغ المشاعر التي تراكمت طوال النهار، ما يجعلنا منفتحين عاطفيًا بصورة أكبر وسط غياب الضوضاء السماعية والبصرية أخيرًا، ما يلعب دورًا أساسيًا فى تفضيلنا لليل، فمهما كانت جودة عزل السماعات، تظل لِلّيل خصوصيته.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا

المزيد من معازف