وصلت إلى الإسكندرية للمرة الأولى في صيف ٢٠١٥. قبل ذلك التاريخ، قضيت طفولتي كاملة في صعيد مصر، بعيدًا عن البحر وعن تجربة المصيف السكندري. مع خطواتي الأولى في شوارع المدينة الساحلية، رافقني إحساس بالألفة على نحو يصعب تجاهله. الكورنيش، الشواطئ، الشماسي، أسماء الأماكن، وحتى تفاصيل يوم المصيف، كلها حضرت في ذاكرتي وكأنني لطالما عرفتها.
عرفت الإسكندرية من الأغاني والأفلام والمسلسلات. مع عبد الحليم حافظ تمنيت أن “أدق الشماسي”، ومع محمد رشدي كتبت اسمي على الرمل في خيالي، ومع محمد قنديل أحببت المدينة وأهلها قبل أن ألتقيهم.
يفتح هذا الشعور الشخصي بابًا للتساؤل عن الدور الذي لعبته الأغنية المصرية في تشكيل خيال المصيف لدى ملايين المصريين؛ وكيف رسخت طقوسه ومشاهده في الذاكرة، ثم أعادت صياغتها مع تغير أنماط السياحة، وتحولات الطبقة الوسطى، وصعود مصايف جديدة وتبدل وسائل الإعلام.
النيل والمالح
قبل أن يصبح البحر موعدًا سنويًا في أجندة ملايين الأسر، كانت علاقتهم بالصيف تحسم على ضفاف النيل. هناك يبدأ اليوم وتنخفض حرارة الظهيرة، وهناك يقضي الناس ما تيسر من ساعات الفراغ. أما البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، فكانا وجهتين تقصدهما قلة من المصريين.
حملت اللغة أيضًا هذا الفارق؛ ففي قرًى كثيرة على امتداد وادي النيل عنى لفظ البحر النيل أو أحد فروعه، بينما اشتهر البحر المتوسط والأحمر باسم المالح؛ وعندما كان يقول أحدهم “نازل البحر” قصد في الغالب شاطئ النيل.
مارس المصري القديم السباحة والتنزه على ضفاف نهر النيل وفي البحيرات والبرك الملحقة بالقصور الملكية وبمنازل الأثرياء، منذ عصور ما قبل الأسرات. كما قصد بعض الملوك، مثل تحتمس الأول مناطق بعيدة كبلدة نهارينا في الشام بغرض الصيد والراحة، وعُرفت الملكة كليوباترا برحلات الاستجمام عبر النهر.
تجلى هذا الارتباط بالنيل، الملاذ الأساسي من حر الصيف، في أشكال التعبير الشعبي والموسيقي؛ فغنى أبو عبيدة المتعدد في خانة من خانات فن الكف عن لجوء الصعايدة إلى النهر:
في عز القيلة والنيران / كتير بتصيبنا متاعب
خصوصًا إننا في أسوان / جهنم صيفنا الصاعب
بشوق بنروحله في الحوجة / بعرّاقينا والبوجة
وموجة تلوها موجة / يمايل فينا ويداعب
كما سجلت ليلى نظمي شكواها من الطقس ورغبتها في الخروج من منزلها في أغنية “الدنيا حر الدنيا حر / أنا عايزة أخرج أتهوى” وتولت جواهر تأكيد أهمية النيل وجهةً رسمية للجميع في عز الضهر في رائعتها ع الكورنيش.
ولادة المصيف المصري
أما التصييف نفسه، فظل حتى منتصف القرن العشرين امتيازًا اجتماعيًا. تابعت الصحف استعدادات الإسكندرية لاستقبال المصيفين، وحفلات الفنادق، ومواسم الوصول والعودة، ونشرتها تحت باب “أخبار المجتمع”. كان المجتمع المقصود هنا شريحة محدودة من الطبقة الأرستقراطية، وكبار الموظفين، والجاليات الأجنبية المقيمة في مصر؛ وهو مجتمع قدّره جمال عبد الناصر بنصف في المئة فقط من السكان.
تعود البدايات الأولى لهذه الثقافة لبدايات القرن التاسع عشر، مع ازدياد الوجود الأوروبي في الإسكندرية؛ ففي عام ١٨١٤ وصف الرحالة الإنجليزي برامسن المنشية بأنها ميدان واسع قرب البحر جرى تحسينه وتغطيته بالحصى من قبل الأوروبيين للاستمتاع بنسيم البحر. خلال العقود التالية ظهرت حمّامات البحر، وهي كبائن خشبية ممتدة على أعمدة داخل مياه الشاطئ وتتصل بالرمال عبر جسور خشبية تجلب المياه إلى أحواض مغلقة تشبه حمّامات السباحة حاليًا.
انتشرت هذه الحمّامات في المنشية والميناء الشرقية والشاطبي والرمل، ثم ظهرت حمامات كليوباترا التي أقامها التاجر اليوناني جورج زورو، ولم يبق منها سوى اسم محطة ترام كليوباترا حمّامات، المحطة التي قد تكون أزيلت بالفعل لدى نشر هذه المادة ضمن أعمال تطوير ترام الرمل.
مع سبعينات القرن التاسع عشر، اكتملت ملامح مصيف الإسكندرية. توسعت الشواطئ المنظمة، وظهرت أحياء ارتبطت بالمصيف مثل الإبراهيمية وسابا باشا، حيث انتشرت الفيلات والاستراحات الخاصة، وأصبحت المدينة تستقبل موسمًا صيفيًا منتظمًا.
حملت منيرة المهدية، التي عاشت طفولتها في الإسكندرية، هذه الأجواء إلى مسرحها الغنائي، فقدمت أغنية ليلة ما جه في المنتزه من ألحان محمد القصبجي، ضمن قالب الطقطوقة المصرية، مقدمةً أحد أوائل النماذج التي جعلت المصيف جزءًا من الحكاية الغنائية. ساعد تطور صناعة الأسطوانات في اتساع انتشار هذا اللون، فخرجت الأغنية من المسرح والجلسات الخاصة إلى التسجيل، وأصبح في مقدور الجمهور سماعها في مدن بعيدة عن الإسكندرية وفي بيوت لم يعرف أهلها البحر بعد.
جاءت الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ – ١٩١٨) فغيّرت خريطة الصيف في مصر؛ لتتحول الإسكندرية إلى مركز عسكري ومستشفى لاستقبال الجنود والجرحى، بينما اتجهت الأنظار إلى رأس البر، المدينة الصغيرة الواقعة عند ملتقى النيل بالبحر المتوسط.
كانت رأس البر قد بدأت رحلتها مع التصييف قبل ذلك بسنوات؛ فمنذ عام ١٨٢٣، تزامنت احتفالات مولد الشيخ الجربي مع توافد التجار والصيادين إلى المنطقة، ثم بدأ أعيان دمياط قضاء أيام الصيف بين النيل والبحر، وشُيدت أكواخ من البوص والحصير للإقامة الموسمية. أيضًا، بعد انتشار الكوليرا في ثمانينات القرن التاسع عشر، أوصى الطبيب الألماني روبرت كوخ بمصيف رأس البر، مشيدًا بجفاف هوائه ونقائه مقارنة بمناطق أخرى. ثم جاء إنشاء جسر دمياط، وتطوير المرافق، ما شجع الفرنسي يكلان والسيدة كورتيل على إنشاء مطعم وفندق، وتوسعت الخدمات المخصصة للمصيفين.
لكن الدفعة الأكبر لمصيف رأس البر أتت من الحرب العالمية الأولى؛ فقد حرم كثير من أبناء الطبقة الأرستقراطية من السفر إلى أوروبا، كما فقدت الإسكندرية هدوءها المعتاد.
انتقلت الأغنية مع المصيف، فغنت منيرة المهدية طقطوقة يا محلا الفسحة في رأس البر من ألحان داود حسني وكلمات الأزهري أحمد عاشور سليمان، القادم من بيئة تنتمي إلى الطبقة الوسطى المتعلمة، فكتب عن المصيف مساحة للفسحة والمتعة.
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، بدأت الاسكندرية مشروع إنشاء الكورنيش لاستعادة مكانتها عاصمة للمصيف المصري. بدأ العمل في إنشائه عام ١٩٢٥، واستمر على مراحل حتى اكتمل عام ١٩٣٤، ممتدًا من قصر رأس التين غربًا إلى قصر المنتزه شرقًا. غيّر المشروع تشكيل المدينة كلها، توسع العمران، ظهرت شواطئ جديدة، استُبدلت كثير من الحمّامات والكبائن الخشبية التي كانت تتضرر مع نوات الشتاء، بمنشآت من الخرسانة المسلحة أكثر قدرة على الاستمرار على امتداد الساحل، وأصبح الوصول إلى البحر أكثر سهولة.
كتب المؤرخ إدوارد فوستر، في كتابه الإسكندرية: دليل وتاريخ، أن إنشاء الكورنيش غيّر اتجاه نمو المدينة؛ فبعد أن ظل العمران يتجه لسنوات بمحاذاة ترعة المحمودية، امتد هذه المرة مع البحر. أصبحت الشواطئ جزءًا من الحياة اليومية للإسكندرية، وجزءًا من صورة المدينة في الوعي المصري.
بالتوزاي مع هذا التحول العمراني، بدأت الأغنية تكتشف البحر من جديد. في فيلم يحيا الحب غنت ليلى مراد، في أول ظهور سينمائي لها، كلمات أحمد رامي وألحان محمد عبد الوهاب: ياما أرق النسيم لما يداعب خيالي.
قدمت الأغنية البحر مساحة للصفاء والرومانسية، وظهر تأثر رامي بحركة مياه البحر المتوسط في كتاباته الغنائية اللاحقة؛ إذ نقل حركة الموج المتتابعة إلى أغنية فاكر لما كنت جنبي لأم كلثوم: “الموجة تجري ورا الموجة عايزة تطولها.”
توقفت مواسم الصيف السكندرية مرة أخرى مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، قبل أن تستعيد المدينة حيويتها مع نهاية الحرب. في فيلم فاطمة (١٩٤٧) عبرت أم كلثوم في أغنية جمال الدنيا، من كلمات رامي وألحان زكريا أحمد، عن العودة المباشرة للأنشطة البحرية وسياحة الموانئ:
يا محلا الفسحة في المينا / وموج البحر حوالينا / يميّل بينا على المينا
رسخت الأغنية البحر والإسكندرية مكانًا للنزهة والفسحة، وهي الفكرة التي عملت الإسكندرية على ترسيخها خارج شاشة السينما، عبر الكورنيش، الشواطئ المنظمة، الكبائن الممتدة من الشاطبي إلى جليم وستانلي وسيدي بشر.
بحلول أواخر الأربعينات، اتسعت خريطة المصيف داخل المدينة نفسها. احتفظت بعض الشواطئ بطابعها الأرستقراطي، بينما استقبلت شواطئ أخرى أبناء الطبقة الوسطى والعائلات القادمة من المحافظات.
انعكس هذا التنوع على المظهر العام، حضرت الفساتين ذات الألوان الزاهية، والقبعات الصيفية، والملابس البحرية الأنيقة. احتفظت الأنشطة بطابعها البسيط؛ سباحة في الصباح، ومشوار على الكورنيش، بينما جلس آخرون يطالعون الصحف والمجلات أو يتبادلون الأحاديث مع الأسرة والأصدقاء، تحت شماسي مؤجرة بعدة قروش.
غنى محمد قنديل في تلك الفترة بين شطين ومية من كلمات محمد علي أحمد وألحان كمال الطويل، ثم جاء كارم محمود بأغنية على شط بحر الهوى. ثم في عام ١٩٥٠ كتب الشاعر إبراهيم محمد ندا من شاطئ كليوباترا قصيدته الشاطئ الخالي التي غنتها فايدة كامل بألحان عبد الحليم علي؛ مستعيدًا في كلماتها أصوات المصيفين بعد رحيلهم: “أين يا شاطئ روادك أينَ؟”، محولًا الشاطئ لمساحة لاستدعاء الذكريات “كم سهرنا وحدنا في كليوباترا / والمنى تهدي لنا زهرًا وعطرًا.”
مع اتساع حركة التصييف، بدأت مدن ساحلية أخرى تبحث عن مكانها، كان أبرزها مرسى مطروح. جاء فيلم شاطئ الغرام (١٩٥٠) بطولة ليلى مراد وحسين صدقي، ليمنح المدينة هذا الحضور، من خلال المناظر الطبيعية والشواطئ الواسعة، قدم الفيلم مطروح مكانًا يجمع البحر والهدوء والرومانسية في أغاني: بحب اتنين سوا المية والهوا ويا ختي عليه ويا مسافر وناسي هواك.
تصدّر البحر أغنيات تلك المرحلة فضاءً يجمع العشاق ويحتفظ بذكرياتهم، بينما حملت المدن الساحلية ملامح المحبة والدفء الإنساني. غنى المصريون مع محمد قنديل يا غاليين عليا يا اهل اسكندرية، ثم خاطبوا مع ليلى مراد ساكني مطروح، ليرتبط المصيف لدى المصريين بالحب نفسه، حتى بدا اللقاء العاطفي أحد الطقوس المنتظرة للرحلة الصيفية.
من أغاني البحر إلى أغاني المصيف
أعادت ثورة يوليو ١٩٥٢ توزيع المجال العام، وكان الشاطئ أحد هذه المجالات. فُتحت شواطئ أمام الجمهور، وأزيلت رسوم الدخول من بعضها، مثل شاطئ ميامي الذي ارتبط طويلًا بالطبقة الأرستقراطية.
انطلقت آلاف الأسر إلى الإسكندرية محملة بحقائب الطعام ووابور الجاز والملايات، لتقضي يومًا كاملًا على البحر، وانتشرت على الرمال مباريات الراكيت والكوتشينة، بينما أصبحت الشماسي تصنع من الجريد والخوص، وجلس الأطفال في سباقات الحفر وبناء القلاع الرملية.
على الكورنيش تحرك بائعو الفريسكا والحمص والترمس والذرة، في حين انتقل المصورون بين العائلات لالتقاط الصور التذكارية التي عادت معهم إلى البيوت سجلًا للصيف. عند المساء، استكملت المدينة يومها بعروض السيرك الصيفي والتنزه على الكورنيش، وركوب الطفطف في المصايف التي اعتمدته وسيلة للتجول.
في الوقت نفسه، اتجهت الدولة إلى تطوير المعمورة، التي كانت قرية يغلب عليها الطابع الريفي، وتحولت إلى منتجع يضم الشاليهات والحدائق والشواطئ المنظمة. بدأت أبوابها مفتوحة أمام الجميع، ثم ظهرت أنظمة تأجير الشاليهات والفيلات، وعادت الفوارق الاجتماعية إلى الشاطئ بصيغة جديدة كما تبدلت أسماء كثير من الشواطئ والمنشآت، فحلت أسماء عربية ووطنية مثل فلسطين وصلاح الدين وعايدة، إلى جانب أسماء فرعونية مثل كليوباترا وسميراميس، في انعكاس للهوية التي سعت الدولة إلى ترسيخها بعد الثورة.
واكب هذا التحول نمو حركة التأليف والتنسيق الموسيقي لأغنية المصيف. في منتصف الخمسينات، غنى إبراهيم عبد الشفيع “إسكندرية أم الخفة عالبحر الأبيض تفاحة” والتقى محمد عبد المطلب حبيبته “على شط البحر المالح”، بينما “شبك حبيب” شادية قلبها في فيلم شاطئ الذكريات وقدمت شريفة ماهر بحر الغرام، وشاركت سعاد مكاوي المطرب السوداني إبراهيم عوض في على موج البحر. احتفت الأغنيات بالموج والنسيم والشاطئ، مانحة البحر مساحة أكبر من المصيف نفسه.
مع نهاية الخمسينات وبداية الستينات تغيرت زاوية النظر. أصبح الإنسان هو بطل الأغنية، وتحولت رحلة المصيف إلى الموضوع الأساسي. في فيلم شاطئ الأسرار غنى محمد قنديل بين البر والتاني، فجعل رحلة الانتقال جزءًا من السرد الغنائي: “أودي واجيب حبيب لحبيب”، وأدخل بورسعيد لساحة التنافس الصيفي. ثم جاءت فيروز خلال زيارتها إلى الإسكندرية عام ١٩٦١ لتغني شط اسكندرية يا شط الهوى مستخدمة أفعال الحركة مثل روحنا ورمانا في معايشة ليوم المصيف نفسه. بينما اختار المخرج محمود ذو الفقار حدائق المنتزه وشاطئ الإسكندرية مسرحًا لأغنية صباح الدوامة في فيلم الأيدي الناعمة الذي كان تسويقًا مباشرًا من دولة يوليو.
خلال النصف الثاني من الستينات، اكتملت ملامح أغنية المصيف المصرية. غنى محرم فؤاد يا غزال اسكندراني وقدمت نجاة أنا بعشق البحر لتضع البحر إلى جوار السماء والطريق باعتبارها مكونات لرحلة واحدة، بينما بدأت شادية في ع البحر يا عين حكاية حب تنطلق من الشاطئ إلى الشمسية. في فيلم شاطئ المرح حضرت تفاصيل يوم المصيف كاملة؛ غنت نجاة عاليادي وقدم ثلاثي أضواء المسرح أغنية جمبري محتفين بالطعام والكازينوهات والشماسي وأجواء البحر، ثم شاركتهم سعاد حسني أغنية خدنا أجازة ليصبح السفر نفسه بداية الحكاية ويفسح المجال لرحلات شبابية واستعراضات على الشواطئ، كما التقط ماهر العطار الرمل بصفته مكانًا للجلوس والغناء واللقاءات في “افرش منديلك ع الرملة / وانا الف واجيلك ع الرملة.”
بهذا اتسعت أغاني المصيف لتضم الطريق والإجازة والكورنيش والرملة والشمسية، وتحولت المصايف من خلفية للأحداث إلى مكان يحمل ملامحه الخاصة داخل الذاكرة الغنائية، وأصبحت رحلة المصيف بما تحمل من سفر وتعارف وتنزه وتفاصيل يومية هي الموضوع الرئيسي للأغنية، بعدما كانت البطولة كلها للموج والنسيم.
جاء عام ١٩٦٩ ليقدم الأغنية التي رسخت هذا التحول أكثر من أي عمل آخر. في فيلم أبي فوق الشجرة غنى عبد الحليم حافظ قاضي البلاج التي اشتهرت بـ دقوا الشماسي، وافتتحت بعبارة: “باسم الهوى والشمس والبلاجات / باسم الشباب والحب والأجازات” كأنها نشيد رسمي للمصيف، ليجسد المشهد الاستعراضي مظاهر التجمعات الشبابية، وتثبيت الشماسي، والاحتفاء بالرمل والمياه والإسكندرية، ليصل المستمع بالفعل إلى الشاطئ. تحولت الأغنية إلى طقس افتتاح موسم الصيف، وبقيت حتى اليوم أكثر الأغاني ارتباطًا بالمصيف المصري.
بعدها بعامين، أكمل محمد رشدي هذا المسار في فيلم فرقة المرح من خلال أغنيتي طاير يا هوا وع الرملة. حملت الأغنيات مفردات يعرفها كل مصيف؛ الرمل، الموج، الاسم المكتوب على الشاطئ، والحب الذي يبدأ مع الإجازة وربما ينتهي بانتهائها.
حين غيرت الحرب خارطة المصيف
كما دفعت الحربان العالميتان رواد الإسكندرية إلى اكتشاف رأس البر، جاءت نكسة يونيو ١٩٦٧ لتغيّر الخريطة مرة أخرى. خرجت بورسعيد ورأس البر من الموسم الصيفي لسنوات بسبب الحرب، وبدأ المصيفون يبحثون عن شواطئ جديدة.
في هذا التوقيت، برز اسم جمصة بقوة. كانت المدينة قد بدأت مشروعها السياحي مطلع الستينات، عندما اقترضت هيئة قناة السويس نصف مليون جنيه لإنشاء أربعين شاليهًا وفندقًا صغيرًا على الشاطئ، ثم تأسست عام ١٩٦٤ شركة عامة لإدارة المصيف على غرار تجربة المعمورة، وتولت تطوير المدينة وتنظيمها، بينما شاركت معسكرات الشباب في شق الطرق وإنشاء المرافق وتشجير المنطقة استعدادًا لاستقبال الزوار.
منحت الحرب هذا المشروع دفعة غير متوقعة. تحولت جمصة إلى الوجهة الأولى لمصيفي بورسعيد وراس البر، وامتلأت شواطئها بالأسر القادمة من محافظات الدلتا والقناة. في صيف ١٩٧٢ بلغت المدينة ذروة ازدهارها، حتى أطلقت الصحافة على ذلك الموسم اسم الصيف الذهبي. استضافت جمصة في سبيل ذلك مهرجانًا للسينما حضره عدد من نجوم الفن.
إلى جانب جمصة، واصلت بلطيم صعودها خلال تلك الفترة. توسعت العشش والكباين، وشُق الطريق الذي ربطها بالمحلة، قبل أن يصل إليها الطفطف مستلهمًا تجربة رأس البر. لكن بقي ازدهار جمصة وبلطيم مرتبطًا بالظرف التاريخي الذي صنعه؛ وبعد حرب أكتوبر استعادت رأس البر وبورسعيد جزءًا كبيرًا من روادهما، وعادت المنافسة بين المصايف الساحلية من جديد.
افتتح فيلم في الصيف لازم نحب ١٩٧٤ هذه المرحلة مبكرًا، حين غنى سمير صبري مع أبطال الفيلم فيه حاجة حصلت وشيء طبيعي لو نحب؛ وكان قبلها قد غنى محتار أنا والبنات في فيلم حب وكبرياء لتصبح المصايف خلفية طبيعية لقصص الحب الخفيفة التي ملأت السينما في السبعينات. في الفترة نفسها شدت مها صبري بأغنية الهوى بحري من كلمات ابن قنا الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وألحان بليغ حمدي، والتي تقول: “الهوى مش هنا دا الهوى بحري / وإيه جاب مصر لقنا وقبلي لبحري”، قبل أن تعود لتغني: أنا الموجة وهو البحر ويا بحر الهوى حنية.
خلال النصف الثاني من السبعينات واصلت أغاني المصيف تنويع مفرداتها. غنت سعاد حسني بمبي في فيلم أميرة حبي أنا، واستعادت فايزة أحمد البحر في كوبلية “يا حبيبي زي موج البحر” في أغنية نقطة الضعف، بينما حافظ سمير صبري على حضوره السكندري في استعراضات مثل اسكندرية وكان مرة فيه ولد ويا بنات اسكندرية، قبل أن ينقل الكاميرا إلى شواطئ الغردقة في أغنية إضحك يا ابو علي معلنًا عن دخول البحر الأحمر إلى خيال المصريين المصيفي، والذي كان بمدنه الغردقة وسفاجا والقصير ورأس غارب وجهة الصعايدة الصيفية لسنوات.
في الثمانينات، أصبحت الأغنية أقرب إلى دليل سياحي شعبي. في دنجا دنجا أخذت روح الفؤاد المستمع في جولة على الكورنيش: “سوق بينا يا اسطى على الكورنيش ناكل درة ونشرب مانجا”، وصورت لبلبة أغنية نقول ونغني على شاطئ المنتزه، حيث امتزج الغناء باللقاءات الجماعية والسهرات الصيفية “حبة نغني وحبة نحب / وتبقى الدنيا شابة وشاب.” كما احتفت إيمان الطوخي بميناء الإسكندرية والشاطئ وأحياء المدينة وأصدقائها في لولي يا موج البحر وإسكندرية، وحمل محمد منير البحر في أمانة يا بحر باعتباره طريقًا للمراكب والمسافرين، بينما ربطت ياسمين الخيام في ابعد عني عيونك بين البحر وموجه ومشاعر التردد والانتظار.
مع منتصف الثمانينات، ترسخت لدى المصريين طقوس ثابتة للمصيف، كانت العائلات تصل إلى الشاطئ محملة بحقائب الطعام التي تضم المسقعة والبيض والجبن والبطيخ المبرد، إلى جانب الشماسي والكراسي الخشبية القابلة للطي ومضارب الراكيت وأوراق الكوتشينة. كما انتشرت على الكورنيش عربات الذرة والمانجا والفريسكا.
بالتوازي مع هذا التحول، دخلت أغنية المصيف مرحلة جديدة مع الانتشار الواسع لأجهزة الكاسيت، التي صاحبت العائلات في الطريق إلى البحر وعلى الشاطئ. في تلك الأجواء تردد صوت أحمد عدوية يغني: “يا بحر يا ابو البحور موجك لعب بيا / غرقني موجك ليه ع البر ورماني / واللي بدور عليه رجعني وحداني” من أغنيته جوز ولا فرد؛ لتصبح الأغنية جزءًا من تجربة المصيف.
واكبت الأغنية هذا التحول بتوسيع حضور المصيف والبحر داخل موضوعاتها. في عام ١٩٨٧ غنى علاء عبد الخالق الحب بحر، بينما احتفت حنان بتفاصيل يوم البحر، من كورنيش الإسكندرية إلى الشاطئ والشمسية وموعد اللقاء في صباح اليوم التالي في أغنية الشمس الجريئة، وقدم إبراهيم عبد القادر من ألحان وتوزيع حميد الشاعري الصيف والشمس، والتي يقول فيها: “يا صباح العوم والمية / يا مسا الصحبة الحبيبة / يا حلاوتك في العصرية / يا جمالك في التغريبة.” في العام التالي قدمت أنغام هوى المصايف فجعلت المصيف مساحة للذكريات واللقاءات العابرة التي تبدأ على الشاطئ وتبقى بعد انتهاء الصيف.
أسهم التلفزيون المصري في ترسيخ صورة المصيف لدى الأطفال من خلال أغنية طيور النورس لمحمد ثروت، من كلمات صلاح جاهين وألحان هاني شنودة، والتي صورت في المنتزه بالإسكندرية، وقدمت البحر والكورنيش والأندية البحرية في قالب استعراضي، فربطت أجيالًا من الأطفال بالإسكندرية وجهة الصيف الرئيسية.
بالتوازي مع هذا التحول في الأغنية، أعادت خريطة المصايف المصرية ترتيب نفسها. مع نهاية الثمانينات اتجهت أعداد متزايدة من الأسر إلى شواطئ جديدة مثل العجمي، التي جذبت الباحثين عن مساحات أوسع وهدوء أكبر خارج قالب المصيف التقليدي. بدأت المنطقة بمجموعة محدودة من الشواطئ والقرى الصيفية، ثم اتسعت تدريجيًا مع زيادة الإقبال، لتصبح مقصدًا لعائلات قادمة من محافظات مختلفة، قبل أن تلحق بها موجات جديدة من العمران والخدمات.
مدد يا مرسي ألحقلي كرسي
مهد هذا الانتشار لمشهد مختلف في التسعينات. استعادت الإسكندرية موقعها بطلة الأغنية الصيفية، وعاد البحر إلى مركز الحكاية من زاوية إنسانية ترتبط بأصحابه ورواده. غنى منير من كلمات أحمد فؤاد نجم وألحان أحمد منيب “يا اسكندرية بحرك عجايب / ياريت ينوبني من الحب جانب” محتفيًا بالمدينة مكانًا يجمع البحر والتاريخ والناس، لترد عليه أنوشكا بأغنية ملاح وتربط شريك رحلتها النوبي منير بأصوله في نهر النيل، بينما ضم مدحت صالح الموانئ والسفن وأهل الساحل في كل بحر.
في الوقت نفسه، اتسعت رحلات المصيف لتشمل الإقامة لأسبوع أو أكثر، وامتلأت السيارات بحقائب الملابس والعوامات والمراتب الهوائية، بينما أصبحت شرائط الكاسيت المحرك الأساسي لانتشار أغنية المصيف. مع كل رحلة، رافقت الأغنيات العائلات منذ الطريق وحتى الشاطئ، ما منحها حضورًا يوميًا داخل تجربة المصيف، ورسخ أصوات مطربي جيل التسعينات في الذاكرة الجماعية.
ظهرت آثار هذا التحول بوضوح في الأغنيات؛ فغنى مصطفى قمر معجبًا بالمدينة وشاطئها ومينائها يا واد يا اسكندراني، ثم واصلت لطيفة في زي البحر استلهام مفردات البحر للتعبير عن العلاقة العاطفية، وجعلت أنغام لقاء الحبيبين يبدأ على رمال الشاطئ بين الشماسي والزحام في اشهدي يا اسكندرية، واستحضر علاء عبد الخالق حي بحري ومفردات الميناء والشباك والهوى في أغنية بحري، وحتى رائد الأحزان محمد محيي قدم أغنية الصيف.
في تلك الفترة طرح إيمان البحر درويش أغنية الأطفال في البحر سمكة برفقة ابنته، والتي وثقت لنا صورة أطفال ذاك الزمان وسط أصوات الشاطئ والصيادين والزحام، لتصبح جزءًا من ذاكرة جيل. في المقابل اتجهت وردة الجزائرية إلى الغردقة لتغني شمس وبحر في فيلم ليه يا دنيا لتؤكد صعود البحر الأحمر المتواصل، واتساع دائرة المقاصد الساحلية لتشمل مرسى علم، ومدن سيناء شرم الشيخ ودهب وطابا ونويبع، مع انتشار أنشطة الغوص والرحلات البرحية والسفاري، لتضيف إلى ثقافة المصيف المصرية أنماطًا جديدة من قضاء الإجازة.
مع ذلك بلغ الاحتفاء بالإسكندرية في منتصف التسعينات ذروته. قدم علي الحجار يا اسكندراني التي تحولت إلى واحدة من أشهر أغاني المصيف، وجعلت الجلوس على شاطئ الإسكندرية حلمًا يردده القادمون من وادي النيل في اللازمة الشهيرة “مدد يا مرسي / الحقلي كرسي / ع الشط واقعد / سلطان زماني.” في ذات الفترة واصل مصطفى قمر الغناء لمدينته في ليل اسكندرية واسكندرية يا محلاها، بينما قدّم الشاطئ مسرحًا لذكريات الحب في ع البحر.
خلال الفترة نفسها قدم أحمد زكي أغنية استاكوزا وانطلق سمير صبري إلى الإسماعيلية في فيلم في الصيف الحب جنون ليغني يلا يا حلوة رفقة ليلى علوي. في حين غنت رجاء بلمليح البحر وإنت وأنا مستعيدة على الشاطئ الحكايات القديمة وتعاقب الأجيال، كما قدم إيهاب توفيق زي البحر مستعيدًا صورة البحر للتعبير عن اتساع المشاعر واستمرارها.
في عام ١٩٩٧ حمل مسلسل زيزينيا تترًا بصوت محمد الحلو، كتب كلماته أحمد فؤاد نجم ولحنه عمار الشريعي، ليقدم الإسكندرية مدينةً تختزن التاريخ والبحر والذكريات، ويستدعي مفرداتها؛ الشاطئ والرمل والميناء والبحر، في عمل رسخ صورة المدينة في وجدان جيل كامل.
في الموسم نفسه، جاء مسلسل حلم الجنوبي مانحًا البحر والإسكندرية حضورًا مختلفًا؛ فبينما تبدأ الحكاية في صعيد مصر، تصل رحلة البطل إلى المدينة الساحلية، لتصبح الإسكندرية محطة للتحول الشخصي والهجرة والبحث عن بداية جديدة. أسهم تتر محمد الحلو، إلى جانب أغنية سيمون نبكي والبحر واخدني في ترسيخ حضور البحر، وعزز مكانة الإسكندرية في أحلام أبناء المحافظات البعيدة عنها.
مع مطلع الألفية الجديدة، اتسعت خريطة المصايف المصرية فصعدت وجهات جديدة مثل شرم الشيخ والعين السخنة، ثم الساحل الشمالي، وساعدت الطرق الجديدة، والاستثمار السياحي، والتوسع في المنتجعات والقرى السياحية، على إعادة توزيع المصيفين، وتغير تصور المصريين لقضاء الإجازة.
واكبت السينما والأغنية هذا التحول، فقدم فيلم شورت وفانلة وكاب سنة ٢٠٠٠ أغنية مدحت صالح وميرنا حبيبي يا عاشق لترتبط شرم الشيخ في الوعي الشعبي بأحد أبرز الأفلام الرومانسية في تلك الفترة. ثم جاء محمد سعد ليغني البسكلتة في فيلم اللمبي مستثمرًا أجواء الرحلات الصيفية في شرم الشيخ. قبلها كان محمد هنيدي يغني في العين السخنة رقصونا في فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية، وفي عام ٢٠٠٣ عزز فيلم ميدو مشاكل هذا الاتجاه من خلال أغنية شيرين عبد الوهاب روق روق التي جعلت رحلة الأتوبيس إلى العين السخنة جزءًا من التجربة الترفيهية، وربطت المصيف بالتنقل الجماعي، واكتشاف وجهات صيفية جديدة.
في المقابل، استمرت الدراما في الاحتفاء بالإسكندرية. في عام ٢٠٠٢ غنت حنان اسكندرية الصبية في تتر مسلسل البحار مندي، ثم جاء تتر مسلسل ريا وسكينة في ٢٠٠٥ بصوت خالد عجاج، ليعيد تقديم الإسكندرية مدينة متعددة الطبقات الاجتماعية والثقافية، واستمر هذا الحضور بصوت محمد ثروت في تتر مسلسل شط اسكندرية عام ٢٠٠٨.
صعود الساحل
كان التحول الأبرز في خريطة المصايف المصرية هو دخول الساحل الشمالي، الشريط الساحلي الممتد من غرب الإسكندرية إلى مشارف مرسى مطروح (بطول ٢٥٠ كيلو مترًا تقريبًا). في البداية ظهرت قرى مثل مراقيا وماربيلا ثم مارينا، معتمدة على نموذج مختلف عن مصايف الإسكندرية ورأس البر وجمصة؛ فبدلًا من المدينة المفتوحة التي يشترك سكانها وزوارها في الشاطئ والكورنيش، تأسست القرى الجديدة على الملكية الخاصة، والبوابات، والخدمات الداخلية، لتصبح القرية السياحية هي وحدة المصيف الأساسية.
التقط أحمد حلمي في فيلمه جعلتني مجرمًا نمط الحياة الجديد في الساحل الشمالي، في جملته الشهيرة “مارينا بتاعة الأغنيا”، وجاءت أغنية واحدة واحدة بصوت محمد حماقي لتربط الساحل الشمالي بصورة الصيف الجديدة، وتكرس حضوره باعتباره الوجهة الأبرز في الأغنية والسينما خلال السنوات التالية.
مع اتساع الاستثمار العقاري خلال الألفية الجديدة، امتد العمران غربًا إلى سيدي عبد الرحمن ورأس الحكمة، وتحول الساحل الشمالي من مجموعة قرى صيفية إلى شريط طويل من المنتجعات الخاصة. أصبحت كل موجة تطوير تدفع المصيف إلى منطقة أبعد من سابقتها، بحثًا عن مساحات جديدة وخصوصية أكبر، بينما انتقلت القرى الأقدم تدريجيًا إلى شرائح اجتماعية أوسع، لتتكرر دورة الانتقال مرة بعد أخرى.
غيّر هذا التحول وظيفة المصيف نفسها؛ فبعد أن كان الهدف قضاء أيام أمام البحر، أصبح امتلاك شاليه أو فيلا جزءًا من أنماط الاستهلاك والاستثمار، وأصبحت القرية السياحية تقدم خدمات متكاملة من مطاعم ومراكز تجارية ومراسٍ وحفلات وأنشطة ترفيهية، بما يسمح بقضاء الإجازة كاملة داخل أسوارها دون الحاجة إلى المدينة المجاورة.
في الوقت نفسه، نشأت تحديات اجتماعية جديدة؛ فقد ارتبطت بعض القرى بأسعار مرتفعة وقواعد دخول خاصة، وتحول اسم المنتجع إلى مؤشر على المكانة الاجتماعية لدى قطاع من المصريين. مع انتقال الفئات الأكثر ثراءً باستمرار إلى مشروعات أحدث، ظهرت تسميات دارجة مثل الساحل الطيب والساحل الشرير في تعبير ساخر عن الفوارق الطبقية التي أصبحت تفصل بين أجزاء الساحل، وعن انتقال المنافسة من جودة البحر إلى مستوى الخدمات، ودرجة الخصوصية، وهوية رواد كل منتجع.
مع ترسخ هذا النموذج، انتقلت صورته إلى الثقافة الشعبية. تحول الساحل الشمالي إلى بطل أغنية المصيف، فأصبحت الأغاني تذكر اسمه وتستحضر تفاصيل يومه وأسلوب الحياة المرتبط به. في عام ٢٠١٩ قدم فريق واما شمس بحر وطرح إيهاب توفيق الصيف والبحر والمية والهوى ثم جاءت أغنية عمرو دياب أماكن السهر لتربط الصيف بالحفلات والحياة الليلية، قبل أن يكتب محمود العسيلي عنوان تلك الفترة بأغنية إنت هنا في الساحل.
خلال السنوات التالية اتسعت هذه الصورة؛ فغنى محمد رمضان الجو حلو وقدم إيهاب توفيق من الساحل متنقلًا بين الساحل والسخنة وشرم، وضمن حملة مدينة الجونة بالغردقة لاستقطاب المصيفين الأكثر ثراءً والترويج لمهرجانها السينمائي صور أبو برفقة يسرا وعدد من الفنانين ثلاث دقات، وعندما طلب طارق الشيخ بأن يودوه البحر كان مصيره “رجعوني عطشان فاضي كاسي”. هذا بينما احتفت أغنيات مثل حلو التان لأحمد جمال وبلبطة لحسين الجسمي بمفردات المصيف الجديد؛ من الـ تان وملابس البحر إلى توثيق ثقافة الساحل، بما تحمله من مفردات وعادات وأنماط استهلاك أصبحت جزءًا من الهوية الموسمية لدى شريحة واسعة من الجمهور.
مع اتساع نفوذ الساحل الشمالي في الثقافة الشعبية، دخلت الشركات على الخط وحولت أغنية المصيف إلى أداة تسويقية مباشرة. تجسد هذا التحول في إعلانات مثل يا صيف الذي قدمه أكرم حسني وعبد الباسط حموده، قبل أن يعود أكرم بإعلان يا عم صيف الذي ربط الصيف بالهروب من ضغوط العمل والمدينة والبحث عن مساحة للراحة والمرح. ثم جاء إعلان فرحة الصيف ليضع الصيف في قلب التجربة من خلال العبارة التي تحولت إلى جملة متداولة بين الشباب: “ودوني البّول أطلع مبلول، خلوني في الساحل هنا مش في المسحول.”
في عام ٢٠٢٣ قدم محمد رمضان إعلان ملوك الصيف التي يردد فيها “أكتر وأكتر” ليربط الإجازة بالرفاهية والحفلات والسيارات واليخوت والظهور الاجتماعي، في انتقال من الترويج لمنتج أو شركة للترويج لأسلوب حياة كامل، يقوم على فكرة أن الساحل هو المكان الذي تُصنع فيه الذكريات والصور والعلاقات الاجتماعية خلال موسم الصيف.
في مقابل ذلك دخلت المهرجانات الشعبية لتقدم تصورًا مختلفًا للمصيف يقوم على الإيقاع السريع واللغة اليومية والعبارات المتداولة على مواقع التواصل. ظهر مهرجان أبلبط أبلبط لفريق الصواريخ، وكأنهم يغنون بلسان كل المصريين “أنا عاوز أسافر / ودوني البحر / عاوز أبقى فريش / أروح أغير جو / وأشوف الفيش / عايز أعوم في الميو / عاوز أعمل تش / ركبوني عوامة / ودوني معلش”، وصدرت الصيف مولع لأيمن الديب، ويلا بينا على رأس البر لعلي الصغير. بينما اتجهت الأغاني التي شارك بها أطفال إلى تقديم المصيف مساحة للعب والمرح، كما في الصيف والصيف دا جه لمستر أحمد والأميرة فيروز، ويا صيف يا صيف لمحمود الجمل.
رغم انتقال مركز الثقل المصيفي تدريجيًا إلى الساحل الشمالي، استمرت الأغاني التي تحتفي بالإسكندرية؛ فغني سعد الصغير اسكندرية ثم قدم هاني شاكر عاشق يا اسكندرية، وأعادت مروة ناجي تذكر مناطق الإسكندرية في يا إسكندرية، وطرح حمزة نمرة أغنية اسكندرية في ألبوم رايق. في ٢٠٢٦ استعاد مجد القاسم تفاصيل المصيف السكندري من المعمورة وبحري والعجمي إلى الجلوس تحت الشماسي وقضاء اليوم على الشاطئ في أغنيته شط إسكندرية مؤكدًا أن الإسكندرية ما تزال تحتفظ بأنها المدينة التي يبدأ منها الصيف في المخيلة المصرية.
في عام ٢٠٢٦ جاءت أغنية الطفلة آيسل خالد هرقص ع الشط لتجمع هذه التحولات كلها في عمل واحد؛ إذ انتقلت بين الشاطئ المجاني والشاطئ الخاص، واستحضرت مفردات كل منهما، من الفريسكا والمحشي وبراد الشاي والكرة المشتركة على الرمال، إلى الـ بيتش والشيزلونج والموهيتو، لتقدم صورة ساخرة ترصد تنوع أنماط المصيف المصري وتباينها.
في قرى مصر، يردد الأطفال “لا ساحل ولا مارينا / ترعتنا أولى بينا” وهم يهربون من حر الصيف إلى النيل والترع؛ وبين مياه النهر ومياه البحر، تولد أحلام متعاقبة بالمصيف، صنعتها الأغاني قبل الرحلات. بدأ الحلم بالإسكندرية، ثم انتقل إلى الغردقة وشرم الشيخ، واليوم يحط رحاله في الساحل الشمالي، بينما تظل الأغنية تؤدي الدور نفسه؛ تمنح المكان حضوره في الخيال قبل أن تطأه الأقدام.
